فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 1465

107 -وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطيالسي (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ابن الحجاج (عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ) المحاربي الكوفي الثقة المتوفى سنة ثمان عشرة ومائة.

(عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) ابن العوام الأسدي القرشي أبي الحارث المدني أخي عبادة وحمزة وثابت وخبيب

ج 1 ص 513

وموسى وعمر، وكان عابدًا فاضلًا ثقة، اشترى نفسه من الله ست مرات، وتوفي سنة أربع وعشرين ومائة.

(عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن الزبير وهو أبو بكر، ويقال: أبو خبيب بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة الأولى وسكون التحتية بينهما الصحابي بن الصحابي، أمير المؤمنين، وهو أول مولود ولد في الإسلام للمهاجرين بالمدينة، ولدته أمه أسماء بنت الصديق بقباء، وأتت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فوضعه في حجره ودعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه وحنكه، فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعا له، وكان أطلس لا لحية له، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون حديثًا، ذكر البخاري منها ستة، وهو أحد العبادلة الأربعة، والثاني ابن عمر، والثالث ابن عباس، والرابع ابن عمرو بن العاص، وليس ابن مسعود منهم، وغلط صاحب (( الصحاح ) )في عده منهم؛ لأن ابن مسعود مات قبل إطلاق العبادلة، وهو من الطبقة الأولى، وقد نظمهم القاضي شرف الدين بن محمد الأرميني بقوله:

~إن العبادلة الأحبار أربعة مناهج العلم كالأعلام في الناس

~ابن الزبير ونجل العاص وابن أبي حفص الخليفة والحبر ابن عباس

~وقد يضاف ابن مسعود لهم بدلًا عن ابن عمرو لوهم أو لإلباس

وكان عبد الله بن الزبير صوامًا قوامًا وصولًا للرحم عظيم المجاهدة، قسم الدهر ثلاث ليال، ليلة يصلي قائمًا، وليلة راكعًا، وليلة ساجدًا حتى الصباح، وغزا إفريقية فأتاه ملكهم في مائة ألف وعشرين ألفًا، والمسلمون عشرون ألفًا، فنظر ابن الزبير ملكهم قد خرج من عسكره، فأخذ جماعة وقصده فقتله، وكان الفتح على يده، ولما مات يزيد بن معاوية استتب له الأمر، وبويع له بالخلافة سنة أربع وستين، واجتمع على طاعته أهل الحجاز واليمن والعراق وخراسان ما عدا الشام، وجدد عمارة الكعبة على قواعد إبراهيم عليه السلام وجعل لها بابين، وحج بالناس ثماني حجج، و [أ] بلى في الخلافة إلى أن حصره الحجاج بمكة أول ليلة من ذي الحجة سنة ثنتين وسبعين، وحج الحجاج بالناس ولم يزل يحاصره إلى أن أصابه رمية حجر فمات، وصلبت جثته وحمل رأسه إلى خراسان رضي الله عنه وأرضاه.

(قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ) بضم الزاي ابن العوام بفتح العين المهملة وتشديد الواو حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم القرشي، أحد العشرة المبشرة بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وأحد من هاجر الهجرتين، وأمه صفية بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم أسلمت، وأسلم هو رابع أربعة أو خامس خمسة على يد الصديق رضي الله عنه وهو ابن ست عشرة سنة، فعذبه عمه بالدخان ليرجع عن الإسلام، فلم يرجع وهاجر إلى الحبشة، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية وثلاثون حديثًا، ذكر البخاري منها تسعة، وهو أول من سل السيف في سبيل الله، وثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وشهد وقعة اليرموك وأبلى فيها بلاء حسنًا، وكان أسمر، وقيل: أبيض، ربعة معتدل اللحم خفيف العارضين طويلًا تخط رجلاه بالأرض إذا ركب الدابة، استشهد يوم الجمل في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين، وكان ترك القتال في ذلك اليوم وانصرف عنه، فأدركه عمرو بن جرموز بوادي السباع بناحية البصرة فاغتاله بغيًا وظلمًا، ودفن به ثم نقل إلى البصرة، وقبره بها مشهور رضي الله عنه.

(إِنِّي لاَ أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَمَا يُحَدِّثُ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ) أي: كتحديثهما في الكثرة، فالنفي منصب على القيد، وسمى منهما في رواية ابن ماجه عبد الله بن مسعود، وحذف مفعول تحدث ويحدث لقصد العموم؛ أي: تحدث الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث كما يحدث فلان وفلان.

(قَالَ) أي: الزبير (أَمَا) بفتح الهمزة وتخفيف الميم حرف استفتاح فلذا كسرت أن بعدها في قوله: (إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ) صلى الله عليه وسلم، زاد الإسماعيلي والمراد بعدم المفارقة الملازمة العرفية في أكثر الأحوال وإلا فقد هاجر إلى الحبشة، ولم يكن مع النبي صلى الله عليه وسلم في حال هجرته إلى المدينة، أو المراد عدم المفارقة بعد ظهور شوكة الإسلام، وذلك بعد الهجرة إلى المدينة، وهذا الكلام اعتراف منه بورود السؤال؛ لأن عدم المفارقة من لازمها بحسب العادة السماع، ومن لازم السماع عادة التحديث، ولكن منعه عن ذلك ما اعتذر به من خشية الكذب بقوله:

(وَلَكِنْ)

ج 1 ص 514

وللأصيلي وابن عساكر وأبي ذر والحموي: بياء المتكلم ونون الوقاية المدغم فيها نون لكن، وفي رواية مما ليس في اليونينية: بإلحاق نون الوقاية للكن المشددة النون وحذفها أيضًا كثير فصيح.

قال في (( الفتح ) ): وقد أخرجه الزبير بن بكار في كتاب النسب من وجه آخر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير قال: (( عناني ذلك ) )يعني قلة رواية الزبير (( فسألته ) )أي: عن ذلك فقال: (( يا بني كانت بيني وبينه من القرابة والرحم ما علمت وعمته أمي وزوجته خديجة عمتي، وأمه آمنة بنت وهب، وجدتي هالة بنت أهيب ابني عبد مناف بن زهرة وعندي أمك وأختها عائشة عنده ولكني ) )

(سَمِعْتُهُ يَقُولُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ) كذا رواه البخاري وليس فيه (( متعمدًا ) )وهي مرادة كما سيأتي في حديث آخر الباب.

قال في (( الفتح ) ): وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق غندر عن شعبة، وكذا في رواية ابن بكار المذكورة، وأخرجه ابن ماجه من طريقه وزاد فيه: (( متعمدًا ) )، وكذا للإسماعيلي من طريق معاذ عن شعبة والاختلاف فيه على شعبة، وقد أخرجه الدارمي من طريق أخرى عن عبد الله بن الزبير بلفظ: (( من حدث عني كذبًا ) )ولم يذكر العمد.

(فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) بكسر لام يتبوأ على الأصل، ويجوز تسكينها تخفيفًا وهو أشهر من الكسر، والتبوء اتخاذ المباءة؛ أي: المنزل يقال: تبوأ الرجل المكان إذا اتخذه سكنًا.

قال في (( الفتح ) ): وهو أمر بمعنى الخبر أيضًا، أو بمعنى التهديد، أو بمعنى التهكم، أو دعاء على فاعل ذلك؛ أي: بوأه الله ذلك.

قال الكرماني: يحتمل أن يكون الأمر على حقيقته، والمعنى: من كذب فليأمر نفسه بالتبوء أو يلزم عليه كذا، قال: وأولاها أولاها فقد رواه أحمد بإسناد صحيح عن ابن عمر بلفظ: (( يبنى له بيت في النار ) ).

قال الطيبي: فيه إشارة إلى معنى القصد في الذنب وجزائه؛ أي: كما أنه قصد في الكذب التعمد فليقصد في جزائه التبوأ انتهى. ومن في (( من النار ) )بيانية أو ابتدائية أو بمعنى في.

قال في (( الفتح ) ): وفي تمسك الزبير بهذا الحديث على ما ذهب إليه من اختيار قلة التحديث دليل للأصح في أن الكذب هو الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه سواء كان عمدًا أم خطأً، والمخطئ وإن كان غير مؤثم بالإجماع، لكن الزبير خشي من الإكثار أن يقع في الخطأ، وهو لا يشعر لأنه وإن لم يأثم بالخطأ لكن قد يأثم بالإكثار، إذ الإكثار مظنة الخطأ، والثقة إذا حدث بالخطأ يحمل عنه وهو لا يشعر أنه خطأ، ويعمل به على الدوام للوثوق بنقله، فلا يؤمن عليه الإثم إذا تعمد الإكثار، فمن ثم توقف الزبير وغيره من الصحابة عن الإكثار من التحديث، وأما من أكثر منهم فمحمول على أنهم كانوا واثقين من أنفسهم بالتثبت وطالت أعمارهم، فاحتيج إلى ما عندهم فسئلوا فلم يمكنهم الكتمان رضي الله عنهم انتهى.

وقال الخطابي: قد يخف الزبير على نفسه أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمدًا ولكن خاف أن يزل ويغلط انتهى.

وقال في (( المنحة ) ): وفي الحديث أنه لا يجوز التحديث عنه صلى الله عليه وسلم بالشك وغالب الظن حتى يتيقن سماعه انتهى.

وقال النووي: الحديث يشتمل على فوائد: منها تقريره لقاعدة لأهل السنة أن الكذب الإخبار بخلاف الواقع سواء كان عن عمد أو غيره، ومنها تعظيم حرمة الكذب عليه صلى الله عليه وسلم، وأنه فاحشة عظيمة، لكنه لا يكفر بهذا الكذب إلا إن استحله هذا هو المشهور، وحكى إمام الحرمين عن والده أنه يكفر ويراق دمه.

قال في (( المصابيح ) ): وغلطه في ذلك الناس حتى ولده إمام الحرمين، وانتصر له ابن المنير بأن خصوصية الوعيد توجب ذلك إذ لو كان بمطلق النار لكان كل كاذب كذلك عليه أو على غيره، فإنما الوعيد بالخلود ولهذا قال: (( فليتبوأ ) )أي: ليتخذها مباءة ومسكنًا وذلك هو الخلود.

قلت: لا نسلم دلالة (( التبوء ) )على الخلود، ولو سلم فلا نسلم أن الوعيد بالخلود مقتض للكفر بدليل متعمد القتل الحرام، قال: وأيضًا فإن الكاذب عليه في تحليل حرام مثلًا قد استحل ذلك الحرام على استحلاله على قطع منه واستحلال الحرام مطلقًا كفر.

قلت: لا نسلم أن الكذب عليه ملازم لاستحلاله ولا لاستحلال متعلقه، فقد يكذب عليه في تحليل حرام مثلًا مع قطعه بأن الكذب عليه حرام، وأن ذلك الحرام ليس بمستحل، كما يقدم العصاة من المؤمنين على ارتكابهم الكبائر مع اعتقادهم لحرمتها انتهى.

وأقول: يمكن أن يحمل كلام والد إمام الحرمين على ما إذا اقترن بذلك الكذب استخفاف بمنصب النبوة فإنه من لازم الكذب عادة الاستخفاف بالمكذوب عليه، فإن الناس يتحاشون عن الكذب على العظماء عندهم

ج 1 ص 515

كالسلاطين والأمراء، أو على ما إذا كان الكذب في الأحكام كالحلال والحرام، فإنه يلزم منه تبديل الشريعة، وتبديل الشريعة عمدًا كفر فليتدبر.

ثم رأيت في بعض الهوامش أن الحصني الشافعي في شرحه على الغاية لأبي شجاع في كتاب النكاح قال: إن العلماء إذا سكتوا عن شيء يظن العوام من سكوتهم عنه أنه جائز، فهو كفر؛ لأنه تبديل للشريعة انتهى. ثم إن القائلين بعدم تكفير الكاذب عمدًا اختلفوا في حكمه.

قال ابن الملقن: من كذب في حديث واحد عمدًا فسق وردت شهادته ورواياته وإن تاب، وبه قال أحمد بن حنبل وغيره، وهو نظير ما قاله مالك في شاهد الزور إذا تاب لا تقبل شهادته، وما قاله الشافعي وأبو حنيفة فيمن ردت شهادته بالفسق أو العداوة ثم تاب وحسنت حاله لا يقبل منه إعادتها لما يلحقه من التهمة في تصديق نفسه، وما قاله أبو حنيفة من أن قاذف المحصن إذا تاب لا تقبل شهادته أبدًا، وبما قاله أيضًا من أنه إذا ردت شهادة أحد الزوجين للآخر ثم بانت لا تسمع للتهمة، ولأنها مفسدة عظيمة؛ لأنه يصير شرعًا مستمرًا إلى يوم القيامة، فجعل ذلك تغليظًا وزجرًا عن الكذب عليه بخلاف غيره.

قال عبد الله بن المبارك من عقوبة الكذاب: أنه يرد عليه صدقه، وخالف في ذلك النووي فقال: المختار القطع بصحة توبته من ذلك، وقبول روايته بعد صحة التوبة بشروطها، وقد أجمعوا على قبول رواية من كان كافرًا ثم أسلم، وأجمعوا على قبول شهادته ولا فرق بين الرواية والشهادة انتهى.

وأقول لمن أسقط رواية الكاذب بعد التوبة: أن يفرق بينها وبين شهادة الكافر إذا أسلم، لما في رواية الكاذب الذي تاب من التهمة بغلبة اعتياده الكذب فربما سرى إليه الكذب بمقتضى عادته بخلاف شهادة الكافر إذا أسلم، وأيضًا فللقائل سقوط روايته أن يقول: إن سقوطها من تمام توبته كما جعل أبو حنيفة سقوط شهادة قاذف المحصن من تمام حده، وأيضًا ففيه فائدة أخرى في ردع غيره وزجره عن ارتكاب مثل ما ارتكب فليتأمل.

ثم إنه لا فرق في تحريم الكذب عليه صلى الله عليه وسلم بين ما كان في الأحكام وغيرها كالترغيب والترهيب، فكله حرام من أكبر الكبائر بإجماع من يعتد به، خلافًا للكرامية حيث جوزوا وضع الحديث فيما لا حكم فيه كما تقدم، ويدخل في هذا الوعيد كما قال ابن الملقن: من روى حديثًا علم أو ظن أنه موضوع إذا لم يبين حال رواته وضعفهم، ويدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: (( من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ) ).

وإذا كان الحديث ضعيفًا فلا يرويه بصيغة الجزم كقال بل بنحو روي، وقيل: بخلاف الصحيح أو الحسن، فإنه لا ينبغي أن يعبر فيه إلا بصيغة الجزم، فإن عكس وبين حال الحديث جاز، كما بين في محله من كتب أصول الحديث.

قال: وذهب قوم إلى أن هذا الحديث ورد في رجل بعينه كذب على النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وادعى لقوم أنه رسوله إليهم، فحكم في دمائهم وأموالهم فأمر عليه السلام بقتله إن كان حيًا، وبإحراقه إن وجد ميتًا، والصواب عمومه في كل خبر تعمد به الكذب عليه في الدين والدنيا، ولا يخص بالدين، ولهذا قال عليه السلام: (( إن كذبًا علي ليس ككذب على أحدكم ) ).

ومما يؤيد عمومه استدلال عمر والزبير بهذا الوعيد في توقفهم عن التحديث، ولو كان في رجل بعينه أو مقصورًا على سبب لما حذروا، وهذا الحديث من أشهر ما قيل أنه متواتر.

وحكى الإمام أبو بكر الصيرفي في شرحه لرسالة الشافعي: أنه روي عن أكثر من ستين صحابيًا مرفوعًا، وقال بعض الحفاظ: أنه روي عن اثنين وستين صحابيًا، وفيهم العشرة المبشرة، قال: ولا يعرف حديث اجتمع على روايته العشرة إلا هذا، واعترض بأنه قد اجتمع ذلك في حديث رفع اليدين والمسح على الخفين، ولا حديث يروى عن أكثر من ستين صحابيًا إلا هذا، وأورد عليه حديث السواك فإنه روي عن أكثر من ستين صحابيًا.

وقال ابن الصلاح: هو حديث بلغ عدد التواتر رواه الجم الكثير من الصحابة، قيل: إنهم يبلغون ثمانين نفسًا ولم يزل في اشتهار وكثرة طرق في هذه الأزمان.

قال ابن الملقن: وبلغ بهم الطبراني وابن منده سبعة وثمانين منهم العشرة، ويجتمع من كلام ابن منده في (( مستخرجه ) )وكلام ابن خليل نحو المائة.

وقال بعضهم: رواه مائتان من الصحابة.

وقال ابن دحية في كلامه على رجب بعد أن قال: روي عن نحو تسعين صحابيًا قد أخرج من نحو أربعمائة طريق انتهى.

قال في (( الفتح ) )بعد كلام طويل: ونازع بعض مشايخنا في ذلك قال: لإن شرط المتواتر استواء طرفيه وما بينهما في الكثرة، وليست موجودة في كل طريق منها بمفردها.

وأجيب: بأن المراد بإطلاق كونه متواترًا رواية المجموع عن مجموع من ابتدائه إلى انتهائه في كل عصر، وهذا كاف في إفادة

ج 1 ص 516

العلم، وأيضًا فطريق أنس وحدها قد رواها عنه العدد الكثير وتواترت عنهم، نعم وحديث علي رواه عنه ستة من مشاهير التابعين وثقاتهم، وكذا حديث ابن مسعود وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو، فلو قيل في كل منها أنه متواتر عن صحابيه لكان صحيحًا؛ لأن العدد المعين لا يشترط في التواتر بل ما أفاد العلم كفى، والصفات العلية في الرواة تقوم مقام العدد أو تزيد عليه كما قررته في نكت علوم الحديث، وفي شرح نخبة الفكر، وبينت هناك الرد على من ادعى أن مثال المتواتر لا يوجد إلا في هذا الحديث، وبينت أن أمثلته كثيرة منها حديث: (( من بنى لله مسجدًا ) )والمسح على الخفين، ورفع اليدين، والشفاعة، والحوض، ورؤية الله تعالى في الآخرة، والأئمة من قريش وغير ذلك.

وأما ما نقله البيهقي عن الحاكم ووافقه أنه جاء عن رواية العشرة قال: فليس في الدنيا حديث أجمع العشرة على روايته غيره، فقد تعقبه غير واحد لكن الطرق عنهم موجودة فيما جمعه ابن الجوزي ومن بعده، والثابت منها ما قدمت ذكره، فمن الصحاح علي والزبير، ومن الحسان طلحة وسعد وسعيد وأبو عبيدة، ومن الضعيف المتماسك طريق عثمان ضعيف أو ساقط انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت