فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 1465

86 -وبه قال:

(حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التبوذكي (قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) تصغير وهب بن خالد (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) أي: ابن عروة

ج 1 ص 473

بن الزبير بن العوام (عَنْ فَاطِمَةَ) بنت المنذر بن الزبير بن العوام وهي زوجة هشام هذا وبنت عمه.

(عَنْ أَسْمَاءَ) بنت أبي بكر الصديق جدة فاطمة هذه وأخت عائشة أم المؤمنين وهي أكبر من عائشة بعشر سنين، روي لها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة وخمسون حديثًا، أخرج البخاري منها ثمانية عشر حديثًا وتسمى ذات النطاقين؛ لأنها حين أراد النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أن يهاجرا وأتتهما بسفرتهما ونسيت أن تجعل لها شدادًا شقت نطاقها فجعلت نصفًا منه شدادًا للسفرة والنصف الآخر عصامًا للقربة، وقيل: جعلت النصف نطاقًا لها، أسلمت بمكة قديمًا بعد سبعة عشر إنسانًا تزوجها الزبير بمكة وطلقها بالمدينة، قيل: سبب طلاقها أن ابنه عبد الله وقف يومًا بالباب فلما جاء أبوه الزبير ليدخل البيت منعه فسأله عن ذلك فقال: ما أدعك تدخل حتى تطلق أمي، فامتنع عليه وأبى إلا طلاقها فسئل عن السبب فقال: مثلي لا تكون له أم توطأ وطلقها الزبير.

قال ابن الملقن: وفيه نظر. انتهى.

أقول: لعل وجه النظر بعد ذلك على ابن الزبير إذ كيف يستقبح ما استحسنه الشرع؟.

وقيل: ضربها الزبير فصاحت بابنها عبد الله فأقبل فلما رآه قال: أمك طالق إن دخلت فقال: أتجعل أمي عرضت ليمينك، فاقتحم عليها فخلصها منه فبانت منه وبقيت عند ابنها إلى أن قتله الحجاج، ماتت رضي الله عنها بمكة سنة ثلاث وسبعين بعد ما أنزل ابنها من الخشبة بليال يسيرة ولها قريب من مائة سنة، ولم يسقط لها سن ولم يتغير عقلها وابنها وأبوها وجدها أربعة صحابيون، وكانت من أعبر الناس للرؤيا بتعليم أبيها رضي الله تعالى عنه.

(أنها قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها (وَهِيَ تُصَلِّي) جملة حالية من عائشة مرتبطة بالواو والضمير (فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ) أي: في قيامهم واضطرابهم وفزعهم (فَأَشَارَتْ) أي: عائشة (إِلَى السَّمَاءِ) تعني انكسفت الشمس وكان ذلك يوم موت ولده إبراهيم، كما سيأتي إن شاء الله تعالى (فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ) أي: لصلاة الكسوف.

قال في (( الفتح ) ): كأنها التفتت من حجرة عائشة إلى من في المسجد فوجدتهم قيامًا في صلاة الكسوف، ففيه إطلاق الناس على البعض. انتهى.

(فَقَالَتْ) أي: عائشة عطفًا على أشارت؛ أي: ذكرت (سُبْحَانَ اللَّهِ) (( سبحان الله ) )علم على التسبيح؛ أي: التنزيه لكنه نكر فأضيف وهو مفعول مطلق التزم إضمار فعله.

وقال ابن الحاجب: إنما هي علم حيث لم تضف وهي من المصادر التي التزم حذف عاملها ومقول القول هو سبحان الله مع عامله المحذوف تقديره قالت: أسبح سبحان الله.

وقال العيني: فإن قلت: ينبغي أن يكون مقول القول جملة وسبحان الله ليس بجملة.

قلت: قالت معناه هاهنا ذكرت. انتهى.

أقول: وفيه نظر؛ لأن مقول القول يجوز أن يكون مفردًا إذا أريد لفظه كقوله تعالى: {يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء:60] على أنا لا نسلم أن (( سبحان الله ) )مفرد، بل هو مع عامله المحذوف جملة والمحذوف المقدر كالمذكور، ثم إنه على تأويل قالت بذكرت يكون قولها سبحان الله مفعولًا به، وقد أعربه هو مفعولًا مطلقًا فقال: وهو مفعول مطلق التزم إضمار فعله والتقدير أسبح سبحان الله. انتهى.

فكلامه هنا منبه على غفلته فيما سبق فسبحان من لا يسهو ولا يغفل.

(قُلْتُ: آيَةٌ؟) قال الكرماني: بهمزة الاستفهام وحذفها خبر مبتدأ محذوف؛ أي: أهي آية؛ أي: علامة لعذاب الناس مقدمة له قال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا} [الإسراء:59] أو علامة لقرب زمان القيامة وأمارة من أماراتها، أو علامة لكون الشمس مخلوقة داخلة تحت النقص مسخرة لقدرة الله تعالى ليس لها سلطنة على غيرها بل لا قدرة لها على الدفع عن نفسها.

ثم قال ما حاصله: أما قول أهل الهيئة أن الكسوف سببه حيلولة القمر بين الشمس وبين الأرض فلا يرى حينئذ إلا لون القمر وهو كمد لا نور له، وذلك لا يكون إلا في آخر الشهر عند كون النيرين في إحدى عقدتي الرأس والذنب وله آثار في الأرض، فإن كان مرادهم أن الله تعالى أجرى سنته بذلك كما أجرى سنته باحتراق الحطب اليابس عند مماسة النار له فلا بأس بذلك، وإن كان مرادهم أنه واجب عقلًا وله تأثير بحسب ذاته فهو باطل لما تقرر أن جميع الحوادث مستندة إلى إرادة الله تعالى ابتداء ولا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى. انتهى ملخصًا.

(فَأَشَارَتْ) عائشة (بِرَأْسِهَا: أَيْ نَعَمْ) هو آية (قالت) أسماء (فَقُمْتُ) أي: في الصلاة

ج 1 ص 474

(حَتَّى علانِي) بالعين المهملة من علوت الرجل بالدليل غلبته، ولكريمة: بفتح الفوقية والجيم وتشديد اللام بعدها ألف، وأصله تجللني؛ أي: علاني.

ففي (( العباب ) ): تجلله أي علاه، قاله العيني.

أي: فيكون قد أبدل أحد حرفي التضعيف ياء كما في تقضي البازي أصله تقضض.

(الْغَشْيُ) بفتح الغين وسكون الشين المعجمتين آخره مثنّاة تحتية مخففة، وروي أيضًا: بكسر الشين وتشديد الياء.

قال في (( المطالع ) ): وهي رواية الأصيلي وهما بمعنى الغشاوة وهي الغطاء.

قال الكرماني: والغشي مرض معروف يحصل بطول القيام في الحر وغيره، ولذلك عرفه أهل الطب بأنه تعطيل القوى المحركة والحساسة لضعف القلب واجتماع الروح كله إليه. انتهى.

وليس المراد بالغشي حقيقته، إذ لو كان المراد حقيقته لما تمكنت من صب الماء على رأسها حيث قالت: (فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي الْمَاءَ) بل المراد ما يقرب منه.

وجوز الكرماني أن يكون الصب بعد الإفاقة؛ أي: فيكون المراد من الغشي حقيقته.

ووهمه صاحب (( الفتح ) )ولم يذكر على ذلك دليلًا، ولعل وجه الوهم عدم فائدة صب الماء بعد الإفاقة؛ لأن المغشي عليه يصب على وجهه أو رأسه الماء ليفيق.

وأقول: يمكن أن يكون فائدة صب الماء بعد الإفاقة لإذهاب الكرب الحاصل من الغشي أو خشية عوده أو للتبرد أو لشد البدن، فإن الماء البارد يشد البدن ومع هذه الاحتمالات لا يتأتى الحكم بالتوهيم اللهم إلا أن يكون مستنده في كون المراد بالغشي ما يقرب منه الرواية فليتأمل.

(فَحَمِدَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَثْنَى عَلَيْهِ) من عطف العام على الخاص، أو من عطف الشيء على نفسه لتغاير اللفظين كما في قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة:157] ، كذا في (( منحة الباري ) ).

(ثُمَّ قَالَ) عليه الصلاة والسلام (مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ) بالبناء للمفعول، والمراد ما تصح رؤيته عقلًا كرؤية الباري جلا وعلا أو عرفًا كغيره من الأجرام، وقد تقرر في علم الكلام أن الرؤية أمر يخلقه الله تعالى في الرائي، وليست مشروطة بمقابلة ولا مواجهة ولا خروج شعاع وغيره، بل هذه أمور عادية جاز الانفكاك عنها عقلًا، ففيه صفة محذوفة كقوله تعالى: {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} [النمل:23] {يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف:79] .

قال العلماء: يحتمل أنها رؤية عين بأن كشف الله تعالى له عن ذلك وأزال الحجب المانعة عن رؤيته كما كشف له عن المسجد الأقصى حتى وصفه للناس، ويحتمل أنها رؤية علم ووحي بتعريفه من ذلك تفصيلًا ما لم يكن يعرفه قبل ذلك.

(إِلاَّ رَأَيْتُهُ) رؤية عين حقيقية حال كوني (فِي مَقَامِي هذا) اسم الإشارة هنا نعت لمقامي لتأويله بالمشار إليه.

وقال العيني: خبر لمبتدأ محذوف تقديره في مقامي هو هذا، وهو تكلف مستغنى عنه؛ لأن وقوع اسم الإشارة نعتًا بتأويله بالمشتق مستفيض في كتب العربية.

قال ابن مالك:

~وانعت بمشتق كصعب وذرب وشبهه كذا وذي والمنتسب

والاستثناء في (( إلا أريته ) )كما قال الكرماني متصل مفرغ وكل مفرغ متصل، ومعناه أن ما قبل إلا مفرغ لما بعدها؛ لأنه مستثنى من كلام غير تام، فألغيت فيه إلا من حيث العمل لا من حيث المعنى والتفريغ من الحال؛ أي: لم أكن أريته كائنًا في حال من الأحوال إلا في حال رؤيتي إياه، وجاز وقوع الفعل مستثنى بهذا التأويل. انتهى ملخصًا.

و (( المقام ) )قال الكرماني: يحتمل المصدر والزمان والمكان.

وقال العيني: نعم يحتملها في غير هذا الموضع ولكنه هنا بمعنى المكان. انتهى.

(حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ) برفعهما بجعل حتى ابتدائية؛ أي: حتى الجنة والنار مرئيان، وبنصبهما بجعلها عاطفة لهما على مفعول رأيت، وبجرهما بجعلها جارة كما في أكلت السمكة حتى رأسها، كذا قرروه بالأوجه الثلاثة وهي ثابتة في فرع اليونينية كهي.

وقال الحافظ ابن حجر: رويناه بالحركات الثلاثة فيهما، لكن استشكل البدر الدماميني الجر بأنه لا وجه له إلا العطف على المجرور المتقدم وهو ممتنع لما يلزم عليه من زيادة من مع المعرفة والصحيح منعه. انتهى.

وأجاب في (( منحة الباري ) )بقوله: قلت إنما يمتنع ذلك حيث لم يقع المجرور تابعًا إذ يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع كما في رب شاة وسخلتها. انتهى.

وأقول: ما أورده الدماميني مبني على جعل حتى عاطفة ولك أن تجعلها جارة فيندفع الإشكال المذكور.

فإن قلت: لعل المانع من جعلها جارة عدم وجود شرطها من كون المجرور بها آخرًا أو متصلًا بالآخر كقوله تعالى: {سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر:5] .

قلت: لا نسلم فقد الشرط المذكور إذ يجوز أن تكون الجنة والنار آخر ما أريه صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام وما المانع من ذلك على أن هذا الشرط غير متفق عليه.

فقد قال ابن مالك في (( تسهيله ) ): ولا يلزم كونه آخر جزء أو ملاقي آخر جزء خلافًا لزاعمي ذلك. انتهى. ولاسيما والرواية جاءت بذلك.

تنبيه: قال العارف بالله تعالى ابن جمرة في (( شرحه ) )

ج 1 ص 475

لهذا الصحيح يرد على هذا سؤال وهو أن يقال: ما المراد بقوله: عليه الصلاة والسلام: (( ما من شيء لم أكن أريته إلا رأيته ) ): هل المراد به جميع الغيوب أو المراد به ما يحتاج له من الأخبار إلى أمته، وما يخصه عليه الصلاة والسلام في ذاته المكرمة؟.

فالجواب: أن لفظ الحديث محتمل للوجهين، والظاهر منها الأخير، والأول ممنوع يدل على ذلك الكتاب والسنة.

أما الكتاب فقوله تعالى: {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ} [النمل:65] .

وأما الحديث: فقوله عليه السلام: (( مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله ) ).

ولأنه لا يمكن أن يحمل هذا على جميع الغيوب؛ لأن ذلك يؤدي إلى استواء الخالق والمخلوق وهو مستحيل عقلًا، وقد قال تعالى: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن:29] والآشاء منها ما قد وقع قبل خلق بني آدم، ومنها ما يقع بعد موتهم فكان ذلك مستحيلًا من طريق العقل والنقل. انتهى.

أقول: ويؤيد هذا ما ذكره ابن الملقن من حديث عائشة عند مسلم: (( رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم ) ).

وفي حديث جابر: (( عرض علي كل شيء تُولَجُونه ) )وفي لفظ: (( توعدونه ) )وهذا مبين لرواية أسماء. انتهى.

(فَأُوحِيَ) بالبناء للمفعول (إِلَيَّ: أَنَّكُمْ) بفتح الهمزة؛ لأنها مع قوله: (تُفْتَنُونَ) بالبناء للمفعول أيضًا نائب فاعل أوحي؛ أي: تمتحنون وتختبرون بسؤال الملكين في قبوركم (مِثْلَ أَوْ قَرِيبًا) بحذف التنوين في مثل وإثباته في تاليه.

(لاَ أَدْرِي) أيُّ ذلك لفظ (( مثل ) )أو (( قريبًا ) ) (قَالَتْ أَسْمَاءُ) رضي الله عنها (مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ) بالحاء المهملة؛ لأنه يمسح الأرض، أو لأنه ممسوح العين.

وقال ابن الملقن: هو مشترك بينه وبين عيسى عليه السلام، ويتميزان بالإضافة، فعيسى مسيح الهدى، والدجال مسيح الضلالة وفرق بعضهم بينهما فقال في الدجال: المسّيح بكسر الميم مع التشديد والتخفيف بخلاف النبي، وقيل: إن الدجال بالخاء المعجمة الممسوخ العين يقال: مسحه الله بالمهملة إذا خلقه خلقًا حسنًا بخلاف مسخه بالمعجمة فإنه عكسه.

وأما عيسى عليه السلام فسمي بذلك لمسحه الأكمه والأبرص فيبرئ، وقيل: لأنه كان ممسوح الرجل لا أخمص له، وقيل: لأن زكريا عليه السلام مسحه، فعلى الأول مسيح بمعنى فاعل، وعلى الثاني بمعنى مفعول. انتهى.

(الدَّجَّالِ) الكذاب والتقدير مثل فتنة المسيح أو قريبًا منها وهذه هي الرواية المشهورة.

قال العيني: وفي رواية بغير تنوين فيهما، وفي رواية أخرى بالتنوين فيهما.

قال القاضي: رويناه عن بعضهم، وكذا روي من فتنة المسيح بلفظة: (( من قبل فتنة ) )وروي أيضًا بدون (( من ) )أما وجه الرواية الأولى وهي المشهورة فهو ما قاله ابن مالك: أن أصله مثل فتنة الدجال أو قريبًا من فتنة الدجال، فحذف ما كان مثل مضافًا إليه، وترك على هيئته قبل الحذف، وجاز الحذف لدلالة ما بعده قال: والمعتاد في صحة هذا الحذف أن يكون مع إضافتين كقول الشاعر:

~أمام وخلف المرء من لطف ربه كوالئُ تزوي عنه ما هو يحذر

وجاء أيضًا بإضافة واحدة كما هو في الحديث:

~مَهْ عاذلي فهائمًا لن أبرحا كمثَل أو أحسن من شمس الضحى

وأما وجه الرواية الثانية فهو أن يكون مثل أو قريب كلاهما مضافان إلى فتنة المسيح، ويكون قوله لا أدري؛ أيُّ ذلك قالت أسماء معترضة بين المضافين والمضاف إليه مؤكدة لمعنى الشك المستفاد من كلمة أو، ومثل هذه لا تسمى أجنبية منه حتى يقال: كيف يجوز الفصل بين المضافين وبين ما أضيفا إليه؛ لأن المؤكدة للشيء لا تكون أجنبية منه فجاز كما في قوله:

يا تيم تيم عدي

وقال الكرماني: فإن قلت هل يصح أن يكون لشيء واحد مضافان؟

قلت: ليس هنا مضافان بل مضاف واحد وهو أحدهما لا على التعيين، ولئن سلمنا فتقديره مثل فتنة المسيح أو قريب فتنة المسيح فحذف أحد اللفظين منهما لدلالة الآخر عليه نحو قول الشاعر:

~بين ذراعي وجبهة الأسد

قلت: قوله ليس هنا مضافان غير صحيح بل هنا مضافان صريحان وقد جاء ذلك في كلام العرب كما مر في البيت المذكور.

وأما وجه الرواية الثالثة فهو أن يكون مثلًا منصوبًا على أنه صفة لمصدر محذوف و (( أو قريبًا ) )عطف عليه والتقدير تفتنون في قبوركم فتنة مثلًا من مماثلات فتنة المسيح الدجال أو فتنة قريبًا من فتنة المسيح الدجال.

وأما وجه من في رواية من أثبتها قبل قوله: فتنة المسيح

ج 1 ص 476

على تقدير إضافة المثل أو القريب إلى فتنة المسيح فعلى نوعين:

أحدهما: أن إظهار حرف الجر بين المضاف والمضاف إليه لا يمتنع عند قوم من النحاة، وذلك نحو قولك لا أبا لك.

والآخر: ما قيل: أنهما ليسا بمضافين إلى فتنة المسيح على هذا التقدير، بل هما مضافان إلى فتنة مقدرة والمذكورة بيان لتلك المقدرة فافهم. انتهى.

وأما قوله: لا أدري؛ أيُّ ذلك قالت فإن قدرت أيا استفهامية فهي مبتدأ ومضافة إلى ذلك والخبر جملة قالت، والرابط محذوف تقديره قالته، وجملة: (( أي ذلك قالت ) )في محل نصب سادة مسد مفعولي أدري؛ لأنها علقتها عن العمل، ويجوز في أي النصب على تقدير كونها استفهامية على أنها مفعول مقدم لقالت، والنصب بلا أدري على تقدير كونها موصولة.

(يُقَالُ) لكل من يراد سؤاله من سعيد وشقي؛ أي: يقول الفتانان للمفتون في قبره وهما منكر ونكير، وهو تفسير لقوله: تفتنون، فلذا لم تدخل عليه الواو (مَا عِلْمُكَ) الخطاب فيه للمفتون، وأفرد بعد أن قال في قبوركم؛ لأنه تفصيل لذلك الجمع المقابل بتفتنون، ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي الانقسام على الآحاد فيفيد التوزيع، وكأنه قال لكل أحد: إنك تفتن في قبرك أو لأن السؤال عن العلم يكون لكل واحد بانفراده واستقلاله، وكذا لكل أحد جواب خاص بخلاف الفتنة، كذا في الكرماني.

وهل يسمى الانتقال من جمع الضمير إلى إفراده أو العكس التفاتًا؟.

قال الكرماني: عرف بعض علماء المعاني الالتفات بحيث يتناول الانتقال من صنف من نوع الضمير إلى صنف آخر من ذلك النوع، كما قال المرزوقي في (( شرح الحماسة ) )عند قوله:

~أحيا أباكن يا ليلى الأماديح

إنه التفات، وكما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء} [الطلاق:1] لكن الجمهور على خلافه.

أقول: وقد يكون الانتقال من جمع عام إلى أخص منه، وهذا سر من أسرار البلاغة مودع في قوله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} [البقرة:40] الآيات إلى قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} [البقرة:44] فإن الخطاب في الآيات التي قبل هذه الآية الكريمة لجميع بني إسرائيل، وفي هذه جرد الخطاب، ووجه إلى بعضهم وهم العلماء وأولوا الأمر منهم؛ لأنهم هم الذين يتأتى الأمر بالبرّ منهم.

(بِهَذَا الرَّجُلِ) أي: النبي صلى الله عليه وسلم.

قال ابن الملقن: إنما قال الملكان ذلك ولم يقولا رسول الله؛ امتحانًا له وإغرابًا عليه لئلا يتلقن منهما إكرام النبي صلى الله عليه وسلم ورفع مرتبته فيعظمه هو تقليدًا لا اعتقادًا، ولهذا يقول المؤمن: هو رسول الله، والمنافق لا أدري {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} [إبراهيم:27] . انتهى.

(فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوِ الْمُوقِنُ) أي: المصدق بنبوته عليه الصلاة والسلام شكت فاطمة فقالت: (لاَ أَدْرِي بِأَيِّهِمَا) بالموحدة، وللأربعة بإسقاطها (قَالَتْ أَسْمَاءُ) وهذه الجملة معترضة بين أما وجوابها وهو قوله: (فَيَقُولُ) أي: المؤمن أو الموقن هو؛ أي: المسؤول عنه (هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) .

وقوله: (جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ) أي: المعجزات الدالة على رسالته (وَالْهُدَى) أي: الدلالة على ما به نجاتنا خبر ثان، أو مستأنفة استئنافًا بيانيًا، أو حالية بتقدير قد (فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا) وفي رواية أبي ذر: بالضمير فيهما فحذف ضمير المفعول في الرواية الأولى للعلم به؛ أي: قبلنا نبوته مصدقين بها معتقدين حقيتها واتبعناه فيما جاء به إلينا، أو الإجابة ترجع إلى العلم والإتباع إلى العمل.

يقول المؤمن: (هُوَ مُحَمَّدٌ) جملة مؤكدة للجملة السابقة، ولو زاد هو رسول الله لكانت الجملتان مؤكدتين للجملتين السابقتين، ولأبوي ذر والوقت: بزيادة الواو (ثَلاَثًا) الأقرب أن يرجع (( ثلاثًا ) )إلى قوله: هو محمد، ويجوز أن يرجع إلى أول الكلام وهو قوله: هو محمد هو رسول الله ... إلخ، فيقتضي ذلك تكرار الجملة أو الجمل ثلاث مرات، ويحتمل أن يرجع إلى لفظ هو فإنها مذكورة ثلاث مرات فلا يقتضي تكرارًا.

وأما ما ذكره الكرماني من كون المراد مرتين بلفظ محمد ومرة بصفته وهو رسول الله، وأنه يلزم أن يكون هو محمد مقولًا تسع مرات ففيه بعد.

(فَيُقَالُ) أي: له كما في نسخة (نَمْ صَالِحًا) حال من فاعل (( نم ) )أي: منتفعًا بأعمالك وأحوالك إذ الصلاح كون الشيء في حد الانتفاع، أو يقال: أي لا روع عليك مما يروع به الكفار من عرضهم على النار أو غيره من عذاب القبر،

ج 1 ص 477

ويجوز أن يكون معناه صالحًا؛ لأن تكرم بنعيم الجنة، والمراد بالنوم هنا على ما يظهر بقاؤه في البرزخ منعمًا غير معذب فهم ذلك من قوله (( صالحًا ) )لأن الموت قد يشبه بالنوم فيستعار له اسمه كقوله تعالى: {مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا} [يس:52] .

ويحتمل وإن لم يذكره الشراح أن يكون صالحًا صفة لمصدر محذوف؛ أي: نم نومًا صالحًا عند من يجيز إقامة صفة المصدر مقامه.

(قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا) بكسر القاف، قال في (( المصابيح ) ): إن بكسر الهمزة هي المخففة من الثقيلة واللام مفيدة للفرق بينها وبين النافية.

قال الزركشي: وحكى السفاقسي فتح أن على جعلها مصدرية؛ أي: علمنا كونك موقنًا ورده بدخول اللام.

قلت: إنما تكون اللام مانعة إذا جعلت لام الابتداء على رأي سيبويه ومن تابعه، وأما على رأي الفارسي وابن جني وجماعة أنها غير لام الابتداء اجتلبت للفرق فيسوغ الفتح، بل يتعين حينئذ لوجود المقتضي وانتفاء المانع، ثم قيل: المعنى إنك موقن نحو: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} [آل عمران:110] أي: أنتم.

قال القاضي: والأظهر بقاؤها على بابها والمعنى إنك كنت موقنًا. انتهى.

وقيل: المعنى إن كنت لموقنًا في علم الله تعالى، كما قيل في قوله تعالى: {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} [الأنعام:140] .

وهذا الذي تقدم في إن واللام هو مذهب البصريين ومذهب الكوفيين أن (( إن ) )نافية بمعنى ما، واللام بمعنى إلا مثل قوله تعالى: {إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} [الطارق:4] أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ، ويكون التقدير هاهنا ما كنت إلا موقنًا.

(وَأَمَّا الْمُنَافِقُ) أي: غير المصدق بقلبه بنبوته صلى الله عليه وسلم وهذا في مقابلة المؤمن (أَوِ الْمُرْتَابُ) أي: الشاك، وهذا في مقابلة الموقن قالت فاطمة: (لاَ أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ) يجري فيه ما تقدم في نظيره (فَيَقُولُ: لاَ أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ) أي: قلت ما كان الناس يقولونه في الدنيا.

قال الكرماني: وفي بعض النسخ بعده وذكر الحديث أي ... إلخ وهو كما جاء في الروايات الأخر أنه يقال له: (( لا دريت ولا تليت ) )بالياء في تليت للمناسبة والازدواج مع دريت، وإلا فالقياس يقتضي تلوت ويضرب بمطارق من حديد ضربة فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين.

وفي الحديث فوائد: كون الجنة والنار مخلوقتين الآن، وهو مذهب أهل السنة خلافًا للمعتزلة، والأدلة على ذلك مبسوطة في علم الكلام.

وفيه: إثبات عذاب القبر ونعيمه وهو مذهب أهل السنة والجماعة أيضًا للأخبار الواردة بذلك، ولاستعاذة النبي صلى الله عليه وسلم من عذاب القبر.

وفيه: سؤال الملكين منكر ونكير للميت.

وفيه: خروج الدجال.

وفيه: أن الرؤية غير مشروطة بشيء عقلًا من مواجهة واتصال شعاع وغير ذلك، ووقوع رؤية الله تعالى له عليه الصلاة والسلام.

وفيه: أن من ارتاب في صدقه أو صحة رسالته فهو كافر.

وفيه: جواز التخصيص بالمخصصات العرفية والعقلية.

وفيه: سنية صلاة الكسوف وتطويل القيام فيها.

وفيه: مشروعيتها للنساء أيضًا.

وفيه: جواز حضورهن الجماعات وراء الرجال.

وفيه: جواز السؤال بالإشارة من المصلي.

وفيه: عدم جواز الكلام في الصلاة.

وفيه: جواز الإشارة للمصلي بدون كراهة إذا كانت لحاجة.

وفيه: جواز العمل اليسير في الصلاة وأنه لا يبطلها.

وفيه: جواز التسبيح للنساء في الصلاة، وإن كان المستحب لهن التصفيح لا التسبيح كيلا يسمع الرجال أصواتهن، لكن القصة هنا جرت بين الأختين.

وفيه: استحباب الخطبة بعد صلاة الكسوف، وكون ابتدائها بحمد الله والثناء عليه.

وفيه: أن الغشي لا ينقض الوضوء ما دام العقل باقيًا، كذا في الكرماني والعيني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت