فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 1465

1 - (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ) : بضم الحاء المهملة وبصيغتي التصغير، والنسبة أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله بن الزبير بن عبيد الله بن حميد بن أسامة بن زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي.

يجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في قصي ومع خديجة بنت خويلد زوج النبي صلى الله عليه وسلم في أسد بن عبد العزى، وهو من رؤساء أصحاب ابن عيينة، توفي بمكة سنة تسع عشرة ومائتين، وروى أبو داود، والنسائي عن رجل عنه، وروى مسلم في المقدمة عن سلمة بن شبيب عنه.

واختلف في نسبته، فقيل: إلى جده الأعلى حميد، وقيل: إلى قبيلة الحميدات، وقيل: إلى حميد بطن من أسد بن عبد العزى، وهو ثقة، حافظ، فقيه.

قال جعفر بن عبد الله: ما لقيت أنصح للإسلام وأهله من الحميدي. وليس هو الحميدي صاحب (( الجمع بين الصحيحين ) )فإنه أندلسي متأخر، سكن بغداد ومات بها سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، ووفاة الحميدي شيخ البخاري سنة تسع عشرة ومائتين.

وقد أبدى الحافظ ابن حجر نكتة لافتتاح البخاري كتابه بالحميدي دون غيره من مشايخه فقال: كأن البخاري امتثل قوله صلى الله عليه وسلم: (( قدموا قريشًا ) )فافتتح كتابه بالرواية عن الحميدي لكونه أفقه قرشي أخذ عنه. وله مناسبة أخرى؛ لأنه مكي كشيخه فناسب أن يذكر في أول ترجمة بدء الوحي؛ لأن ابتداءه كان بمكة، ومن ثم ثنى بالرواية عن مالك؛ لأنه شيخ أهل المدينة، وهي تالية لمكة في نزول الوحي وفي جمع الفضل. انتهى.

وناقشه العيني على عادته بما يطول إيراده، ثم الجواب عنه: على أن ما ذكره الحافظ إبداء نكتة وبيان مناسبة، والنكات لا تتزاحم ولا تحتمل المناقشة.

(قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) : بتثليث السين المهملة والمشهور ضمها أبو محمد بن عُيَيْنَة _ بضم العين تصغير عين، وحكي كسرها _ ابن أبي عمران ميمون الهلالي مولى محمد بن مزاحم أخي الضحاك بن مزاحم المكي أصلًا ووفاة، الكوفي مولدًا، ولد سنة سبع ومائة، وتوفي في

ج 1 ص 22

غرة رجب سنة ثمان وتسعين ومائة، ودفن بالحجون.

قال في (( الفتح ) ): شارك مالكًا في كثير من شيوخه، وعاش بعده عشرين سنة، وكان يذكر أنه سمع من سبعين من التابعين، وهو ومالك قرينان. قال الشافعي: لولاهما لذهب العلم من الحجاز. انتهى.

وقول القسطلاني: التابعي سبق قلم، وهو ثقة ثبت، إلا أنه تغير حفظه في آخر عمره.

(قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) : ولأبي ذر: ابن قيس بن عمرو بن سهل ابن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري المدني، التابعي الصغير، سمع أنسًا والسائب بن يزيد، وهو عدل ثقة حافظ، مات سنة ثلاث، وقيل: أربع وأربعين ومائة بالهاشمية قاضيًا بها من طرف المنصور بعد المدينة.

والأنصاري: نسبة إلى الأنصار جمع نصير كشريف وأشراف. وقيل: جمع ناصر كصاحب وأصحاب وليس بقياس. وإنما نسب إلى هذا الجمع _ مع أن القياس في النسب أن يرد الجمع إلى واحده _ لأنه صار علمًا بالغلبة على الأوس والخزرج لا يطلق على غيرهم ولو حصل منه النصر.

(قَالَ: أَخْبَرَنِي) : بالإفراد، وهو عند قوم: لما قرأه بنفسه على الشيخ وحده (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) : ابن الحارث بن خالد المدني القرشي.

(التَّيْمِيُّ) : يجوز فيه الرفع صفة لمحمد، والجر صفة لإبراهيم. وهو نسبة إلى تيم قريش، رهط أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وهو تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك ابن النضر، وأصله: تيم الله؛ أي: عبد الله.

وأصله على ما في (( الصحاح ) ): من قولهم تيمه الحب؛ أي: عبّده وذلّله فهو متيم. انتهى.

وهو من أوساط التابعين على ما في (( الفتح ) )، سمع ابن عمر وأنسًا وغيرهما، وكان كثير الحديث، مات بالمدينة سنة عشرين ومائة.

(أنه سمع علقمة) : أن: بفتح الهمزة بتقدير حرف الجر وهو الباء، أو: على أنها مع معموليها سادة مسد مفعولي (( أخبرني ) )الثاني والثالث على قول سيبويه، أو هي ومعمولاها مقدرة بمصدر مفعول ثاني، والمفعول الثالث مقدر على رأي الأخفش.

و (( عَلْقَمة ) ): بفتح العين وسكون اللام وفتح القاف، كنيته أبو واقد بن وَقَّاص بفتح الواو وتشديد القاف وبالصاد المهملة.

(الليثي) : بالمثلثة: نسبة إلى ليث بن بكر.

وفي (( المعرفة ) )لأبي عمرو بن منده ما ظاهره: أنه صحابي، وقد ذكره الجمهور في التابعين، وليس في الكتب الستة من اسمه علقمة بن وقاص غيره.

(يَقُولُ) : جملة محلها النصب على الحال من مفعول (( سمع ) )، وهو علقمة عند الجمهور، وهي القرينة على تقدير المضاف قبل المفعول الذي لا يصح أن يتعلق به السمع والمبينة له، والتقدير: سمعت كلام زيد حال كونه يقول.

وذهب أبو علي الفارسي والأخفش إلى أن سمع إن أدخلت على ما لا يسمع كالذوات تعدت إلى مفعولين إن كان الثاني مما يسمع، كسمعت زيدًا يقول، بخلاف نحو: سمعت زيدًا أخاك؛ فإن أخاك لا يصح أن يكون مفعولًا ثانيًا، ولا صحة لهذا التركيب إلا أن يجعل أخاك بدلًا من زيدًا، ويقدر ما يصح أن يتعلق السماع به كيتكلم.

ويوضح ما تقدم من أن هذه الحال قرينة على تقدير المضاف على قول الجمهور قول صاحب (( الكشاف ) ): تقول: سمعت رجلًا يقول، وسمعت زيدًا يتكلم، فتوقع الفعل على الرجل وتحذف المسموع؛ لأنك وصفته بما يسمع أو جعلته حالًا منه، فأغناك عن ذكره، ولولا الوصف أو الحال لم يكن بد من أن يقال: سمعت كلام فلان أو قوله. انتهى.

والاحتجاج للمذهبين وذكر ما يرد عليهما محله

ج 1 ص 23

مطولات كتب العربية.

(سَمِعْتُ عُمَرَ) : أي: ابن الخطاب أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه، كنيته أبو حفص، كناه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقبه بالفاروق لفرقه بين الحق والباطل، وهو عمر بن الخطاب بن نُفَيْل _ بالتصغير _ ابن عبد العزى ابن رِياح _ بكسر الراء وبالمثناة التحتية الخفيفة والحاء المهملة _ ابن عبد الله بن قِرْط _ بالقاف والطاء على زنة قفل _ ابن رزاح _ بالراء المفتوحة فزاي فحاء مهملة _ ابن عدي بن كعب بن لؤي القرشي العدوي.

أسلم رضي الله تعالى عنه قديمًا في السنة السادسة من بعثته صلى الله عليه وسلم، وشهد معه بدرًا والمشاهد كلها، وهو أفضل الصحابة بعد الصديق على الإطلاق عند أهل الحق، وولي الخلافة بعد الصديق بوصية منه عشر سنين وخمسة أشهر أو ستة، وتوفي في غرة المحرم سنة ثلاث أو أربع وعشرين من الهجرة، شهيدًا بطعنة من أبي لؤلؤة فيروز المجوسي، وقيل: النصراني عبد المغيرة بن شعبة، وعمره ثلاث وستون سنة كعمر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعلي وعائشة رضي الله عنهم على الصحيح في الجميع، قاله النووي وغيره، ودفن في حجرته صلى الله عليه وسلم وراء الصديق وصلى عليه صهيب.

وهو أول من تسمى بأمير المؤمنين، وكان يقال للصديق: خليفة رسول الله، فلما توفي استثقل الصحابة أن يقال في عمر: خليفة خليفة رسول الله، فلقبوه بأمير المؤمنين.

ومناقبه أشهر من أن تذكر، وسيكون لنا عودة إليها _ إن شاء الله تعالى _ في كتاب المناقب إن بلغنا الله تعالى من ذلك الأمل، وبارك في الأوقات، وفسح في الأجل. روي له عن النبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة حديث وتسعة وثلاثون حديثًا، اتفقا منها على ستة وعشرين، وانفرد البخاري بأربعة وثلاثين، ومسلم بأحد وعشرين.

قال العيني: وليس في الصحابة من اسمه عمر بن الخطاب سواه، وفيهم عمر ثلاثة وعشرون نفسًا على اختلاف في بعضهم، أما الرواة ففيهم عمر بن الخطاب ستة. انتهى.

(عَلَى المِنْبَرِ) : النبوي فأل فيه للعهد، وهو بكسر الميم من النبْر وهو الارتفاع لارتفاعه، أو لرفع الصوت عليه، وهو اسم آلة الارتفاع كالمخيط، كما ذكره الكرماني وغيره.

وقال العيني: هو اسم مكان، وقياسه فتح الميم لا اسم آلة؛ فإنها ما يعالج به الفاعل المفعول كالمفتاح، وليس المنبر هنا كذلك. انتهى.

وقد يجاب بإمكان جعله آلة للارتفاع كما قالوا في المِرقاة: إنها بكسر الميم: اسم آلة الرقي، وبفتح الميم: مكان الرقي وهنا الجار والمجرور وهو قوله: (( على المنبر ) )حال من (( عمر ) ): أي: حال كونه مستقرًا على المنبر، ويصح تعلقه بحسب القرينة بقائمًا أو واقفًا، كما في قولهم: زيد على الفرس؛ فإنه يصح أن يقدر بحسب القرينة راكب، وكذلك قوله تعالى: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} [البقرة:178] : أي: مقتول، وإن كانت الصناعة تقتضي أن يقدر كائن أو مستقر؛ لأن القرينة عينت هذا المقدر لخصوص المحل؛ إذ لا معنى لقولنا: الحر كائن بالحر، اللهم إلا أن يقدر مضاف؛ أي: قتل الحر كائن بقتل الحر، فيكثر التقدير والأصل عدمه.

وجملة: (يَقُولُ) : حال من مفعول (( سمع ) )وأتى بها فعلًا مضارعًا مع كون العامل فيها فعلًا ماضيًا حكاية للحال وقت السماع، أو لإحضار ذلك في ذهن السامع تحقيقًا وتأكيدًا له، وإلا فالأصل أن يقال: قال _ كما في الرواية الأخرى _ ليطابق: (( سمعت )

ج 1 ص 24

كذا في (( إرشاد الساري ) )للقسطلاني.

والذي يظهر أن ذلك تكلف لا حاجة إليه؛ لأن مجيء الحال فعلًا مضارعًا مع كون العامل فيها فعلًا ماضيًا أكثر من أن يحصى كقوله تعالى: {وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ} [يوسف:16] ولم نر أحدًا من مشاهير المفسرين _ كالزمخشري والبيضاوي والكواشي _ تعرض لتأويل في {يَبْكُونَ} والمقارنة العرفية بين الحال والعامل فيها كافية؛ فإن المضارع صالح للحال والاستقبال، فإذا وقع حالًا في مثل هذا التركيب تمحض للحال وقد قالوا: إن الزمان الحالي أجزاء من أواخر الماضي وأوائل المستقبل، وهذه مقارنة تامة، فأي حاجة معها إلى تأويل (( يقول ) )بقال؟

بل إذا وقعت الحال بلفظ قال _ كما في الرواية الأخرى _ احتاجت إلى إضمار قد لتقربها من الحال لقول النحاة: متى وقعت الحال جملة حالية ماضوية وجب اقترانها بقد ظاهرة أو مقدرة لتقربها من الحال، فلو كان المقصود منها المضي لما احتيج إليها، وأيضًا في قولهم لتقربها من الحال إشارة إلى أن المقاربة بالباء الموحدة تقوم مقام المقارنة بالنون.

ومما يوضح ذلك: أن اسم الفاعل إذا لم يكن صلة لأل لا يعمل إلا إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال، وصحة قولك: جاء زيد راكبًا فرسًا مما لا خلاف فيها، فلو كان معناه المضي لكون العامل فيه فعلًا ماضيًا لم يعمل فلم يصح نصبه للمفعول، هذا ما ظهر لفهمي القاصر فليحرر.

(إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ) : قيل: كلمة (( إنما ) ): بسيطة، والأصح: أنها مركبة من إنَّ المؤكدة، وما الكافة وهي لتقوية الحكم الذي في حيزها اتفاقًا، ومن ثم وجب أن يكون معلومًا للمخاطب أو منزلًا منزلته، ولإفادة الحصر وضعًا على الأصح فيهما عند جمهور الأصوليين، خلافًا لجمهور النحاة، وهو إثبات الحكم لما بعدها ونفيه عما عداه؛ وذلك لأنها وردت في كلامهم له غالبًا والأصل الحقيقة، وجواز غلبة الاستعمال في غير ما وضعت له خلاف الأصل، فلا بد له من دليل، كذا في (( شرح الأربعين النووية ) )للشهاب ابن حجر.

ووجه البيانيون إفادتها القصر بأنها متضمنة لمعنى ما، وإلا فمعنى: إنما قام زيد ما قام أحد إلا زيد، واستدلوا على ذلك بقول المفسرين في: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ} [النحل:115] بالنصب معناه: ما حرم عليكم إلا الميتة، وهي المطابقة لقراءة الرفع، وبقول النحاة: إن لإثبات ما يذكر بعده ونفي ما سواه، وبصحة انفصال الضمير معها في قول الفرزدق:

~أنا الذائد الحامي الذمار وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي

قال في (( المغني ) ): وزعم جماعة من الأصوليين والبيانيين أن ما الكافة التي مع إنَّ نافية، وأن ذلك سبب إفادتها للحصر، قالوا: لأن إنَّ للإثبات وما للنفي فلا يجوز أن يتوجها معًا إلى شيء واحد؛ لأنه تناقض، ولا أن يحكم بتوجه النفي للمذكور بعدها؛ لأنه خلاف الواقع باتفاق، فتعين صرفه لغير المذكور، وصرف الإثبات للمذكور فجاء الحصر.

وهذا البحث مبني على مقدمتين باطلتين بإجماع النحويين، إذ ليست إنَّ للإثبات، وإنما هي لتوكيد الكلام إثباتًا كان مثل: إن زيدًا قائم، أو نفيًا مثل: إن زيدًا ليس بقائم ومنه: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا} [يونس:44] وليست ما للنفي، بل هي بمنزلتها في أخواتها ليتما ولعلما ولكنما وكأنما. وبعضهم ينسب القول بأنها نافية للفارسي في كتاب (( الشيرازيات ) )، ولم يقل ذلك الفارسي في (( الشيرازيات ) )ولا في غيرها، ولا قاله نحوي غيره. انتهى.

وفي (( فتح الباري ) ): قال الكرماني قوله: (( إنما الأعمال بالنيات ) ): هذا التركيب يفيد الحصر عند المحققين، واختلف في وجه إفادته فقيل: لأن (( الأعمال ) ): جمع محلى بالألف واللام مفيد للاستغراق، وهو مستلزم للحصر؛ لأن معناه: كل عمل بنية فلا عمل إلا بنية. وقيل: لأن (( إنما ) ): للحصر، وهل إفادتها له بالمنطوق أو بالمفهوم، أو تفيد الحصر بالوضع أو العرف، أو تفيده بالحقيقة أو بالمجاز؟

ومقتضى كلام الإمام وأتباعه أنها تفيده بالمنطوق وضعًا حقيقيًا، بل نقله شيخنا شيخ الإسلام

ج 1 ص 25

عن جميع أهل الأصول من المذاهب الأربعة إلا اليسير كالآمدي، وعلى العكس من ذلك أهل العربية. واحتج بعضهم بأنها لو كانت للحصر لما حسن إنما قام زيد في جواب: هل قام عمرو؟

وأجيب: بأنه يصح أن يقع في مثل هذا الجواب: ما قام إلا زيد وهي للحصر اتفاقًا. وقيل: لو كانت للحصر لاستوى إنما قام زيد مع ما قام إلا زيد، ولا تردد في أن الثاني أقوى من الأول.

وأجيب: بأنه لا يلزم من هذه القوة نفي الحصر، فقد يكون أحد اللفظين أقوى من الآخر مع اشتراكهما في أصل الوضع كسوف والسين، وقد وقع استعمال إنما موضع استعمال النفي والاستثناء كقوله تعالى: {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الطور:16] ، وكقوله تعالى: {وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الصافات:39] وكقوله تعالى: {أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ} [المائدة:92] وقوله تعالى: {مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ} [النور:54] ومن شواهده قول الأعشى:

~ولست بالأكثر منهم حصى وإنما العزة للكاثر

يعني: ما تثبت العزة إلا لمن كان أكثر حصى. انتهى.

وقال ابن دقيق العيد: استدل على إفادة إنما الحصر بأن ابن عباس رضي الله عنهما استدل على أن الربا لا يكون إلا في النسيئة بحديث: (( إنما الربا في النسيئة ) )، وعارضه جماعة من الصحابة في الحكم ولم يخالفوه في فهمه، فكان كالاتفاق منهم على أنها تفيد الحصر.

قال في (( الفتح ) ): وتعقب باحتمال أن يكونوا تركوا المعارضة بذلك تنزلًا، وأما من قال: يحتمل أن يكون اعتمادهم على قوله: (( لا ربا إلا في النسيئة ) )لورود ذلك في بعض طرق الحديث المذكور، فلا يفيد في رد إفادة الحصر بل يقويه، ويشعر بأن مفاد الصيغتين عندهم واحد، وإلا لما استعملوا هذه موضع هذه.

وأوضح من ذلك حديث: (( إنما الماء من الماء ) )فإن الصحابة الذين ذهبوا إليه لم يعارضهم الجمهور في فهم الحصر منه، وإنما عارضوهم في الحكم من أدلة أخرى كحديث: (( إذا التقى الختانان ) ).

ثم قال: وأصل ورودها للحصر، لكن قد يكون في شيء مخصوص كقوله تعالى: {إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ} [النساء:171] فإنه سيق باعتبار منكري الوحدانية، وإلا فلله تعالى صفات أخرى كالعلم والقدرة، وكقوله تعالى: {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ} [الرعد:7] فإنه سيق باعتبار منكري الرسالة، وإلا فله صلى الله عليه وسلم صفات أخرى كالبشارة، إلى غير ذلك من الأمثلة، وهي فيما يقال: السبب في قول من منع إفادتها للحصر مطلقًا. انتهى.

يريد بذلك: أنها تارة تقتضي الحصر المطلق _ وهو الأغلب الأكثر _ نحو: {إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللهُ} [طه:98] وتارة تقتضي حصرًا مخصوصًا إضافيًا كالآيتين المتقدمتين.

وفي (( إرشاد الساري ) ): وهل تفيد الحصر بالمنطوق أو المفهوم؟

قال البرماوي في (( شرح ألفيته ) ): الصحيح: أنه بالمنطوق؛ لأنه لو قال: ما له علي إلا دينار [1] كان إقرارًا بالدينار، ولو كان مفهومًا لم يكن مقرًا لعدم اعتبار المفهوم في الأقارير. انتهى.

وممن صرح بأنه منطوق أبو الحسين بن القطان، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي والغزالي، بل نقله البلقيني عن جميع أهل الأصول من المذاهب الأربعة إلا اليسير كالآمدي، قاله في (( اللامع ) ). انتهى.

و (( الأعمال ) ): جمع عمل، وهي حركات البدن بكله أو بعضه، فدخل فيها الأقوال، ويتجوز بها عن حركات النفس، فعلى هذا يقال: العمل: إحداث أمر قولًا كان أو فعلًا بالجارحة أو بالقلب، لكن الأسبق إلى الفهم اختصاصه بفعل الجارحة لا نحو النية، قاله ابن دقيق العيد.

قال: ورأيت بعض المتأخرين من أهل الخلاف خصه بما لا يكون قولًا، قال: وفيه نظر، ولو خص بذلك لفظ الفعل لكان أقرب من حيث استعمالهما متقابلين، فيقال: الأقوال والأفعال، ولا تردد عندي في أن الحديث يتناول الأقوال أيضًا. انتهى.

وتعقبه صاحب (( جمع العدة ) ): بأنه إن أراد بقوله: ولا تردد عندي في أن الحديث يتناول الأقوال أيضًا باعتبار افتقارها إلى النية بناء على أن المراد: إنما صحة الأعمال فممنوع بأن الأذان

ج 1 ص 26

والقراءة ونحوهما يتأديان بلا نية، وإن أراد باعتبار أنه يثاب على ما ينوي منها ويكون كاملًا فمسلم، لكنه مخالف لما رجحه من تقدير الصحة، كذا في (( إرشاد الساري ) ).

وفيه أيضًا: فإن قلت: لم عدل عن لفظ الأفعال إلى الأعمال؟

أجاب الجويني: بأن الفعل: هو الذي يكون زمانه يسيرًا ولم يتكرر، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [الفيل:1] {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ} [إبراهيم:45] ، حيث كان هلاكهم في زمان يسير ولم يتكرر، بخلاف العمل؛ فإنه الذي يوجد من الفاعل في زمان مديد بالاستمرار والتكرار، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [البقرة:25] ، طلب منهم العمل الذي يدوم ويستمر ويتجدد كل مرة ويتكرر لا نفس الفعل، وقال تعالى: {فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ} [الصافات:61] ، ولم يقل: فليفعل الفاعلون، فالعمل أخص.

ومن ثم قال: (( الأعمال ) )ولم يقل: الأفعال؛ لأن ما يبدر من الإنسان لا يكون بنية، وأما العمل: فهو ما يدوم عليه الإنسان ويتكرر منه فتعتبر فيه النية. انتهى فليتأمل

و (( النيات ) ): جمع نيَّة _ بالتشديد _ من نوى: قصد فأصل نية نوية، ثم أعلت إعلال سيد. وقيل: بالتخفيف من ونى يني: أبطأ؛ لأنه يحتاج في تصحيحها إلى نوع أبطأ، كذا في (( شرح الأربعين النووية ) )لابن حجر. والتخفيف لغة كما نص عليه الحافظ وغيره.

وفي (( شرحها ) )للحافظ ابن رجب: اعلم أن النية في اللغة نوع من القصد والإرادة، وإن كان قد فرق بين هذه الألفاظ بما ليس هذا موضع ذكره.

والنية في كلام العلماء تقع بمعنيين:

أحدهما: تمييز العبادات بعضها عن بعض كتمييز صلاة الظهر من صلاة العصر، وتمييز صيام رمضان من صيام غيره، أو تمييز العبادات من العادات كتمييز الغسل من الجنابة من غسل التبرد والتنظف ونحو ذلك، وهذه النية هي التي توجد كثيرًا في كلام الفقهاء.

والمعنى الثاني: بمعنى: تمييز المقصود بالعمل هل هو الله وحده لا شريك له أو غيره أم الله وغيره؟ وهذه النية هي التي يتكلم فيها العارفون في كتبهم في الكلام على الإخلاص. وقد صنف أبو بكر بن أبي الدنيا مصنفًا سماه: (( كتاب الإخلاص والنية ) )وإنما أراد هذه النية، وهي النية التي يتكرر ذكرها في كلام النبي صلى الله عليه وسلم تارة بلفظ النية، وتارة بلفظ الإرادة، وتارة بلفظ مقارب لذلك. وقد جاء ذكرها كثيرًا في كتاب الله تعالى بغير لفظ النية أيضًا من الألفاظ المقاربة لها.

وإنما فرق من فرق بين النية وبين الإرادة والقصد ونحوها لظنهم اختصاص النية بالمعنى الأول الذي تذكره الفقهاء، فمنهم من قال: النية تختص بفعل الناوي، والإرادة لا تختص بذلك كما يريد الإنسان من الله أن يغفر له ولا يفعل ذلك، وقد ذكرنا أن النية في كلام النبي صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة إنما يراد بها هذا المعنى الثاني غالبًا، فهي حينئذ بمعنى الإرادة، ولذلك يعبر عنها بلفظ الإرادة في القرآن كثيرًا كما في قوله تعالى: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ} [آل عمران:152] .

ثم بعد إيراده لآيات كثيرة في ذلك قال: وقد يعبر عنها في القرآن بلفظ الابتغاء كقوله تعالى: {إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى} [الليل:20] ثم أورد آيات وأحاديث كثيرة من هذا القبيل، وأطال في ذلك، ولم نر هذا التقسيم لغيره.

وفي (( فتح الباري ) ): الباء في (( بالنيات ) ): للمصاحبة، ويحتمل أن تكون للسببية بمعنى أنها مقومة للعمل فكأنها سبب في إيجاده، وعلى الأول فهي من نفس العمل فيشترط أن لا تتخلف عن أوله.

قال النووي: النية: القصد، وهو عزيمة القلب، وتعقبه الكرماني: بأن عزيمة القلب على أصل القصد.

ج 1 ص 27

واختلف الفقهاء هل هي ركن أو شرط؟ والمرجح: أن إيجادها ذكرًا في أول العمل ركن، واستصحابها حكمًا بمعنى: أن لا يأتي بمناف شرط. انتهى.

أقول: الظاهر: أن المراد بقوله: ذكرًا: الذكر القلبي لا اللساني، إذ لم يقل أحد بأن التلفظ بالنية ركن.

وفي (( شرح المشكاة ) )لمنلا علي القاري: ثم الباء للاستعانة وقيل: للمصاحبة ليعلم منه وجوب المقارنة، لكنها تشعر بوجوب استصحابها إلى آخر العمل؛ لأنه الظاهر من المعية ولا قائل به، نعم يشترط اتفاقًا استصحابها مع العمل حكمًا بأن لا ينشئ منافيًا.

وأيضًا: يشير إلى عدم جواز تقدمها على العمل، وهو منقوض بنية الزكاة؛ فإنها جائزة عند إفراز مال الزكاة، وبنية الصوم في الليل؛ فإنها أفضل بلا خلاف، فالأولى هي الأولى. انتهى.

ولينظر هذا مع قول الحافظ أنها للسببية، ولعل كونها للاستعانة أقرب؛ لأنها تدخل على الآلة في حصول الشيء، والآلة إنما تؤثر بطرف عدمها في عدم ما هي آلة له، بخلاف السبب؛ فإنه يؤثر بطرفي وجوده وعدمه في وجود المسبب وعدمه، والنية لا تؤثر بطرف وجودها في وجود المنوي، اللهم إلا أن يقال: إن النية التي لم يوجد عندها المنوي لا تسمى نية بل عزمًا.

ثم إن قوله عليه الصلاة والسلام: (( إنما الأعمال بالنيات ) )معناه: لا عمل إلا بنية، ولا يمكن هنا نفي نفس الأعمال لثبوتها حسًا وصورة من غير اقتران النية بها، فلابد من إضمار شيء يتوجه إليه النفي ويتعلق به الجار، فقيل: التقدير: صحيحة أو تصح كما هو رأي الشافعي رحمه الله تعالى وأتباعه، وقيل: كاملة أو تكمل على رأي أبي حنيفة رحمه الله تعالى وأصحابه.

والأظهر: أن المقدر: معتبرة أو تعتبر ليشمل الأعمال كلها سواء كانت عبادات مستقلات كالصلاة والزكاة؛ فإن النية تعتبر لصحتها إجماعًا أو شروطًا في الطاعات كالطهارة وستر العورة؛ فإنها تعتبر لحصول ثوابها اتفاقًا لعدم توقف الشروط على النية في الصحة، خلافًا للشافعي رحمه الله تعالى في الطهارة أو أمورًا مباحة؛ فإنها قد تنقلب بالنيات حسنات كما أنها قد تنقلب سيئات بلا خلاف.

غاية ما في الباب: أن متعلق الصحة والكمال يعرف من الخارج ولا محذور فيه. ويدل لما قلناه أن (( الأعمال ) ): جمع محلى باللام فيستغرق كل عمل سواء كان من العبادات أو غيرها، ويشمل المتروكات أيضًا؛ فإنه لا ثواب في ترك الزنا والغصب ونحوها إلا بالنية، وإن كانت صحيحة بدونها، وكان هذا ملحظ من قال: المراد: أعمال المكلفين، كذا في (( شرح المشكاة ) )لعلي القاري.

وقال البيضاوي: الحديث متروك الظاهر؛ لأن الذوات غير منتفية والمراد به نفي أحكامها كالصحة والفضيلة، والحمل على نفي الصحة أولى؛ لأنه أشبه بنفي الشيء نفسه، ولأن اللفظ يدل بالتصريح على نفي الذات، وبالتبع على نفي جميع الصفات، فلما منع الدليل دلالته على نفي الذات بقي دلالته على نفي جميع الصفات. انتهى.

وقال العلامة ابن نجيم في (( الأشباه ) ): هذا الحديث من باب المقتضى، إذ لا يصح بدون تقدير لكثرة وجود الأعمال بدون النية فقدروا مضافًا؛ أي: حكم الأعمال، وهو نوعان: أخروي وهو الثواب واستحقاق العقاب، ودنيوي وهو الصحة والفساد، وقد أريد الأخروي بالإجماع للإجماع على أنه لا ثواب ولا عقاب إلا بالنية فانتفى الآخر أن يكون مرادًا إما لأنه مشترك ولا عموم له، أو لاندفاع الضرورة به من صحة الكلام فلا حاجة إلى الآخر، والثاني أوجه؛ لأن الأول لا يسلمه الخصم؛ لأنه قائل بعموم المشترك فحينئذ لا يدل على اشتراطها في الوسائل للصحة ولا على المقاصد أيضًا. انتهى.

فكلام صاحب (( الأشباه ) )صريح في أن المقدر في جانب المبتدأ وهو حكم الأعمال، فهو من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وما تقدم عن (( شرح المشكاة ) )تبعًا للحافظ ابن حجر في قوله: ولابد من محذوف يتعلق به الجار والمجرور فقيل: تعتبر، وقيل: تكمل، وقيل: تصح يقتضي أن المقدر في

ج 1 ص 28

جانب الخبر، لكن في جعله متعلق الجار والمجرور والحكم عليه بالتقدير وأنه متروك الظاهر نظر؛ لأنه مع كونه لا يخص هذا المحل أمر تقتضيه الصناعة فلا يقال: إنه مقدر؛ لأنهم أقاموا الجار والمجرور مقامه، وانتقل الضمير منه إليه فصار حذفه واجبًا لا يجوز ذكره معه، اللهم إلا أن يقال ذاك فيما إذا كان كونًا عامًا، وأما إذا كان خاصًا للقرينة كما قدروا هنا، فيجوز ذكره وحذفه فإذا لم يذكر يجوز أن يقال: إنه محذوف مقدر، فليتأمل.

وفي (( إرشاد الساري ) ): وإنما احتيج في الحديث إلى التقدير؛ لأنه لا بد للجار من متعلق محذوف هو الخبر في الحقيقة على الأصح، فينبغي أن يجعل المقدر أولًا في ضمن الخبر فيستغني عن إضمار شيء في الأول؛ لئلا يصير في الكلام حذفان: حذف المبتدأ أولًا، وحذف الخبر ثانيًا، وتقديره: إنما صحة الأعمال كائنة بالنيات. انتهى.

وفيه ما تقدم.

ثم قال: لكن قال البرماوي: يعارضه أن الخبر يصير كونًا خاصًا، وإذا قدرنا: إنما صحة الأعمال كائنة كان كونًا مطلقًا وحذف الكون المطلق أكثر من الكون الخاص، بل يمتنع إن لم يدل عليه دليل، وحذف المضاف كثير أيضًا فارتكاب حذفين بكثرة وقياس أولى من حذف واحد بقلة وشذوذ وهو الوجه المرضي، ويشهد لذلك ما قرروه في حذف خبر المبتدأ بعد لولا في الكون العام والخاص.

ومنهم من جعل المقدر: القبول؛ أي: إنما قبول الأعمال، وهو غير خارج عن الصحة والكمال، ومنهم من قال: لا حاجة إلى تقدير محذوف إذ الإضمار خلاف الأصل، وإنما المراد: حقيقة العمل الشرعي فلا يحتاج إلى إضمار. انتهى ملخصًا.

ولما كان المقصود من شرع النية تمييز العبادة من العادة كالغسل يكون تنظفًا وعبادة، أو تمييز رتب العبادة بعضها عن بعض كالتيمم يكون للجنابة والحدث وصورتهما واحدة وكالصلاة تكون فرضًا ونفلًا لم تجب في عبادة لا تكون عادة، أو لا تلتبس بغيرها كالإيمان بالله والمعرفة والخوف والرجاء والنية والقراءة والأذكار حتى خطبة الجمعة على الأوجه لتميزها بصورتها مع لزوم التسلسل أو الدور لو توقفت النية على نية، ولزوم التناقض المحال لو توقفت المعرفة عليها؛ إذ هي قصد المنوي ولا يقصد إلا ما يعرف، فيلزم أن يكون الإنسان عارفًا بالله تعالى قبل معرفته به، فيكون عارفًا به غير عارف به في حالة واحدة.

نعم تجب في قراءة نذرها ومثلها _ كما هو ظاهر _ كل ذكر نذره ليميز الغرض حينئذ من غيره. ولا تجب في التروك كترك الزنا إلا لحصول ثواب الترك؛ لأن القصد اجتناب المنهي وهو حاصل بانتفاء وجوده وإن لم تكن نية، قاله الشهاب ابن حجر.

ثم لا يخفى أن محل النية القلب؛ وأن النية باللسان مع غفلة الجنان غير معتبرة لما ورد من: (( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أقوالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) )، وفي رواية: (( ولكن ينظر إلى قلوبكم ونياتكم ) )فلو نوى الظهر في وقته وتلفظ بنية العصر لا يضره بخلاف العكس هذا معنى قولهم: ولا معتبر باللسان.

واختلفوا في التلفظ بما يدل على النية بعد اتفاقهم أن الجهر بالنية غير مشروع سواء كان إمامًا أم مأمومًا أم منفردًا، فالأكثرون على أن الجمع بينهما مستحب ليسهل تعقل معنى النية واستحضارها.

قال صاحب (( الهداية ) ): ويحسن لاجتماع عزيمته.

قال المحقق ابن الهمام: قال بعض الحفاظ: لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق صحيح ولا ضعيف أنه كان يقول عند الافتتاح: أصلي كذا، ولا عن أحد من الصحابة والتابعين، بل المنقول

ج 1 ص 29

أنه كان إذا قام للصلاة كبر. انتهى.

قال: وقد يفهم من قوله: لاجتماع عزيمته أنه لا يحسن بغير هذا القصد؛ وهذا لأن الإنسان قد يغلب عليه تفرق خاطره، فإذا ذكر بلسانه كان عونًا على جمعه، ثم رأيته في التجنيس والنية بالقلب؛ لأنه عمله والتكلم لا معتبر به، ومن اختاره اختاره لتجتمع عزيمته. انتهى كلامه.

وقيل: لا يجوز التلفظ بالنية؛ فإنه بدعة والمتابعة كما تكون في الفعل تكون في الترك أيضًا، فمن واظب على فعل لم يفعله الشارع فهو مبتدع.

وقد يقال: نسلم أنها بدعة لكنها مستحسنة استحبها المشايخ للاستعانة على استحضار النية لمن احتاج إليها وهو صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا في مقام الجمع والحضور فلم يكونوا محتاجين إلى الاستحضار المذكور.

وقيل: التلفظ شرط لصحة الصلاة، ونسبوه إلى الغلط والخطأ ومخالفة الإجماع، لكن له محل عندنا مختص بمن ابتلي بالوسوسة في تحصيل النية، وعجز عن أدائها؛ فإنه قيل في حقه: إذا تلفظ بالنية سقط عنه الشرط دفعًا للحرج.

وأغرب ابن حجر وقال: إنه صلى الله عليه وسلم نطق بالنية في الحج فقسنا عليه سائر العبادات، قلنا له: ثبت العرش ثم انقش؛ فإنه ما ورد: نويت الحج، وإنما ورد: (( اللهم إني أريد الحج ... إلخ ) )، وهو دعاء وإخبار لا يقوم مقام النية إلا بجعله إنشاءً، وهو يتوقف على القصد، والقصد الإنشائي غير معلوم، فمع الاحتمال لا يصح الاستدلال، ومع عدم صحته جعله مقيسًا محال.

ثم قال: وعدم وروده لا يدل على عدم وقوعه، قلنا: هذا مردود بأن الأصل عدم وقوعه حتى يوجد دليل وروده، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قام إلى الصلاة فكبر، فلو نطق بشيء آخر لنقلوه عنه، وورد في حديث المسيء صلاته أنه قال له: (( إذا قمت إلى الصلاة فكبر ) )، فدل على عدم وجود التلفظ، وقد ذكر أبو داود أنه قال: قلت للبخاري: هل تقول شيئًا قبل التكبير؟ فقال: لا. انتهى.

وبما ذكرنا تبين فساد بقية كلام ابن حجر من قوله: وأيضًا فهو صلى الله عليه وسلم لا يأتي إلا بالأكمل وهو أفضل من تركه إجماعًا، والنقل الضروري حاصل بأنه لم يواظب على ترك الأفضل طول عمره، فثبت أنه أتى في نحو الوضوء والصلاة بالنية مع النطق ولم يثبت أنه تركه والشك لا يعارض اليقين. انتهى.

وقد علمت أن الأفضل للكل عدم النطق بالنية، مع أن دعوى الإجماع غير صحيحة؛ فإن المالكية قالوا بكراهته، والحنبلية نصوا على أنه بدعة غير مستحسنة، وإن أراد به الاتفاق بين الشافعية والحنفية فليس على الإطلاق بل محله إذا احتاج إليها بالاستعانة عليها، وقد ثبت تركه عند الحفاظ المحدثين بلا ريب فقوله: والشك لا يعارض اليقين مجازفة عظيمة من أعجب العجاب الذي يتحير فيه أولو الألباب حيث جعل الوهم يقينًا، وثبوت الحفاظ ريبًا.

لا يقال: المثبت مقدم على النافي؛ لأنا نقول: محله إذا تعارض دليلان أحدهما: على النفي، والآخر: على الإثبات، والخصم هنا سواء جعلناه مثبتًا أو نافيًا ليس معه دليل، ودليلنا على النفي ثابت بنقل المحدثين المؤيد بالأصل الذي هو عدم الوقوع فتأمل؛ فإنه موضع زلل ومحل خطل.

ثم رأيت ابن القيم ذكر في (( زاد المعاد في هدي خير العباد ) )ما لفظه: كان صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة قال: (( الله أكبر ) )، ولم يقرأ شيئًا قبلها ولا تلفظ بالنية، ولا قال صلى الله عليه وسلم: أصلي صلاة كذا مستقبل القبلة إمامًا أو مأمومًا، ولا قال: أداءً ولا قضاءً ولا فرض الوقت، وهذه عشر بدع لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أحد قط بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مسند ولا مرسل لفظة واحدة منها البتة، بل ولا عن أحد من الصحابة، ولا استحبه أحد

ج 1 ص 30

من التابعين ولا الأئمة الأربعة، وإنما غر بعض المتأخرين قول الشافعي في الصلاة: إنها ليست كالصيام فلا يدخل فيها أحد إلا بذكر، فظن أن الذكر تلفظ المصلي بالنية، إنما مراد الشافعي رحمه الله تعالى بالذكر: تكبيرة الإحرام ليس إلا، وكيف يستحب الشافعي أمرًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة واحدة ولا أحد من خلفائه وأصحابه؟ وهذا هديهم وسيرتهم، فإن أوجدنا أحد حرفًا واحدًا منهم في ذلك قبلناه وقابلناه بالقبول والتسليم، ولا هدي أكمل من هديهم، ولا سنة إلا ما تلقوه عن صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم. انتهى.

وصرح السيد جمال الدين المحدث بنفي رواية التلفظ بالنية عند المحدثين، وكذا ذكره الفيروزآبادي صاحب (( القاموس ) )في كتابه المسمى بـ (( الصراط المستقيم ) ).

وقال القسطلاني في (( المواهب ) ): وبالجملة: فلم ينقل أحد أنه عليه الصلاة والسلام تلفظ بالنية ولا علم أحدًا من أصحابه التلفظ بها ولا أقره على ذلك بل المنقول عنه في السنن أنه قال: (( مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم ) )نعم اختلف العلماء في التلفظ بها فقال قائلون: هو بدعة؛ فإنه لم ينقل فعله، وقال آخرون: هو مستحب؛ لأنه عون على استحضار النية القلبية وعبادة اللسان، كما أنها عبودية بالقلب والأفعال المنوية عبادة الجوارح.

وبنحو ذلك أجاب الشيخ تقي الدين السبكي والحافظ عماد الدين ابن كثير وأطنب ابن القيم في (( الهدي ) )في رد الاستحباب وأكثر من الاستدلال بما في ذكره طول يخرجنا عن المقصود، لاسيما والذي استقر عليه أصحابنا استحباب النطق بها، وقاسه بعضهم على ما في (( الصحيحين ) )من حديث أنس أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة جميعًا يقول: (( لبيك عمرة وحجة ) )وهذا تصريح باللفظ والحكم، كما يثبت بالنص يثبت بالقياس.

لكنه تعقب هذا بأنه عليه الصلاة والسلام قال ذلك في ابتداء إحرامه تعليمًا للصحابة ما يهلون به ويقصدونه من النسك، ولقد صلى عليه الصلاة والسلام أكثر من ثلاثين ألف صلاة ولم ينقل عنه أنه قال: نويت أصلي صلاة كذا وكذا، وتركه عليه الصلاة والسلام سنة كما أن فعله سنة، فليس لنا أن نسوي بين ما فعله وتركه فنأتي من القول في الموضع الذي تركه بنظير ما أتى به في الموضع الذي فعله، والفرق بين الحج والصلاة أظهر من أن يقاس أحدهما بالآخر، كذا في (( شرح المشكاة ) )لعلي القاري.

ثم إن الألف واللام في النيات عوض عن المضاف إليه، وهو الضمير كما في (( الفتح ) ): أي: إنما الأعمال بنياتها، وهو من باب مقابلة الجمع بالجمع على حد: ركب القوم دوابهم، فيدل على اعتبار تعيين العمل من كونه صلاة أو غيرها فرضًا أو نفلًا، ظهرًا مثلًا أو عصرًا، وكون أل عوضًا عن الضمير المضاف إليه، وإن كان مذهبًا كوفيًا إلا أن المصنفين عولوا عليه في كتبهم واشتهر بينهم.

قال في (( الفتح ) ): وقع في معظم الروايات بإفراد النية، ووجهه: أن محل النية القلب وهو متحد، فناسب إفرادها بخلاف (( الأعمال ) ): فإنها متعلقة بالظواهر وهي متعددة فناسب جمعها، ولأن النية ترجع إلى الإخلاص وهو واحد للواحد الذي لا شريك له.

ووقع في (( صحيح ابن حبان ) )بلفظ: (( الأعمال بالنيات ) ): بحذف (( إنما ) )وجمع الأعمال والنيات وهي ما وقع في كتاب (( الشهاب ) )للقضاعي، ووصله في (( مسنده ) )كذلك، وأنكره أبو موسى المديني كما نقله النووي وأقره، وهو متعقب برواية ابن حبان، بل وقع في رواية مالك عن يحيى عند البخاري في كتاب الإيمان بلفظ: (( الأعمال بالنية ) )وكذا في العتق من رواية الثوري

ج 1 ص 31

وفي الهجرة من رواية حماد بن زيد، ووقع عنده في النكاح بلفظ: (( العمل بالنية ) )بإفراد كل منهما. انتهى.

فصار مجموع الروايات خمسة: (( إنما الأعمال بالنيات ) ) (( إنما الأعمال بالنية ) ) (( الأعمال بالنية ) ) (( العمل بالنية ) ) (( الأعمال بالنيات ) )، وكلها صحيحة حتى الأخيرة على ما ذكره في (( الفتح ) )تبعًا لابن الملقن.

ثم إن في النية سبع سؤالات مشهورة نظمها العراقي رحمه الله تعالى فقال:

~سبع سؤالات لذي الفهم أتت تحكى لكل عالم في النية

~حقيقة حكم محل زمن وشرطها والقصد والكيفية

فحقيقتها الشرعية: القصد، وهو الإرادة المرجحة لأحد المتساويين لا مطلق العلم؛ فإن من علم الكفر لا يكفر، ولو نواه كفر، والمعتبر فيها: عمل القلب، والتلفظ بها مستحب على المختار ليساعد اللسان القلب، وحكمها: الوجوب والافتراض في جميع الأعمال المتوقفة عليها فرضًا كانت أو نفلًا، ومحلها: القلب، فلو تلفظ بها بلسانه وقلبه غافل لم تجز إلا أن لا يقدر على إحضارها في قلبه فكيفية إجراؤها على اللسان.

ففي (( القنية ) )وغيرها: من توالت عليه الهموم تكفيه النية بلسانه. ومقتضى كلام ابن الملقن أن في كون محلها القلب خلافًا لقوله في (( التوضيح ) ): محلها القلب عند الجمهور لا اللسان لقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة:5] والإخلاص إنما يكون بالقلب. انتهى.

وزمنها: أول العبادات المعتبرة هي فيها إلا الصوم، فيدخل وقتها فيه بغروب الشمس لعسر مراقبة الفجر، وإلا الزكاة فيكفي وجودها فيها عند إفرازها. والمراد بالأولية: الأولية حقيقة أو حكمًا لما في (( البدائع ) ): خرج من منزله يريد الجماعة، فلما انتهى إلى الإمام كبر ولم تحضره النية جاز ما لم يوجد بينهما قاطع من عمل يمنع البناء.

وشرطها: إسلام الناوي وتمييزه وعلمه بالمنوي وعدم إتيانه بما ينافيها كالردة، والجزم بها، فلو علقها على شيء لم تصح، وكذا لو توضأ الشاك في الحدث احتياطًا ثم تبين له أنه محدث الم يجزه للتردد في النية عند من يشترط النية في الوضوء.

والقصد بها: تمييز العادات عن العبادات كالاغتسال يكون عادة كما إذا كان لتنظيف البدن أو للتبرد، وعبادة كما إذا كان للجمعة ونحوها، وكالجلوس يكون عادة للاستراحة وعبادة للاعتكاف، أو تمييز رتب العبادات كالصلاة فرضًا ونفلًا، وكالتيمم يكون عن الجنابة وعن الحدث الأصغر.

وكيفيتها تختلف باختلاف الأبواب فلصلاة فرض وواجب التعيين أنه ظهر أو عصر مثلًا، وهو أن يعلم بداهة أيَّ صلاة يصلي، وكفى نية مطلق الصلاة لنفل وسنة ولو تراويح، وهكذا بقية الأبواب.

ثم إن هذا الحديث قد تواتر النقل عن الأئمة بعظم موقعه وكثرة فوائده، وأنه أصل عظيم من أصول الدين، ومن ثم خطب به صلى الله عليه وسلم كما في رواية البخاري فقال: (( يا أيها الناس إنما الأعمال بالنيات ) )وخطب به عمر رضي الله عنه على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخرجه أيضًا.

ولذلك قال أبو عبيدة: ليس في الأحاديث أجمع وأغنى وأكثر فائدة منه، ومن ثم قال أبو داود: إنه نصف العلم، ووجهه: أنه أجل أعمال القلب والطاعة المتعلقة بها، وعليه مدارها فهو قاعدة الدين، ومن ثم كان أصلًا في الإخلاص أيضًا، وأعمال القلب تقابل أعمال الجوارح، بل تلك أجل وأفضل بل هي الأصل، فكان نصفًا بل أعظم النصفين كما تقرر.

وقال كثيرون _ منهم الشافعي رحمه الله _ إنه ثلث العلم.

قال البيهقي: لأن كسب العبد إما بقلبه أو بلسانه أو بجوارحه، فالنية أحدها وأرجحها؛ لأنهما تابعان لها صحة وفسادًا ثوابًا وحرمانًا، ولا يتطرق إليها رياء ونحوه بخلافهما، قاله الشهاب ابن حجر.

وفي (( شرح المشكاة ) )لعلي القاري: روي عن الشافعي في هذا الحديث أنه

ج 1 ص 32

نصف العلم، ووجهه: أن النية عبودية القلب، والعمل عبودية القالب، أو أن الدين إما ظاهر وهو العمل أو باطن وهو النية، فهو كقوله صلى الله عليه وسلم: (( تعلموا الفرائض؛ فإنها نصف العلم ) )لتعلقها بالموت المقابل للحياة، وروي عنه ما يدل على أنه ربع العلم كما قال:

~عمدة الدين عندنا كلمات أربع قالهن [2] خير البرية

~اتق الشبهات وازهد ودع ما ليس يعنيك واعملن بنية

إشارة إلى الأحاديث الأربعة، فكأنه اعتبر اتقاء الشبهات، والزهد في المباحات، وترك الفضولات، والعمل بالنيات في جميع الحالات.

وروي عنه وعن أحمد: أنه ثلث الإسلام أو ثلث العلم، ووجهه البيهقي بما نقله آنفًا ابن حجر.

ثم قال: وهذا وجه خبر: (( نية المؤمن خير من عمله ) )، وفي رواية: (( أبلغ ) )، وفي أخرى زيادة: (( وإن الله عز وجل ليعطي العبد على نيته ما لا يعطيه على عمله ) )، وذلك أن النية لا رياء فيها، والعمل يخالطه الرياء، وله طرق ضعيفة يتقوى بمجموعها.

ولا يعارضه حديث: (( من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له واحدة، ومن عملها كتبت له عشرة ) )الموهم أن العمل خير منها؛ لأن كتابة العشر ليست على العمل وحده بل معها؛ لأنها شرط لصحته وهو ليس بشرط لصحتها، ولهذا يثاب على النية المجردة فانقلب هذا الحديث دليلًا على خيريتها، وظهر فساد ما قيل: المراد: أن النية خير من العمل بلا نية لا معها؛ لئلا يلزم أن الشيء خير من نفسه مع غيره. والعجب من ابن حجر حيث ذكر هذا القيل وقرره بالتعليل.

وأما قوله: ومن خيريتها على العمل أنها تقتضي التخليد في الجنة أو النار؛ إذ المؤمن ناو الإيمان دائمًا، والكافر ناو الكفر دائمًا، فقوبل التأبيد بالتأبيد ولو نظر للعمل لكان الثواب والعقاب بقدر مدته، فمدخول ومعلول؛ فإنه لا يقال: نية الكافر خير من عمله بل مفهوم الحديث: أن عمل الكافر خير من نيته.

نعم ذكروا في جانب الجنة أن دخولها بالإيمان ودرجاتها بالأعمال وخلودها بالنية أو من باب الإفضال فلا إشكال، وأما دخول الكفار النار فبكفرهم، ودركاتها على قدر أعمالهم السيئة، فكان مقتضى العدل في ظاهر العقل أن الكافر الذي عاش في الدنيا مائة سنة مثلًا أن يعذب بقدرها فقالوا: التخليد في مقابلة نيته من التأبيد؛ فإنه لو فرض أنه عاش أبد الآباد لاستمر على كفره المعتاد. انتهى.

قوله: فظهر فساد ما قيل ... إلخ وجه الفساد: أن العمل بلا نية لغو غير معتبر شرعًا، فلا يصح تفضيل النية في الخيرية عليه؛ إذ لا خير فيه، ولا يصح التفضيل على ما لا مشاركة له مع المفضل في أصل الفعل.

وإن قوله: لئلا يلزم أن الشيء خير من نفسه مع غيره غير لازم؛ لأن النية لم تعتبر جزءًا من العمل ليلزم ذلك، وإنما هي شرط صحته أو اعتباره شرعًا، لكن قوله في قول ابن حجر: ومن خيريتها على العمل أنها تقتضي التخليد في الجنة أو النار مدخول مسلم إن أراد بالخيرية حقيقتها؛ إذ لا خيرية لنية الكافر، وأما إن أراد بالخيرية أنها أس الأعمال ومبناها حتى أنها اقتضت تخليد المؤمن في الجنة والكافر في النار فلا.

وفي قوله: بل مفهوم الحديث أن عمل الكافر خير من نيته نظر؛ إذ لا خيرية في عمله ولا في نيته بل الظاهر: أن مفهوم قوله: (( نية المؤمن خير من عمله ) ): أن نية الكافر ليست كذلك، وإذا لم تكن خيرًا من عمله كانت شرًا فيؤول مفهوم المخالفة إلى قوله: نية الكافر شر من عمله، ولذلك اقتضت التخليد في النار، وإن كان عمله لا يقتضيه فليتأمل

ج 1 ص 33

على أنه لم ينفرد بهذا الجواب، بل هو مذكور في شروح البخاري ونقله العيني مسلمًا له.

وأجيب أيضًا: بأن المراد: أن الجزء الذي هو النية خير من الجزء الذي هو العمل لاستحالة دخول الرياء فيها، أو أن النية خير من جملة الخيرات الواقعة بعمله؛ يعني: أن العبادات الواقعة من المكلف من صلاة وصوم وحج وغير ذلك خيور، والنية واحد من هذه الخيور، فخير على هذا الوجه ليس اسم تفضيل، أو أن النية فعل القلب وهو أشرف، وفعل الأشرف أشرف، أو أن المقصود من الطاعات: تنوير القلب، وتنوير القلب بها أكثر؛ لأنها صفته أو نية المؤمن خير من عمل الكافر لما قيل: ورد ذلك حين نوى مسلم بناء قنطرة فسبقه كافر إليه، كذا في (( عمدة القاري ) ).

ويرد على قوله: إن النية خير من جملة الخيرات أنه لا فائدة معتدًا بها في الإخبار بذلك؛ لأن كونها من جملة الخيرات والطاعات أمر مقرر معلوم. وعلى قوله: إن نية المسلم خير من عمل الكافر أن عمل الكافر لا خير فيه أصلًا، وأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأن فيه إرجاع الضمير إلى غير مذكور ولا معلوم من المقام.

وأجاب بعضهم: بأن النية إنما كانت خيرًا من العمل؛ لأنها تتعدد والعمل واحد فيضاعف الأجر فيه بقدر النيات، كما إذا جلس في مسجد بنية الاعتكاف، وانتظار الصلاة، والعزلة عن الناس اجتنابًا لما لا يعنيه، والتفرغ للذكر، وقراءة القرآن، وحفظ السمع والبصر واللسان عن صرف كل منها في غير ما خلق له، وعمارة المسجد بإشغال بقعة منه بالعبادة. وقيل: لأنه يتعبد بها بما ليس في وسعه كما إذا نوى أن يعتق عبيدًا، ويحمل في سبيل الله على كذا وكذا فرسًا. انتهى.

وفي (( شرح الأربعين النووية ) )لابن حجر: ويدل لخيرية النية خبر أبي يعلى: (( يقول الله للحفظة يوم القيامة: اكتبوا لعبدي كذا وكذا من الأجر، فيقولون: يا ربنا لم نحفظ ذلك عنه ولا هو في صحفنا؟ فيقول: إنه نواه ) ).

وفي (( شرح المشكاة ) )لعلي القاري: روي أن رجلًا من بني إسرائيل مر بكثبان رمل في مجاعة فقال في نفسه: لو كان هذا الرمل طعامًا لقسمته بين الناس، فأوحى الله تعالى إلى نبيهم: (( قل: إن الله قد صدقك وشكر حسن صنيعك وأعطاك ثواب ما لو كان طعامًا فتصدقت به ) ). انتهى.

وفي (( عمدة القاري ) )أيضًا: فإن قلت: هذا حكمه في الحسنة فما حكمه في السيئة؟

قلت: المشهور: أنه لا يعاقب عليها بمجرد النية، واستدلوا عليها بقوله تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة:286] : فإن اللام للخير فجاء فيها بالكسب الذي لا يحتاج إلى تصرف، بخلاف على؛ فإنها لما كانت للشر جاء فيها بالاكتساب الذي لابد فيه من التصرف والمعالجة، ولكن الحق: أن السيئة أيضًا يعاقب عليها بمجرد النية، لكن على النية لا على الفعل، حتى لو عزم أحد على ترك صلاة بعد عشرين سنة يأثم في الحال؛ لأن العزم من أحكام الإيمان، ويعاقب على العزم لا على ترك الصلاة، فالفرق بين الحسنة والسيئة أن بنية الحسنة يثاب الناوي على الحسنة، وبنية السيئة لا يعاقب عليها بل على نيتها.

فإن قلت: من جاء بنية الحسنة فقد جاء بالحسنة، ومن ج?

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت