فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 1465

وبالسند قال:

104 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التنيسي (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية الأصيلي وابن عساكر: (اللَّيْثُ) ابن سعد المصري (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدٌ) بكسر العين المقبري، وللأصيلي وابن عساكر وأبي الوقت زيادة: ولغيرهم هو ابن أبي سعيد.

(عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ) بالشين المعجمة أوله والحاء المهملة آخره مصغرًا خويلد بن عمرو على الراجح، وقيل: عمرو بن خالد، وقيل: كعب بن عمرو الخزاعي الكعبي الصحابي، أسلم قبل الفتح، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم عشرين حديثًا اتفقا على حديثين منها أحدهما هذا، والآخر (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ) )، وانفرد البخاري بحديث: (( والله لا يؤمن ثلاثًا من لا يأمن جاره بوائقه ) )، مات بالمدينة سنة ثمان وستين، وقيل: سنة ثمان وخمسين، وليس في الصحابة من يشركه في هذه الكنية إلا اثنان.

(أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ) بفتح العين في الأول وكسرها في الثاني ابن العاصي بن سعيد بن العاصي بن أمية القرشي الأموي أبو عثمان المدني يعرف بالأشدق الأمير على المدينة من طرف يزيد بن معاوية رضي الله عنه خرج على عبد الملك فخدعه عبد الملك وأمنه وقتله صبرًا سنة سبعين.

قال في (( الفتح ) ): وليست له صحبة ولا كان من التابعين بإحسان انتهى.

(وَهْوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ) جملة وقعت حالًا من عمرو، ولا يستقيم أن تكون حالًا من الضمير في قال كما يعلم بالتأمل.

والبعوث: بضم العين جمع بعث بمعنى مبعوث وهو الجند الذي يبعث إلى موضع لقصد المحاربة.

(إِلَى مَكَّةَ) المشرفة زادها الله شرفًا، ورزقنا المجاورة بها في عافية بلا محنة لقتال عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما لما امتنع من الدخول تحت بيعة يزيد بن معاوية والتجأ إلى الحرم، وكان عمرو واليًا على المدينة من قبل يزيد.

قال في (( الفتح ) ): والقصة مشهورة، وملخصها أن معاوية رضي الله عنه عهد بالخلافة بعده ليزيد فبايعه الناس إلا عبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن عمر، والحسين بن علي وعبد الله بن الزبير، فأما ابن أبي بكر فمات قبل موت معاوية، وأما ابن عمر فبايع يزيد بعد موت أبيه، وأما الحسين بن علي فسار إلى الكوفة لاستدعائهم إياه ليبايعوه فكان ذلك سبب قتله، وأما ابن الزبير فاعتصم بمكة ويسمى عائذ البيت، وغلب على أمر مكة فكان يزيد بن معاوية يأمر أمرائه على المدينة أن يجهزوا إليه الجيوش، ثم إن أهل المدينة اجتمعوا على خلع يزيد من الخلافة، وكان ذلك سبب تجهيزه إليهم جيوش الشام وكانت وقعة الحرة بالمدينة انتهى.

وقال ابن الملقن: أنه لما توفي معاوية وجه يزيد إلى عبد الله يستدعي منه بيعته فخرج إلى مكة ممتنعًا من بيعته فغضب يزيد، وأرسل إلى مكة يأمر واليها يحيى بن حكيم بأخذ بيعة عبد الله فبايعه، وأرسل إلى يزيد ببيعته فقال: لا أقبل حتى يؤتى به في وثاق، فأبى ابن الزبير وقال: أنا عائذ بالبيت، فأبى يزيد وكتب إلى عمرو بن سعيد

ج 1 ص 507

أن يوجه إليه جندًا فبعث هذه البعوث.

قال ابن بطال: وابن الزبير عند علماء أهل السنة أولى بالخلافة من يزيد وعبد الملك؛ لأنه بويع لابن الزبير قبل هؤلاء وهو صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال مالك أن ابن الزبير أولى من عبد الملك انتهى.

أقول: كلام صاحب (( الفتح ) )يقتضي أن مكة لم تدخل تحت ولاية يزيد لقوله في ابن الزبير: وغلب على أمر مكة، وكلام ابن الملقن صريح في أنها كانت داخلة تحت ولايته لقوله: فغضب يزيد وأرسل إلى مكة يأمر واليها يحيى بن حكيم ... إلخ، والقصة واحدة فكيف التوفيق بين الكلامين؟.

ويمكن التوفيق بأن ما ذكره ابن الملقن من استيلاء يزيد على مكة كان بطريق التغلب، وكانت البيعة من أهلها لابن الزبير، ولكن ترك حقه قضاء لدماء المسلمين فلما أفرط يزيد وأبى إلا أن يؤتى به في وثاق أظهر بيعته وغلب على أمر مكة، كما قاله صاحب (( الفتح ) )، واستمر واليًا عليها إلى أن بعث إليه عبد الملك الحجاج فقتله وصلبه، وهذه من أعظم قبائح الحجاج التي ملأت الفجاج فليتأمل.

(ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ، أُحَدِّثْكَ) مقول قال وفيه من حسن التلطف ما لا يخفى ليكون أدعى للقبول كما قال تعالى لموسى وهارون في إرشاد فرعون: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه:44] وأحدثك مجزوم في جواب الأمر.

(قَوْلًا) بالنصب مفعول ثان لأحدثك (قَامَ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) وفي رواية أبي الوقت: ومعنى قام به ذكره قائمًا (الْغَدَ) بالنصب على الظرفية لقام.

(مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ) أي: ثاني يوم فتح مكة في العشرين من رمضان السنة الثامنة من الهجرة (سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ) مثنى أذن حذفت نونه للإضافة وهو تأكيد لتحقيق المسموع إذ السماع لا يكون بغير الأذن ولهذا ثنى الأذن.

قال الكرماني: واعلم أن كل ما في الإنسان من الأعضاء اثنين نحو الأذن والعين فهو مؤنث بخلاف الأنف ونحوه انتهى.

أقول: يرد عليه العنق والكبد فإنهما مؤنثان مع عدم التعدد فيهما، والثدي والخد فإنهما مذكران مع تعدد كل منهما فالقاعدة أغلبية، وقد رأيت في بعض المجاميع أبياتًا في ضبط ما يتحتم تذكيره من أعضاء الإنسان وما يتحتم تأنيثه وما يجوز فيه الأمران، فالذي يتحتم فيه التذكير ما أشار إليه في هذه الأبيات:

~رأس الفتى وجبينه ومعاؤه والثغر منه وأنفه والمنخر

~والبطن ثم الفم ظهر بعده ناب وخد بالحياء معصفر

~والثدي والزند المزيد وناجذ والباع والذقن الذي لا يذكر

والذي يتحتم فيه التأنيث ما في هذه الأبيات:

~تؤنث من أعضاء حي لعاقل ومن غيره عشرون عضوًا تعدد

~فعين وأذن رجل الساق إصبع يمين شمال قيل للكرش اعددوا

~كذا ضلع كف وكبد ومتنه وعنق وفخذ عضد القدم اليد

~كذا ورك منها وبالعقب اختمن فمجموع هذي عن ذوي النقل تسند

والذي يجوز فيه الأمران ما في قوله:

~لسان الفتى والعنق والإبط والقفا وعاتقه والمتن والضرس يذكر

~وعند ذراع المرء تم حسابها فأنث وذكر أنت في ذا مخير

انتهى.

وليست هذه الأبيات معزوة لمن يعتمد عليه، وقد عد العنق والمتن فيما يتحتم تأنيثه وفيما يجوز فيه الأمران، ووقفت على أبيات فيما يتحتم تأنيثه وفيما يجوز فيه الأمران من المؤنثات السماعية مطلقًا في الإنسان وفي غيره منسوبة لابن الحاجب ذكر فيها العنق فيما يجوز فيه الأمران فعليك بتحرير ذلك.

(وَوَعَاهُ قَلْبِي) أي: حفظه وتحقق معناه، وأصله من وعى الشيء جعله في وعاء ثم استعمل مجازًا مرسلًا في مطلق الحفظ (وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ) تأكيد بعد تأكيد بتنزيل المسموع منزلة المبصر، وجملة: (( قام به النبي صلى الله عليه وسلم ) )وقوله: (( سمعته أذناي ) )وما عطف عليها صفات لقولًا، ومقصوده أنه لم يكن اعتماده على الصوت من وراء حجاب بل سمعه مبصرًا ومشاهدًا لقائله.

(حِينَ تَكَلَّمَ) أي: نطق (بِهِ) صلى الله عليه وسلم ظرف لقام وما بعده على طريق التنازع (حَمِدَ اللَّهَ) بيان لقوله: تكلم به؛ أي: بالقول (وَأَثْنَى عَلَيْهِ) من عطف العام على الخاص (ثُمَّ قَالَ) عليه الصلاة والسلام:

(إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ) عز وجل؛ أي: يوم خلق السماوات والأرض من غير سبب يعزى لأحد، وهذا لا ينافيه حديث: (( إن إبراهيم حرم مكة ) )لأن المراد أنه بلغ تحريم الله، وأظهره بعد أن رفع البيت إلى السماء وقت الطوفان واندرست حرمتها، وإلا فهي محرمة من يوم خلق الله السماوات والأرض كما ثبت في الأحاديث.

ج 1 ص 508

(وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ) من قبل أنفسهم واصطلاحهم بل حرمها الله تعالى بوحيه فتحريمها ابتدائي من غير سبب يعزى لأحد فلا مدخل فيه لنبي ولا لغيره، وأما تحريم إبراهيم عليه السلام لها فكان تبليغًا لتحريمها عن الله تعالى كما تقدم آنفًا.

(فَلاَ يَحِلُّ لاِمْرِئٍ) بكسر الهمزة وما قبلها للإتباع على قول البصريين وهو معرب من مكانين عند الكوفيين (يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) صفة لامرئ.

قال الكرماني: وخصص من سائر ما يجب الإيمان به هذين الأمرين الإيمان بالله واليوم الآخر؛ أي: القيامة؛ لأن الأول إشارة إلى المبدأ، والثاني إلى المعاد والبواقي داخلة تحتها، وقد استدل به من يقول أن الكفار ليسوا مخاطبين بالفروع.

والجواب: أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك؛ لأن المؤمن هو الذي ينقاد للأحكام وينزجر عن المحرمات، ولذلك جعل الكلام فيه وليس فيه أن غير المؤمن ليس مخاطبًا بالفروع.

وقيل: إنما وصفه بالإيمان ليشعر بالعلية يعني من شأن المؤمن بالله، وجزائه أن لا يخالف أمر الله تعالى ولا يحل ما حرمه الله تعالى انتهى.

(أَنْ يَسْفِكَ) بكسر الفاء وقد تضم (بِهَا) أي: فيها وهي رواية المستملي والكشميهني (دَمًا) وسفك الدم صبه والمراد به هنا القتل (وَلاَ يَعْضِدَ) بفتح المثناة التحتية وسكون العين المهملة وكسر الضاد المعجمة وبالدال المهملة في آخره؛ أي: يقطع بالمعضد وهو آلة كالفأس.

(بِهَا) أي: فيها (شَجَرَةً) بالنصب مفعول به ليعضد المعطوف على يسفك فيصير التقدير: وأن لا يعضد.

قال العيني: فإن قلت: فعلى هذا يكون المعنى لا يحل أن لا يعضد، قلت: لا زيدت لتأكيد معنى النفي فمعناه لا يحل أن يعضد.

(فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ) هو من باب الاشتغال من قسم ما يجب فيه الرفع على حد: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ} [التوبة:6] وترخص؛ أي: أتى بالرخصة وهي الحكم الذي ثبت لعذر مع قيام المحرم لولا العذر.

وقال في (( المنحة ) ): وهي ما غير من الحكم تخفيفًا لعذر مع قيام الموجب الأول لولا العذر، والمعنى أن قال أحد: ترك القتال عزيمة والقتال رخصة تتعاطى عند الحاجة.

(لِقِتَالِ) أي: لأجل قتال (رَسُولِ اللَّهِ) صلى الله عليه وسلم (فِيهَا) مستدلًا بذلك (فَقُولُوا) له ليس الأمر كذلك (إِنَّ اللَّهَ) تعالى (قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ) صلى الله عليه وسلم خصوصية له (وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي) روي بصيغة المجهول والمعروف.

قال في (( الفتح ) ): وفي قوله (( لي ) )التفات؛ لأن نسق الكلام وإنما أذن له؛ أي: لرسوله.

وقال الكرماني وتبعه البرماوي والقاضي زكريا: ليس عدوله عن قوله (( له ) )التفاتًا؛ لأن السياق في (( لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )حكاية قول المترخص، وسياق هذا هو تضمنه جواب المترخص وقضية الالتفات تقتضي اتحاد السياق، ويجوز أن يكون التفاتًا إذا قدر فإن ترخص أحد لقتالي فوضع لفظ رسول الله موضعه انتهى.

(فِيهَا) أي: في مكة (سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) أي: في مقدار من الزمان، وليس المراد بها الساعة العرفية وكانت تلك الساعة من طلوع الشمس إلى العصر كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند أحمد، فكانت مكة في حقه صلى الله عليه وسلم في تلك الساعة بمنزلة الحل.

قال في (( الفتح ) ): والمأذون له فيه القتال لا قطع الشجر انتهى.

(ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ) أي: تحريمها المقابل للإباحة المفهومة من الإذن، والمراد باليوم يوم الفتح فاللام فيه للعهد، ويجوز أن تكون للعهد الحضوري؛ أي: الزمن الحاضر وهو يصدق باليوم الواحد والأكثر والأقل، ولعل نكتة التعبير بثم الإشارة إلى طول تلك الساعة وأنها ليست عرفية.

(كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ) أي: الذي قبل يوم الفتح (وَلْيُبَلِّغِ) بكسر اللام ويجوز تسكينها (الشَّاهِدُ) أي: الحاضر.

(الْغَائِبَ) المفعول الثاني محذوف؛ أي: العلم وهذا موضع المطابقة للترجمة فالتبليغ عن الرسول عليه الصلاة والسلام فرض كفاية، وقد احتج بقوله: (( فإن ترخص أحد لقتال رسول الله ) )من يقول: إن مكة فتحت عنوة.

قال العيني: وهو مذهب الأكثرين.

وقال القاضي عياض: هو مذهب مالك وأبي حنيفة والأوزاعي، لكن من رآها عنوة يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم مَنَّ على أهلها وسوغ لهم أموالهم ودورهم ولم يقسمها ولا جعلها فيأً.

قال أبو عبيد: ولا نعلم أن مكة يشبهها شيء من البلاد.

وقال الشافعي وغيره: فتحت صلحًا وتأولوا الحديث بأن القتال كان جائزًا له عليه السلام لو احتاج إليه، ويضعف هذا التأويل قوله في الحديث: (( فإن أحد ترخص لقتال رسول الله ) )فإنه يدل على وجود القتال، وقوله: (( من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ) )وكذلك غيره من الناس المعلق على أشياء مخصوصة.

وقال الماوردي: عندي أن أسفل مكة دخله خالد بن الوليد عنوة، وأعلاها دخله الزبير بن العوام صلحًا ودخلها الشارع من جهته فصار

ج 1 ص 509

حكم جهته الأغلب انتهى.

وقد استدل أبو حنيفة بقوله صلى الله عليه وسلم: (( لا يحل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا ) )على أن الملتجئ إلى الحرم لا يقتل؛ لأنه عام يدخل فيه هذه الصورة.

وحكى ابن بطال اختلاف العلماء في من أصاب حدًا من قتل أو زنا أو سرقة، فقال ابن عباس وعطاء والشعبي: إن أصابه في الحرم أقيم عليه الحد، وإن أصابه في غير الحرم لا يجالس ولا يؤتى حتى يخرج فيقام عليه؛ لأن الله تعالى جعله آمنًا دون غيره فقال: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران:97] .

وقال آخرون: إذا أصابه في غير الحرم ثم لجأ إليه يخرج ويقام عليه الحد وهو مذهب ابن الزبير والحسن ومجاهد.

وقال آخرون: لا يمنع من إقامة الحد فيه والملتجئ إليه يقام عليه الحد الذي وجب عليه قبل أن يلجأ إليه وهو مذهب عمرو بن سعيد كما ذكر في الحديث.

وحكى القرطبي أن ابن الجوزي حكى الإجماع في من جنى في الحرم أنه يقاد منه وفي من جنى خارجه ثم لجأ إليه عن أبي حنيفة وأحمد أنه لا يقام عليه.

قال العيني: قلت: مذهب مالك والشافعي يقام فيه، ونقل ابن حزم عن جماعة من الصحابة المنع ثم قال: ولا مخالف لهم من الصحابة، ثم نقل عن جماعة من التابعين موافقتهم ثم شنع على مالك والشافعي فقال: قد خالفا في ذلك هؤلاء الصحابة والكتاب والسنة، واحتج بعضهم لمذهبهما بقصة ابن خطل.

وأجيب عنها بأوجه:

أحدها: أنه ارتد وقتل مسلمًا وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم.

الثاني: أنه لم يدخل في الأمان فإنه استثناه وأمر بقتله، وإن وجد متعلقًا بأستار الكعبة.

الثالث: أنه كان ممن قاتل انتهى.

(فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ) المتقدم ذكره (مَا قَالَ عَمْرٌو) أي: ابن أبي سعيد المذكور في جوابك حين ذكرت له الحديث، فقال أبو شريح: (قَالَ) أي: عمرو.

(أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ) أي: بمعنى الحديث الذي رويته، والجملة معترضة بين القول ومقوله وهو.

(أن مكة لاَ تعِيذُ) بضم المثناة الفوقية وبالذال المعجمة؛ أي: لا تعصم (عَاصِيًا) من إقامة الحد عليه، وفي نسخة: (( لا يعيذ ) )بالتحتية، وفي رواية: وضمير تعيذ في الأولى لمكة، وفي الثانية لها بتأويلها بالحرم، وفي الثالثة للحرم.

(وَلاَ فَارًّا) بالفاء والراء المشددة (بِدَمٍ) أي: أن مكة لا تعيذ قاتلًا متلبسًا بإراقة دم معصوم هربًا من إقامة الحد عليه والاقتصاص منه (وَلاَ فَارًّا بِخَرْبَةٍ) أي: بسببها وهي بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء وبموحدة وهي السرقة وأصلها سرقة الإبل، وفي رواية الأصيلي والمستملي: ، يعني السرقة فزاد فيها التفسير، وفي رواية الأصيلي كما قال القاضي عياض: (( بخُربة ) )بضم الخاء.

قال ابن بطال: الخربة بالضم الفساد، وبالفتح السرقة انتهى.

وفي (( المصابيح ) ): الخربة بتثليث الخاء المعجمة وإسكان الراء على المشهور السرقة وأصلها سرقة الإبل وتطلق على كل خيانة انتهى.

قال في (( الفتح ) ): وقد تشدق عمرو في الجواب، وأتى بكلام ظاهره حق، لكن أراد به الباطل فإن الصحابي أنكر عليه نصب الحرب على مكة فأجابه بأنها لا تمنع من إقامة القصاص وهو صحيح إلا أن ابن الزبير لم يرتكب أمرًا يجب عليه فيه شيء من ذلك انتهى.

وقال في (( المنحة ) ): بل هو أولى بالخلافة من يزيد ومن عبد الملك؛ لأنه بويع قبله وهو صحابي، وقد حاد عمرو عن الجواب، وذكر ما ذكره صاحب (( الفتح ) )لكن حاول الطيبي جعل جوابه مطابقًا فقال: لما سمع عمرو ذلك رده بقوله: أنا أعلم، يعني صح سماعك وحفظك، لكن ما فهمت المعنى المراد من المقاتلة فإن ذلك الترخص كان بسبب الفتح عنوة وليس بسبب قتل من استحقه خارج الحرم والذي أنا بصدده من القبيل الثاني لا من الأول، فكيف تنكر علي فهو من القول بالموجب يعني الجواب مطابق وليس مجاوبة عن غير سؤاله.

قال العيني: قلت: كونه جوابًا مبني على اعتقاد عمرو في ابن الزبير انتهى.

وقد شنع عليه ابن حزم في ذلك في (( المحلى ) )في كتاب الجنايات فقال: لا كرامة للطيم الشيطان الشرطي الفاسق يريد أن يكون أعلم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الفاسق هو العاصي لله ولرسوله ومن ولاه أو قلده وما حامل الخربة في الدنيا والآخرة إلا هو ومن أمره وصوب قوله وفعله انتهى.

وقال القرطبي: قول عمرو ليس بصحيح لرد الذي تمسك به أبو شريح، وحاصل كلام عمرو أنه تأويل غير معضود بدليل انتهى.

قال ابن بطال: اختلف العلماء في الصحابي إذا روى الحديث هل يكون أولى بتأويله ممن يأتي بعده أم لا؟.

فقال طائفة: تأويل الصحابي أولى؛ لأنه الراوي للحديث وهو أعلم بمخرجه وسببه.

وقال آخرون: لا يلزم تأويله إذا لم يصب التأويل.

وقال إمام الحرمين: مذهب الشافعي اتباع

ج 1 ص 510

روايته لا عمله، ومذهب أبي حنيفة اتباع عمله لا روايته، فإذا كان الحديث عامًا فهل يخص بعمل راويه، وكذا إذا كان لفظ الحديث مجملًا فصرفه الراوي إلى أحد محتملاته هل يصار إلى مذهبه؟.

ففي ذلك خلاف، كذا في العيني وتمامه مع ما ذكر ما يتفرع عليه فيه فليراجع لمزيد الاطلاع.

وفي الحديث التحريض على نقل العلم، وإشاعة السنن والأحكام.

وفيه: شرف مكة وتحريمها.

وفيه: تقديم الحمد والثناء على الله تعالى أمام المقصود.

وفيه: إثبات خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، واستواء المسلمين معه في الأحكام إلا ما ثبتت فيه الخصوصية.

وفيه: جواز النسخ إذ نسخ صلى الله عليه وسلم الإباحة بالحرمة.

وفيه: جواز المجادلة لإظهار الحق.

وفيه: مخالفة التابعي للصحابي في الاجتهاد.

وفيه: فضل أبي شريح.

وفيه: وجوب الإنكار من العالم على الأمير إذا رأى أنه غير شيئًا من الدين وإن لم يسأل عنه.

وفيه: النصيحة لولاة الأمور وعدم الغش لهم والتلطف في نصيحتهم.

وفيه: أن العقل محله القلب لا الدماغ وهو قول الجمهور؛ لأنه لو كان محله الدماغ لقال ووعاه رأسي، وفي المسألة قول ثالث أنه مشترك بينهما، ورواة هذا الحديث ما بين بصري ومدني.

وفيه: التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة.

وأخرجه المؤلف في الحج والمغازي، ومسلم في الحج، والترمذي فيه وفي الديات، والنسائي في الحج والعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت