وبالسند قال:
923 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ) بفتح الميمين بينهما عين ساكنة البصري المعروف بالبحراني (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضحاك بن مخلد (عَنْ جَرِيرِ) بالجيم مكبرًا (ابْنِ أبي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي (قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ) البصري.
(يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو) بفتح العين (ابْنُ تَغْلِبَ) بفتح الفوقية وسكون الغين المعجمة وكسر اللام ممنوع من الصرف العبدي البصري، روي له من النبي صلى الله عليه وسلم حديثان رواهما البخاري (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ) بضم الهمزة (بِمَالٍ) وللإسماعيلي: (( بمال من البحرين ) ).
(أَوْ سَبْيٍ) بفتح السين المهملة وبدون موحدة في أوله، وللكشميهني: بإثباتها مع موحدة ساكنة قبل الياء التحتية، ولأبي ذر وابن عساكر عن الحموي والمستملي: بموحدة فشين معجمة، ولأبي الوقت: بحذف الموحدة وعليهما فآخره همز بعد تحتية ساكنة.
(فَقَسَمَهُ) بفتح السين مخففة (فَأَعْطَى) بالبناء للفاعل؛ أي: النبي صلى الله عليه وسلم (رِجَالًا وَتَرَكَ رِجَالًا، فَبَلَغَهُ) بتخفيف اللام (أَنَّ الَّذِينَ تَرَكَ) أي: تركهم، وقال الحافظ قطب الدين: الذي في أصل روايتنا أن الذي بإفراد الموصول على حد وخضتم كالذي خاضوا.
(عَتَبُوا) بفتح العين والفوقية؛ أي: عليه يقال: عتب عليه؛ أي: وجد عليه يعتب بكسر الفوقية وضمها، ومصدره العتب بفتح فسكون، والمعتب: بفتح الميم والفوقية مصدر ميمي بمعنى العتب وأنشد:
~أخلاي لو غير الحمام أصابكم عتبت ولكن ليس للدهر معتب
أي: لأمره على تركهم بلا عطاء.
(فَحَمِدَ اللَّهَ) تعالى بصفاته الكمالية (ثُمَّ أَثْنَى عَلَيْهِ) بما يليق بكمال ذاته وجلال صفاته وهو من عطف التفسير، ولأبي ذر: بالواو (ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ) وهذا موضع المطابقة أي مهما يكن من شيء بعد حمد الله والثناء عليه.
(فَوَاللَّهِ إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ) جملة القسم وجوابه جواب إما مقرونًا بالفاء.
قال المولى سعد الدين في (( شرح التلخيص ) ): بعد من الظروف المبنية المنقطعة عن الإضافة؛ أي: بعد الحمد والصلاة والعامل فيه إما لنيابتها عن الفعل والأصل مهما يكن من شيء بعد الحمد والثناء ومهما هنا مبتدأ والاسمية لازمة للمبتدأ ويكن شرط والفاء لازمة له غالبًا فحين تضمنت أما معنى الابتداء والشرط لزمها لصوق الاسم والفاء غالبًا إقامة للازم مقام الملزوم وإبقاء لأثره في الجملة انتهى.
وأعطي هنا وفيما يأتي بضم الهمزة مضارع المتكلم المعلوم لا ماضي المجهول نعم في بعض النسخ ضبط أعطي الوسطي بفتح الياء على أنه ماض مجهول وهو من حيث
ج 2 ص 766
المعنى صحيح لكن لم يعلم مجيء الرواية به، وسقطت لام لابن عساكر.
(وَأَدَعُ الرَّجُلَ) أي: أترك الرجل الآخر بلا عطاء (وَالَّذِي أَدَعُ) أي: أدعه (أَحَبُّ إِلَيَّ) بالرفع خبر المبتدأ.
(مَنْ الَّذِي أُعْطِي) أي: أعطيه (وَلَكِنْ) بسكون النون، ولأبي الوقت والأصيلي وابن عساكر وأبي ذر: بتشديد النون مع ياء المتكلم (أُعْطِي أَقْوَامًا لِمَا أَرَى) أي: أعلم فهي قلبية (فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْجَزَعِ) بفتح الجيم والزاي؛ أي: عدم الصبر (وَالْهَلَعِ) بفتحتين وهو أفحش الفزع.
وقال ابن السكيت: الجزع الفزع والهلع الجبن عند اللقاء، ومثله الهلاع والهلعان بالضم، وقال الزجاج: الهلوع الذي يفزع ويجزع من الشر.
وقال محمد بن طاهر لأحمد بن يحيى: ما الهلوع؟ فقال: قد فسره الله تعالى حيث قال: {إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} [المعارج:19]
بقوله: {إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا*وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} [المعارج:20 - 21] .
(وَأَكِلُ) بفتح الهمزة وكسر الكاف (أَقْوَامًا) أي: أفوض أمرهم (إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْغِنَى) بكسر الغين المعجمة مقصورًا؛ أي: غنى النفس (وَالْخَيْرِ) أي: اتركهم إلى ما وهب لهم من شرف النفس وغناءها فإنه يحملهم على الصبر، والتعفف عن المسألة، وعدم الشره (فِيهِمْ) وفي رواية: (( منهم بمن ) ) (عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ) قال عمرو المذكور.
(فَوَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حُمْرَ النَّعَمِ) أن بفتح الهمزة وتشديد النون مع معموليها في محل نصب مفعول به لأحب، والباء الداخلة على كلمة للبدل، ويقال لها: باء المقابلة كقوله:
~فليت لي بهم قومًا إذا ركبوا شَنُّوا الإغارة فرسانًا وركبانًا
أي: بدلهم، والمعنى أن كلمة رسول الله هذه أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا من حمر النعم.
والحمر: بضم الحاء وسكون الميم جمع حمراء بالمد، والنعم بفتحتين الإبل والشاة أو خاص بالإبل، والجمع أنعام وجمع الجمع أناعيم قاموس، وإنما خص حمر النعم؛ لأن أعز أموال العرب الإبل وأعز أنواع الإبل عندهم الحمر (تَابَعَهُ يُونُسُ) هو ابن يزيد.
قال في (( الفتح ) ): وقد وصله مسلم من طريقه بتمامه.
قال في (( الفتح ) ): وكلام المزي في الأطراف يدل على أن يونس إنما تابع عقيلًا في أما بعد فقط وليس كذلك انتهى.
وقال العيني: قال خلف قوله تابعه يونس أي: في قوله أما بعد وتبعه المزي على ذلك.
وقال الشيخ قطب الدين: أنه روى جميع الحديث فلا يختص بأما بعد فقط انتهى.
فائدة: قال الكرماني: أعلم أن أبا عبد الله الحاكم قال وعليه الجمهور شرط البخاري في صحيحه أن لا يذكر إلا حديثًا رواه صحابي مشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وله راويان ثقتان فأكثر ثم كذلك في كل درجة.
وقال النووي: ليس من شرطه ذلك لإخراجه نحو حديث عمرو بن تغلب لأني لأعطي الرجل ولم يروه عنه غير الحسن البصري.
أقول: الضمير في له للراوي لا للحديث ولعمرو من يروي عنه غير الحسن وهو الحكم بن الأعرج ذكره صاحب جامع الأصول وغيره انتهى كلام الكرماني.
وأقول: غاية ما يلزم من كلامه تطرق احتمال رجوع ضمير له للراوي فيصير الدليل محتملًا والدليل إذا طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال وهذا إنما يتم إذا لم يكن للنووي دليلًا على عدم الاشتراط إلا هذا الحديث على أن الاحتمال المرجوح قد ينزل منزلة العدم فليتأمل.