105 -وبه قال:
(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ) أبو محمد الحجبي بفتحتين وبالموحدة البصري الثقة الثبت المتوفى سنة ثمان وعشرين ومائتين (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) أي: ابن زيد البصري (عَنْ أَيُّوبَ) السختياني (عَنْ مُحَمَّدٍ) ابن سيرين (عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ) عبد الرحمن (عَنْ) أبيه (أَبِي بَكْرَةَ) واسمه نفيع.
قال في (( الفتح ) ): كذا للمستملي والكشميهني، وسقط (( ابن أبي بكرة ) )للباقين فصار منقطعًا؛ لأن محمدًا لم يسمع من أبي بكرة، وفي رواية: ، وهي خطأ وكأن عن سقطت منها انتهى.
(ذُكِرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) بالبناء للمفعول، وفي نسخة: بالبناء للفاعل، فالنبي مرفوع على الأولى منصوب على الثانية.
(قَال) وللأصيلي: أي: ذكر أبو بكرة النبي عليه السلام وليس هذا من الذكر الذي يكون بعد النسيان، وللأصيلي والمعنى ذكر أبو بكرة النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: قال النبي.
وفي (( منحة الباري ) ): وهو بدل اشتمال من النبي بتأويله بالمصدر انتهى.
أي: ذكر النبي قوله:
(فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ) قال العيني: الفاء في فإن عاطفة والمعطوف عليه محذوف؛ لأن هذا الحديث مخروم؛ لأنه بعض حديث طويل، وقد سبق بعضه في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( رب مبلغ أوعى من سامع ) )حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أي يوم هذا؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس هذا يوم النحر؟ فقلنا: بلى، قال: فأي شهر هذا؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس بذي الحجة؟ قلنا: بلى، قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا ... إلخ) ، وقد خرم الحديث هنا اقتصارًا على المقصود وهو بيان التبليغ انتهى.
(وَأَمْوَالَكُمْ) أي: أن يأخذ بعضكم أموال بعض بغير حق (قَالَ مُحَمَّدٌ) هو ابن سيرين (وَأَحْسِبُهُ) أي: أظن أن ابن أبي بكرة (قَالَ وَأَعْرَاضَكُمْ) بالنصب عطفًا على سابقه.
قال في (( الفتح ) ): كأن ابن سيرين شك في قوله: (( وأعراضكم ) )أقالها ابن أبي بكرة أم لا؟.
وقد تقدم في أوائل كتاب العلم الجزم بها، والظن هنا لا ينافي الجزم هناك لإمكان حمله على أنه كان عند روايته لأيوب ظانًا في تلك اللفظة وبعدها تذكر فحصل له الجزم بها فرواها لأبي عون جازمًا، وأما بالعكس لطرو تردد له.
(عَلَيْكُمْ حَرَامٌ) أي: فإن سفك دمائكم، وانتهاك أموالكم، وأعراضكم عليكم حرام بمعنى أن مال بعضكم حرام على بعض بغير حق لا أن مال الشخص عليه حرام، والدليل على ذلك العقل فإنه مبين للمقصود، وهو أن أموال كل أحد حرام على غيره وذلك عند فقدان شيء من أسباب الحل، ويؤيده الرواية الأخرى وهي (( بينكم ) )بدل (( عليكم ) ).
(كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا) وهو يوم النحر (فِي شَهْرِكُمْ هَذَا) وهو ذو الحجة (أَلاَ) بالتخفيف (لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ) أي: الحاضر (مِنْكُمُ الْغَائِبَ) المراد به من لم يسمع، وإن كان في ذلك الموقف (وَكَانَ مُحَمَّدٌ) يعني ابن سيرين.
(يَقُولُ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ ذَلِكَ) يعني إخباره عليه الصلاة والسلام بأنه سيقع التبليغ فيما بعد فيكون الأمر في قوله: (( ليبلغ ) )بمعنى الخبر؛ لأن التصديق إنما يكون للخبر
ج 1 ص 511
لا للأمر، أو يكون إشارة إلى تتمة الحديث وهو أن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى منه، يعني وقع تبليغ الشاهد أو إشارة إلى ما بعد وهو التبليغ الذي في ضمن: (( ألا هل بلغت ) )يعني وقع تبليغ الرسول إلى الأمة، قاله الكرماني وغيره.
وهذه الجملة أعني (( وكان محمد ... إلخ ) )معترضة بين (( ألا ليبلغ ) )وبين (( ألا هل بلغت ) )فإن (( ألا هل بلغت ) )من كلامه عليه الصلاة والسلام أيضًا.
(أَلاَ) بتخفيف اللام أيضًا (هَلْ بَلَّغْتُ مَرَّتَيْنِ) متعلق بقال مقدرًا؛ أي: قال صلى الله عليه وسلم مرتين: (( ألا هل بلغت ) )ولا يصح أن يجعل متعلقًا بقال المذكور في أول الحديث؛ لأنه يلزم أن يكون قال: مجموع هذا الكلام مرتين ولم يثبت.
قال ابن بطال: لما أخذ الله تعالى على أنبيائه الميثاق في تبليغ دينه لأممهم، وجعل العلماء ورثة الأنبياء وجب عليهم أيضًا التبليغ والنشر حتى يظهر دينهم على جميع الأديان، وكان في عصره فرض عين، وأما اليوم فهو فرض كفاية لانتشار الدين وعمومه انتهى.
وفي الحديث بيان حرمة القتل، وحرمة الغصب، وحرمة الغيبة، وتكرار الكلام للتأكيد والتقرير وتقدم كثير من فوائده في أول كتاب العلم.