فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 1465

وبه قال:

110 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية: بالإفراد (مُوسَى) ابن إسماعيل المنقري التبوذكي البصري (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضاح اليشكري

ج 1 ص 518

(عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين، عثمان بن عاصم الكوفي، سمع ابن عباس وأبا صالح وغيرهما، وعنه شعبة والسفيانان، وكان ثقة ثبتًا صاحب سنة من حفاظ الكوفة، وكان عثمانيًا، وليس في الصحيحين من اسمه حصين أو كنيته أبو حصين بفتح الحاء إلا هذا، ومن عداه حصين بضم الحاء المهملة وبالصاد المهملة، إلا حضين بن المنذر فإنه بالضاد المعجمة، وكانت وفاته سنة سبع أو ثمان وعشرين ومائة.

(عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السمان الزيات المدني (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) الدوسي رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: تَسَمَّوْا) بفتح التاء والسين والميم المشددة، أمر من باب التفعل تقول: سميت ابني محمد أو سميته بمحمد (بِاسْمِي) أي: كمحمد وأحمد.

(وَلاَ تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي) بفتح التاءين بينهما كاف ساكنة، وللأربعة بفوقية محذوفة وكاف كذلك ونون مشددة مفتوحة أيضًا، وأصله: (( ولا تتكنوا ) )بفوقيتين حذفت إحداهما تخفيفًا، وروي بضم الفوقية وفتح الكاف وضم النون المشددة من باب التفعيل، وروي أيضًا: بفتح الفوقية وإسكان الكاف وضم النون وكلها من الكناية وهي في الأصل أن تتكلم بشيء وتريد به غيره، وقد كنيت بكذا عن كذا وكنوت به.

والكنية: بالضم والكسر واحدة الكنى، وهي عند النحاة ما صدرت بأب أو أم، وزاد بعضهم أو ابن أو بنت في العلم الجنسي، واللقب ما أشعر برفعة المسمى أو بصفته، والاسم ما عدا ذينك، والمراد بكنيته المنهي عن التكني بها أبو القاسم.

قال في (( المنحة ) ): ومحل تحريم التكني بها فيمن اسمه محمد ولو في غير زمنه لخبر: (( من تسمى باسمي فلا يتكنى بكنيتي ومن تكنى بكنيتي فلا يتسم باسمي ) )رواه ابن حبان وصححه وقال البيهقي: إسناده صحيح.

والذي نص عليه الشافعي المنع مطلقًا لخبر (( الصحيحين ) ): (( تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي ) ).

ورجح ابن أبي الدم والرافعي الأول بعد نقلهما النص المذكور، وما رجحاه فيه جمع بين الخبرين بخلاف النص، وأما تكنية علي رضي الله عنه ولده محمد بن الحنفية بذلك فرخصة من النبي صلى الله عليه وسلم كما قاله ابن أبي الدم.

قال شيخنا: وأما ما رواه أبو داود عن عائشة قالت: (( جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني قد ولدت غلامًا فسميته محمدًا وكنيته أبا القاسم، فذكر لي أنك تكره ذلك، فقال: ما الذي أحل اسمي وحرم كنيتي ) )أو (( ما الذي حرم كنيتي وأحل اسمي ) )فيشبه أن يكون قبل النهي؛ لأن أحاديث النهي أصح انتهى.

وضعف النووي الأول وقال: الأقرب أن النهي مختص بحياته صلى الله عليه وسلم لما في الحديث من سبب النهي وهو أن اليهود تكنوا بكنيته، وكانوا ينادون يا أبا القاسم، فإذا التفت النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: لم نعنك إظهارًا للإيذاء، وقد زال ذلك المعنى انتهى.

وما قال إنه أقرب أخذًا من سبب النهي مخالف لقاعدة أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، بل الأقرب ما رجحه الرافعي.

وقال الأسنوي: إنه الصواب لما فيه من الجمع بين الخبرين السابقين كما مر انتهى بحروفه.

قال في (( المصابيح ) ): وفي المسألة خلاف فقيل بالجواز مطلقًا، وقيل به في حياته، قال الباجي وفقهاء الأمصار على جواز التسمية والتكنية بأبي القاسم، والنهي عنه منسوخ، ودخل القاضي أبو القاسم ابن زيتون على المستنصر بالله سلطان إفريقية فقال له: لم تسميت بأبي القاسم مع صحة حديث: (( تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي ) )فأجابه بأن قال: إنما تسميت بكنيته صلى الله عليه وسلم ولم أتكن بها، واستحسنه بعض الشيوخ انتهى.

(وَمَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي) قال في (( المنحة ) ): جواب الشرط لازم الرؤية وهو السرور لا الرؤية؛ لئلا يتحد الجواب مع الشرط؛ أي: فسيسر بأنه قد رآني، أو المعنى على التشبيه؛ أي: فكأنه رآني في اليقظة، ومعنى رؤيته قيل: رؤية مثاله لا رؤية شخصه، والأقرب كما قال الكرماني ما قيل: أنها رؤيته حقيقة إذ العقل لا يحيلها فلا حاجة إلى تأويلها.

وأما قولهم: فإنه قد يرى على خلاف صفته أو في غير مكانه، فإنه تغيير في صفاته لا في ذاته فتكون ذاته مرئية وصفاته متخيلة، والرؤية أمر يخلقه الله تعالى في الحي لا بشرط مواجهة، ولا تحديق بصر، ولا كون المرئي ظاهرًا بل الشرط كونه موجودًا فقط حتى يجوز رؤية أعمى الصين بقة الأندلس، ولم يقم دليل على فناء جسمه صلى الله عليه وسلم بل جاء في الحديث ما يقتضي بقاءه انتهى.

وقال العيني: جاء في

ج 1 ص 519

الحديث أربعة ألفاظ صحاح ما ذكر: (( ومن رآني فقد رآني بحق ) )، وجاء: (( فسيراني في اليقظة ) )، وجاء: (( فكأنما رآني في اليقظة ) )انتهى.

وقوله: (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي) في بمعنى الباء؛ أي: لا يتمثل بها كالعلة لقوله: (( فقد رآني أي حقيقة ) )وإشارة إلى أنها لا تكون أضغاث أحلام بل رؤيا حقيقية صحيحة، وفي رواية: (( فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي ) )وهذه تفسر المراد بالرواية الأولى.

وحاصل ما ذكروه في معنى الحديث يرجع إلى ثلاثة أقوال:

الأول: للباقلاني أن رؤياه صلى الله عليه وسلم صحيحة وليست بأضغاث أحلام.

الثاني: وذهب إليه كثيرون، وتقدم عن الكرماني أن رؤيته في النوم رؤية حقيقية إذ العقل لا يحيلها فلا حاجة إلى تأويلها.

الثالث: وذهب إليه القاضي عياض، وأبو بكر بن العربي أن الرائي إن رآه على صفته فهي حقيقة، وإن رآه على غيرها فهي رؤيا تأويل لا حقيقة، وضعفه النووي، وصوب الثاني.

وثمرة اختلاف الصفات المتخيلة وأثرها كما قال العيني: اختلاف الدلالات فقد ذكروا أنه إذا رآه شيخًا فهو عام سلم، وإذا رآه شابًا فهو عام جدب، وإن رآه حسن الهيئة حسن الأقوال والأفعال مقبلًا على الرأي كان خيرًا له، وإن رآه على خلاف ذلك كان شرًا له، ولا يلحق النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك شيء، ولو رآه أمر بقتل من لا يحل قتله فهذا من الصفات المتخيلة لا المرئية فلا يحل له الإقدام عليه.

قال العيني: ويقال معنى قوله: (( فقد رآني ) )فقد رأى مثالي في الحقيقة؛ لأن المرئي في المنام مثال، وقوله: (( فإن الشيطان لا يتمثل بي ) )يدل على ذلك، ويقرب منه ما قاله الغزالي فإنه قال: ليس معناه أنه رأى جسمي وبدني، بل رأى مثالًا صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي في نفسي إليه، بل البدن في اليقظة ليس إلا آلة النفس فالحق أن ما يراه مثال روحه المقدسة الشريفة التي هي محل النبوة، فما رآه من الشكل ليس هو روح النبي صلى الله عليه وسلم ولا شخصه، بل هو مثال له على التحقيق انتهى.

وكما لا يتمثل الشيطان به لا يتمثل ببقية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

وقال الكرماني كغيره: ولا يطلق على من رآه في النوم أنه صحابي إذ لا يصدق عليه حد الصحابي من أنه مسلم رأى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن المراد رؤية معهودة في الدنيا جارية على العادة، على أنا لو التزمنا إطلاق الصحابي عليه لجاز، قال: وهذا أحسن وأولى، ثم قال: والحديث المسموع عنه في المنام ليس بحجة يستدل بها إذ شرط الاستدلال به أن يكون الراوي ضابطًا عند السماع والنوم ليس بحالة ضبط انتهى.

فائدة: اختلف في حقيقة الرؤيا المنامية، قال العيني: فقيل إدراكات يخلقها الله تعالى في قلب العبد على يد الملك أو الشيطان، ونظيرها في اليقظة الخواطر فإنها قد تأتي على نسق، وقد تأتي مسترسلة غير محصلة فإذا خلقها الله تعالى على يد الملك كانت وحيًا وبرهانًا مفهومًا نقل هذا عن الشيخ أبي إسحاق وعن القاضي أبي بكر الباقلاني أنها اعتقادات.

قال الإمام أبو بكر ابن العربي: منشأ الخلاف بينهما أنه قد يرى نفسه بهيمة أو ملكًا أو طائرًا، وهذا ليس إدراكًا؛ لأنه ليس حقيقة، فصار القاضي إلى أنها اعتقادات لأن الاعتقاد قد يأتي على خلاف المعتقد.

قال ابن العربي: وهذا ذهول منه عن أن المرئي والمدرك إنما هو مثل الأشياء المرئية لا نفسها، فالإدراك إنما يتعلق بالمثل، وقال أيضًا: إن الله تعالى يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان، فهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ولا يمنعه من فعله نوم ولا يقظة، فإذا خلق هذه الاعتقادات فكأنما جعلها اليوم علمًا على أمور أخر يخلقها الله في ثاني الحال، أو كان قد خلقها، فإذا خلق في قلب النائم اعتقاد الطيران وليس بطائر فقصارى أمره أنه اعتقد أمرًا على خلاف ما هو عليه فيكون ذلك الاعتقاد علمًا على غيره، كما يخلق الله الغيم دليلًا على المطر.

ويقال: حقيقة الرؤيا ما يريه الملك الموكل عليها فإن الله تعالى قد وكل بالرؤيا ملكًا يضرب من طريق الحكمة الأمثال، وقد أطلعه الله تعالى على قصص بني آدم من اللوح المحفوظ فهو ينسخ منها ويضرب لكل واحد على قصته مثلًا، فإذا نام تمثل له تلك الأشياء على طريق الحكمة لتكون له بشارة أو نذارة أو معاتبة ليكونوا على بصيرة من أمرهم انتهى.

(وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) وهذا خامس حديث أورده المؤلف في هذا الباب، وهو يقتضي استواء الكذب عليه في التحريم في كل حال يقظة ونومًا.

قال في (( الفتح ) ): رتب المصنف أحاديث الباب ترتيبًا

ج 1 ص 520

حسنًا؛ لأنه بدأ بحديث علي وفيه مقصود الباب، وثنى بحديث الزبير الدال على توقي الصحابة وتحرزهم من الحديث عنه خوفًا من الكذب عليه، وثلث بحديث أنس الدال على أن امتناعهم إنما كان من الإكثار المفضي إلى الخطأ لا عن أصل التحديث؛ لأنهم مأمورون بالتبليغ، وختم بحديث أبي هريرة الذي فيه الإشارة إلى استواء تحريم الكذب عليه سواء كان دعوى السماع منه في اليقظة أم في المنام انتهى.

أقول: ولذلك ساقه هنا تامًا ولم يختصره كعادته كما فعل مسلم، فإنه اقتصر منه على الجملة الأخيرة؛ لأنها مقصود الباب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت