فهرس الكتاب

الصفحة 195 من 1465

106 -وبالسند إلى المؤلف قال:

(حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العين المهملة آخره دال مهملة الجوهري البغدادي (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) ابن الحجاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَنْصُورٌ) هو ابن المعتمر.

(قَالَ: سَمِعْتُ رِبْعِيَّ) بكسر الراء وسكون الموحدة وكسر العين المهملة وتشديد المثناة التحتية (بْنَ حِرَاشٍ) بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء وبالشين المعجمة الغطفاني العبسي أبو مريم العابد الورع الذي قيل فيه إنه لم يكذب قط، وكان له ابنان عاصيان على الحجاج فقيل للحجاج: إن أباهما لم يكذب كذبة قط لو أرسلت إليه فسألته عنهما، فأرسل إليه فقال: هما في البيت، فقال: قد عفونا عنهما لصدقك، وحلف أنه لا يضحك حتى يعلم أين مصيره إلى الجنة أم إلى النار، فما ضحك إلا بعد موته، وله أخوان مسعود وهو الذي تكلم بعد موته، وربيع وهو أيضًا حلف أن لا يضحك حتى يعرف منزله أفي الجنة أم لا، فقال غاسله: إنه لم يزل متبسمًا على سريره حتى فرغنا، مات سنة مائة، وقيل: وأربع.

(يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا) أي: ابن أبي طالب أمير المؤمنين، وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه على ابنته فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنها، واسم أبي طالب عبد مناف على المشهور، وأم علي فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، وهي أول هاشمية ولدت هاشميًا في الإسلام، أسلمت وهاجرت إلى المدينة، وتوفيت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلى عليها ونزل في قبرها، وكنية علي أبو الحسن، وكناه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا تراب، وهو أخوه بالمؤاخاة وقال له: (( أنت أخي في الدنيا والآخرة ) ).

وهو أبو السبطين، وأول هاشمي ولد بين هاشميين، وأول خليفة من بني هاشم، وأحد العشرة المبشرة بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، وأحد الخلفاء الراشدين، وأحد العلماء الربانيين، ويكفيه حديث: (( أنا مدينة العلم ) )، وفي رواية: (( دار الحكمة وعلي بابها ) )فهو حديث حسن وإن قال الترمذي: منكر.

وهو أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد الشجعان المشهورين والزهاد المذكورين، وقد شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم المشاهد كلها إلا تبوك، فإنه استخلفه فيها على المدينة، وأصابه يوم أحد ست عشرة ضربة، وأعطاه الراية يوم خيبر، وأخبر أن فتحها يكون على يده، ومناقبه جمة وأحواله في الشجاعة مشهورة، وكان من العلوم بالمحل الأعلى، روي له عن النبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة حديث وستة وثمانون حديثًا، اتفقا منها على عشرين وانفرد البخاري بتسعة ومسلم بخمسة عشر، ولي الخلافة خمس سنين، وقيل: إلا شهرًا، بويع له بعد عثمان رضي الله عنه لكونه أفضل الصحابة يومئذ، مات بالكوفة شهيدًا ليلة الأحد تاسع عشر رمضان سنة أربعين عن ثلاث وستين سنة ودفن

ج 1 ص 512

بالكوفة، لكن أخفي قبره خوفًا من الخوارج، وسبقت له السعادة بالشهادة على يد أشقى الآخرين عبد الرحمن بن ملجم المرادي الخارجي ضربه بسيف مسموم في ليلة الجمعة سابع عشر رمضان، وكان أدم اللون، أصلع، ربعة، أبيض الرأس واللحية، وربما خضب لحيته وكانت كثة طويلة، وكان حسن الوجه ضحوك السن، وقد أفردت ترجمته بالتأليف.

(يَقُولُ) أي: حال كونه يقول (: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لاَ تَكْذِبُوا عَلَيَّ) بفتح المثناة الفوقية وإسكان الكاف وكسر الذال بصيغة الجمع، وهو عام في كل كاذب مطلق في كل نوع من الكذب، ومعناه لا تنسبوا الكلام إلي كذبًا.

قال في (( الفتح ) ): ولا مفهوم لقوله: (( علي ) )لأنه لا يتصور أن يكذب له لنهيه عن مطلق الكذب انتهى.

وقال صاحب (( المنحة ) ): معنى قوله: (( علي ) )نسبة الكلام إليه كذبًا سواء كان عليه أم له.

قال في (( الفتح ) ): وقد اغتر قوم من الجهلة فوضعوا أحاديث في الترغيب والترهيب وقالوا: لا نكذب عليه، بل فعلنا ذلك لتأييد الشريعة، وما دروا أن تقويله عليه الصلاة والسلام ما لم يقل يقتضي الكذب على الله تعالى؛ لأنه إثبات حكم من الأحكام الشرعية سواء أكان في الإيجاب أو في الندب، وكذا مقابلهما وهو الحرام والمكروه، ولا يعتد بمن خالف ذلك من الكرامية حيث جوزوا وضع الترغيب والترهيب في تثبيت ما ورد في القرآن والسنة، واحتجوا بأنه كذب له لا عليه، وهو جهل باللغة العربية، وتمسك بعضهم بما ورد في بعض طرق الحديث من زيادة لم تثبت، وهي ما أخرجه البزار من حديث ابن مسعود بلفظ: (( من كذب علي ليضل به الناس ) )الحديث.

وقد اختلف في وصله وإرساله، ورجح الدارقطني والحاكم إرساله، وأخرجه الدارمي من حديث يعلى بن مرة بسند ضعيف، وعلى تقدير ثبوته فليست اللام فيه للعلة بل للصيرورة كما فسر قوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام:144] والمعنى أن مآل أمره إلى الضلال، أو هو من تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر فلا مفهوم له، كقوله تعالى: {لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً} [آل عمران:130] {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ} [الأنعام:151] فإن قتل الأولاد من إملاق، ومضاعفة الربا، والإضلال في هذه الآيات إنما هو لتأكيد الأمر فيها لا لاختصاص الحكم، وهذه المسألة مبسوطة في علم الحديث وفيما كتبت عليه من النكت انتهى.

(فَإِنَّهُ) أي: الشأن والأمر (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجِ النَّارَ) أي: فليدخلها، فإن قيل: الشرط سبب للجزاء فكيف يتصور سببية الكذب للأمر بالولوج وإنما هو سبب للولوج؟.

أجيب: بأنه سبب للازم الأمر بالولوج وهو الإلزام به أو هو أمر ومعناه الخبر، ويؤيده خبر مسلم (( من يكذب علي يلج النار ) )والمراد كما قال النووي أن هذا جزاؤه، وقد يجازى به وقد يعفو الله عنه، ولا يقطع له بدخول النار كسائر أصحاب الكبائر غير الكفر، ثم إن جوزي وأدخل النار فلا يخلد فيها، بل لا بد من خروجه منها بفضل الله ورحمته انتهى.

هكذا نقله الشراح عن النووي ساكتين عليه، وأقول: في قوله ولا يقطع له بدخول النار نظر؛ لأنه يلزم عليه التخلف في خبره صلى الله عليه وسلم، أما على رواية مسلم: (( من يكذب علي يلج النار ) )ورواية ابن ماجه: (( الكذب علي يولج النار ) )فلزومه ظاهر، وأما على رواية البخاري: (( فليلج النار ) )فلفظ الأمر فيها بمعنى الخبر جمعًا بين الروايات فليحرر، والكذب على الله تعالى داخل تحت الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن المراد من الكذب عليه الكذب في أحكام الدين.

وفي الكرماني: فإن قلت: الكذب من حيث هو معصية فكل كاذب عاص، وكل عاص يلج النار لقوله تعالى: {وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} [الجن:23] فما فائدة لفظة (( علي ) )فإن الحكم عام في كل من كذب على أحد؟.

قلت: لا شك أن الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم أشد من الكذب على غيره لكونه مقتضيًا شرعًا عامًا باقيًا إلى يوم القيامة فخصص بالذكر لذلك، أو الكذب عليه كبيرة وعلى غيره صغيرة والصغائر مكفرة عند الاجتناب عن الكبائر أو المراد من قوله تعالى: {وَمَن يَعْصِ اللهَ} [الجن:23] الكبيرة انتهى.

وقيل: هو دعاء عليه بولوج النار ثم خرج مخرج الذم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت