91 -وبه قال:
(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي: المسندي (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ) ولابن عساكر: ، ولأبي ذر: .
(قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ الْمَدِينِيُّ) بالمثناة التحتية قبل النون، وللأصيلي: بحذفها، وفي الكرماني قال الجوهري: إذا نسبت إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم قلت: مدني، وإلى مدينة المنصور مديني، وإلى مدائن كسرى مدائني.
وأقول: فعلى هذا التقدير لا يصح المديني؛ لأنه من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال الحافظ أبو الفضل المقدسي في كتاب (( الأنساب ) ): قال البخاري: المديني هو الذي أقام بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفارقها، والمدني هو الذي تحول عنها وكان منها انتهى.
أقول: فرواية من أثبت الياء محمولة على عدم مفارقته المدينة، ورواية من حذفها محمولة على ثبوت مفارقتها عنده، ويمكن حمل رواية ثبوت الياء على الشذوذ في النسب إذ لا شبهة في أن القياس حذف الياء.
(عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هو المشهور بربيعة الرأي.
قال الكرماني: وقد يقال: الرأيي أيضًا بالتشديد منسوبًا إلى الرأي كان صاحب معضلات أهل المدينة ورئيسهم في الفتيا.
قال ابن الملقن: وهو أستاذ مالك وحظي به، فقيل له: كيف حظي بك مالك ولم تحظ أنت نفسك؟ فقال: أما علمتم أن مثقالًا من دولة خير من حمل علم، وإذا قال مالك: وعليه أهل بلدنا والمجتمع عليه عندنا فإنه يعنيه.
قال يونس بن يزيد: رأيت أبا حنيفة عند ربيعة فكان مجهوده أن يحفظ ما قاله ربيعة، مات بالمدينة، وقيل: بالأنبار سنة ست وثلاثين ومائة في خلافة أبي العباس السفاح أول خلفائهم انتهى.
(عَنْ يَزِيدَ) من الزيادة (مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ) اسم فاعل من الانبعاث بالنون والموحدة والمهملة وبالمثلثة متفق على توثيقه (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ) بضم الجيم وفتح الهاء وبالنون نسبة إلى جهينة.
قال الكرماني: قد اختلف في كنيته، ووقت وفاته، وموضع وفاته اختلافًا كثيرًا فهو أبو طلحة أو أبو عبد الرحمن أو أبو زرعة، وكان معه لواء جهينة يوم الفتح، روي له أحد وثمانون حديثًا ذكر البخاري منها خمسة، نزل الكوفة ومات بها أو بمصر أو بالمدينة سنة خمسين أو ثمان وستين أو اثنين وسبعين انتهى، وليس في الصحابة زيد بن خالد سواه.
(أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَأَلَهُ رَجُلٌ) هو عمير والد مالك، وقيل: بلال المؤذن، وقيل: الجارود، وقيل: هو زيد بن خالد نفسه (عَنِ اللُّقَطَةِ) بضم اللام وفتح القاف وقد تسكن لغة: الشيء الملقوط.
وقال الخليل: بالفتح اللاقط، و بالسكون الملقوط.
وقال الأزهري: هذا هو القياس في كلام العرب لأن فعلة كالضحكة جاء فاعلًا وفعلة كالضحكة مفعولًا إلا أن اللقطة على خلاف القياس إذ أجمعوا على أنها بالفتح هي الملقوط انتهى.
وانظر نقل هذا الإجماع مع ما تقدم عن الخليل، وزاد فيها ابن مالك لغتين أيضًا اللقاطة بضم اللام وألف بعد القاف، واللقط بفتحات من غيرها ونظمها بقوله:
~لقاطةٌ ولُقْطَةٌ ولُقَطَه ولَقَطٌ ما لاقطٌ قد لقطه
وهي في الشرع ما ضاع من مالكه بسقوط أو غفلة فوجده غيره.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم، ولكريمة: (اعْرِفْ) بكسر الهمزة والراء من عرف يعرف مخففًا (وِكَاءَهَا) بكسر الواو والمد ما يربط به رأس الصرة والكيس ونحوهما (أَوْ قَالَ وِعَاءَهَا) بكسر الواو؛ أي: ظرفها، والشك من زيد بن خالد أو ممن دونه من الرواة.
(وَعِفَاصَهَا) بكسر العين المهملة وبالفاء، قيل: هو الوعاء أيضًا؛ لأن العفص هو الثني والعطف لأن الوعاء يثنى على ما فيه وينعطف، قاله
ج 1 ص 486
القسطلاني. فالجمع بينهما على هذا التقدير للتأكيد.
وقال الجوهري: هو الجلد الذي تلبسه رأس القارورة، وأما الذي يدخل في فمها فهو الصمام بكسر الصاد المهملة.
وقال ابن الملقن: العفاص الوعاء من جلد أو غيره، ويقال أيضًا للجلد الذي يلبس رأس القارورة؛ لأنه كالوعاء له وهو المسمى بالصمام وهو المسمى بالسداد بكسر السين المهملة وهو بالفتح القصد في الدين، وقيل: العفاص ما يدخل فيه رأس القارورة ونحوها، والسداد والصمام ما يدخل فيها، حكاه البطليوسي في (( شرح أدب الكاتب ) )انتهى.
وإنما أمره صلى الله عليه وسلم بمعرفة ما ذكر ليعرف صدق مدعيها من كذبه فربما ادعاها غير صاحبها، ولئلا تختلط بماله، ونبه بهذه المذكورات على ما سواها كمعرفة وزنها إن كانت مما يوزن، وعددها إن كانت مما يعد، وصفتها وجنسها وغير ذلك مما سيأتي إن شاء الله تعالى في اللقطة.
(ثُمَّ عَرِّفْهَا) على سبيل الوجوب في المحافل للناس بذكر بعض صفاتها (سَنَةً) أي: مدة سنة متصلة كل يوم مرتين صباحًا ومساءً، ثم مرة، ثم في كل أسبوع، ثم في كل شهر في بلد اللقطة وما يقرب منه.
قال العيني: فإن قلت: جاء في حديث أُبي ثلاث سنين، وفي بعض طرقه الشك في سنة أو ثلاثة، قلت: جمع بينهما بطرح الشك والزيادة وترد الزيادة لمخالفتها لباقي الأحاديث، وقيل: هما قصتان الأولى للأعرابي، والثانية لأُبي أفتاه بالورع بالتربص ثلاثة أعوام إذ هو من فضلاء الصحابة انتهى.
(ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا) أمر من باب الاستفعال معطوف على عرفها.
قال ابن الملقن: وهو أمر إباحة لا أمر وجوب، وفي العيني قالوا: الإتيان هنا بثم دال على المبالغة في التثبت في العفاص والوكاء إذ كان وضعها للتراخي والمهلة فكأنه عبارة عن قوله: لا تعجل.
(فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا) أي: مالكها وذكر صفاتها (فَأَدِّهَا إِلَيْهِ) قال ابن الملقن: أي: إذا تحقق صدق واصفها إما بوصفه لها بأمارة وإما ببينة وجب ردها إليه بعد تعريف الملتقط إياها، وفي التحليف عند وصفها قولان في مذهب مالك انتهى.
(قَالَ) يا رسول الله (فَضَالَّةُ الإِبِلِ) قال الكرماني: مبتدأ حذف خبره؛ أي: ما حكمها أكذلك أم لا، وهو من باب إضافة الصفة للموصوف انتهى.
ولا تقع الضالة إلا على الحيوان من نحو طفل وشاة، وأما في غيره فيقال فيها لقطة وتجمع على ضوال، ويقال لها: الهوامي بالميم والهوافي بالفاء واحدها هامية وهافية يقال: همت وهفت الماشية ذهبت على وجهها من غير راع، كذا في العيني.
(فَغَضِبَ) أي: النبي صلى الله عليه وسلم، الفاء فيه للسببية مثل قوله تعالى: {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} [القصص:15] .
(حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ) تثنية وجنة وهي ما ارتفع من الخد، ويقال: ما علا من لحم الخدين، ويقال فيها: وجنة بتثليث الواو، وأجنة بضم الهمزة ذكره الجوهري وغيره.
(أَوْ قَالَ احْمَرَّ وَجْهُهُ) شك من زيد أو غيره.
قال ابن الملقن: وإنما غضب صلى الله عليه وسلم استقصارًا لعلم السامع وسوء فهمه إذ لم يراع المعنى المشار إليه ولم يتنبه له فقاس الشيء على غير نظيره، فإن اللقطة إنما هي اسم للشيء الذي يسقط من صاحبه ولا يدري أين موضعه وليس كذلك الإبل فإنها مخالفة لـ (( القطة ) )اسمًا ووصفًا فإنها غير عادمة أسباب القدرة على العود إلى ربها لقوة سيرها وكون الحذاء والسقاء معها؛ لأنها ترد الماء ربعًا وخمسًا، وتمتنع من الذئاب وغيرها من صغار السباع، ومن التردي وغير ذلك بخلاف الغنم فإنها بالعكس فجعل سبيلها سبيل اللقطة.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (وَمَا لَكَ وَلَهَا) أي: ما تصنع بها؛ أي: لم تأخذها ولم تتناولها، وفي رواية الحموي والمستملي بالفاء، وفي رواية الأصيلي وابن عساكر بغير واو ولا فاء.
(مَعَهَا سِقَاؤُهَا) مبتدأ قدم عليه خبره، والمراد بسقائها أجوافها فإنها تشرب الماء فتكتفي به أيامًا (وَحِذَاؤُهَا) بكسر الحاء المهملة والمد بالرفع عطفًا على (( سقاؤها ) )، والمراد به خفها الذي تمشي عليه.
(تَرِدُ الْمَاءَ) قال العيني يجوز أن تكون بيانًا لما قبلها فلا محل لها من الإعراب، ويجوز أن يكون محلها الرفع خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هي ترد الماء وترعى الشجر انتهى.
ولعل المراد بقوله بيانًا أنها مفسرة؛ لأن المذكور في الجمل التي لا محل لها من الإعراب الجملة المفسرة لا الجملة البيانية، ويجوز أن تكون مستأنفة استئنافًا بيانيًا كأنه قيل: كيف يكون سقاؤها معها؟ فقال: ترد الماء.
(وَتَرْعَى الشَّجَرَ) معطوفة على ترد الماء على احتمالاتها والفاء في قوله: (فَذَرْهَا) في جواب شرط مقدر؛ أي: إذا كان أمرها على ما ذكرت لك فدعها.
(حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا) أي: مالكها؛ لأنها ليست بفاقدة أسباب العود إليه، وتمتنع من صغار السباع كما تقدم، وفي معناها كلما يمتنع بنفسه من صغار السباع بقوة أو عدو أو طيران كبقر وجاموس وفرس وظبي وطير فلا يجوز التقاطها في مفازة زمن أمن عند الشافعي إما للحفظ أو في عمران مطلقًا، أو في مفازة زمن نهب فيجوز التقاطها.
وقال أبو حنيفة: يجوز التقاطها مطلقًا؛ لأن الالتقاط عنده
ج 1 ص 487
لا يسوغ التملك وليس للملتقط إلا حفظ اللقطة، وعند عدم ظهور مالكها يتصدق بها عنه، اللهم إلا أن يكون فقيرًا فيصرفها لنفسه صدقة فإن ظهر مالكها غرم ثمنها في الحالين، وللمالكية ثلاثة أقوال.
(قَالَ) أي: السائل يا رسول الله (فَضَالَّةُ الْغَنَمِ) أي: ما حكمها أهي مثل ضالة الإبل أم لا؟.
(فقَالَ) عليه الصلاة والسلام مشيرًا إلى أنها ليست كذلك بل هي (لَكَ) إن التقطتها (أَوْ لأَخِيكَ) أي: للاقط آخر إن تركتها وأخذها هو، وقيل: المراد بأخيك صاحبها، واستبعده ابن الملقن.
(أَوْ لِلذِّئْبِ) يأكلها إن لم تأخذها أنت ولا أخوك، والمراد أنها معرضة لأكله لعدم قدرتها على الامتناع منه فهو أمر أغلبي، وإلا فقد يكون هلاكها سبب جوع أو عطش أو غيرهما، وتمام المباحث فيها تأتي إن شاء الله تعالى.