109 -وبالسند إلى المؤلف قال:
(حَدَّثَنَا المَكِّيُّ) بالألف واللام للمح الأصل لا للتعريف كما توهمه القسطلاني؛ لأنه علم وليس بمنسوب بل على صورة المنسوب، كما ذكره في (( الفتح ) )، وفي رواية أبي ذر: بالإفراد واللام في المكي، وفي أخرى: بدونها.
(بْنُ إِبْرَاهِيمَ) البلخي وهو من كبار شيوخ البخاري، سمع من سبعة عشر نفسًا من التابعين، منهم يزيد بن أبي عبيد المذكور هنا، وهو مولى سلمة بن الأكوع صاحب النبي صلى الله عليه وسلم.
(قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) بالتصغير روى له الجماعة، ومات بالمدينة سنة ست أو سبع وأربعين ومائة (عَنْ سَلَمَةَ) بفتح السين المهملة واللام، ابن الأكوع واسم الأكوع سنان بن عبد الله الأسلمي.
وقال الذهبي في (( الكاشف ) ): هو سلمة بن عمرو بن الأكوع، ويقال: ابن وهب بن الأكوع، وعليه فالأكوع جده ونسب إليه لشهرته به، ويكنى سلمة بأبي مسلم، وقيل: بأبي إياس، وقيل: بأبي عامر، شهد بيعة الرضوان، وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ثلاث مرات في
ج 1 ص 517
أول الناس وأوسطهم وآخرهم، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة وسبعون حديثًا، اتفقا منها على ستة عشر، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بتسعة، فما وقع في القسطلاني من قوله: وله في البخاري عشرون حديثًا سهو من قلم الناسخ، وصوابه أحد وعشرون حديثًا، توفي بالمدينة سنة أربع وسبعين عن ثمانين سنة، روى له الجماعة، وكان شجاعًا راميًا محسنًا يسبق الخيل في العدو فاضلًا خيرًا، ويقال أنه كلمه الذئب، وكان ذلك السبب في إسلامه.
قال سلمة: رأيت الذئب قد أخذ ظبيًا فطلبته حتى نزعته منه فقال: ويحك مالي ومالك عمدت إلى رزق رزقنيه الله تعالى ليس من مالك فنزعته مني، قال: قلت: يا عباد الله إن هذا لعجب ذئب يتكلم! فقال الذئب: أعجب منه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصول النخل يدعوكم إلى عبادة الله تعالى وتأبون إلا عبادة الأوثان، قال: فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت.
(قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ) ما موصولة أو نكرة موصوفة، والجملة بعدها صلة أو صفة والعائد محذوف؛ أي: ما لم أقله، وضمن يقل معنى يتقول فلذا عدي بعلى، ويدخل في هذا الوعيد نسبة فعل لم يفعله صلى الله عليه وسلم إليه لاشتراكهما في علة الامتناع وهو الجسارة على الشريعة ومشرعها.
(فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) قال العيني: وقد احتج بظاهر هذا الحديث من منع الرواية بالمعنى، وأجيب من جهة المجوزين بأن المراد النهي عن الاتيان بلفظ يوجب تفسير الحكم على أن الإتيان باللفظ أولى بلا شك انتهى.
أقول: لكن دخول اللاحن في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الوعيد الظاهر أنه مما لا شبهة فيه إذ يصدق عليه أنه قال ما لم يقله الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن يشكل عليه الرواية بالمعنى عند [من] قال بجوازها، والجواب عنها من قبل المجوزين يجري في التحريف الذي لا يغير الحكم، وأما الذي يحيل المعنى ويغير الحكم فلا شبهة في دخول قائله في هذا الوعيد فليتأمل.
قال ابن الملقن: مما يظن دخوله في النهي اللحن وشبهه، ولهذا قال العلماء: ينبغي للراوي أن يعرف من النحو واللغة والأسماء ما يسلم به من قول ما لم يقل.
قال الأصمعي: أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في قوله عليه السلام: (( من كذب علي ) )الحديث؛ لأنه عليه السلام لم يكن يلحن فمهما لحن الراوي فقد كذب عليه، وكان الأوزاعي يعطي كتبه إذا كان فيها لحن لمن يصلحها، فإذا صح في روايته كلمة غير مفيدة فله أن يسأل عنها أهل العلم ويرويها على ما يجوز فيه، روي ذلك عن أحمد وغيره.
قال أحمد: يجب إعراب اللحن؛ لأنهم كانوا لا يلحنون.
وقال النسائي فيما حكاه القابسي: إذا كان اللحن شيئًا تقوله العرب وإن كان في لغة غير قريش فلا يغير؛ لأنه عليه السلام كان يكلم الناس بلسانهم وإن كان لا يوجد في كلامهم فالشارع لا يلحن.
وقال الأوزاعي: كانوا يعربون، وإنما اللحن من حملة الأحاديث فأعربوا الحديث.
وقيل للشعبي: أسمع الحديث ليس بإعراب أفأعربه؟ قال: نعم انتهى.
وقوله: وكان الأوزاعي يعطي كتبه ... إلخ، لا يلزم منه أن الأوزاعي لا يعرف النحو؛ لأنه إمام مجتهد، فكيف يكون جاهلًا بالنحو، لكنه ربما كان لا يتفرغ لمقابلتها لاشتغاله بما هو أهم فيكل ذلك لبعض من يثق به من طلبته.
وقال ابن الملقن أيضًا: إذا صح في الرواية ما هو خطأ فالجمهور على روايته على الصواب ولا يغيره في الكتاب، بل يكتب في الحاشية كذا وقع وصوابه كذا وهو الصواب.
وقيل: يغيره ويصلحه، روي ذلك عن الأوزاعي وابن المبارك وغيرهما، وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: كان أبي إذا مر به لحن فاحش غيره، وإن كان سهلًا تركه انتهى.
ولم يبين الفاحش من غيره، ولا يبعد أن يقال: اللحن الفاحش ما غير المعنى وغير الفاحش الذي لا يتغير به المعنى، وهذا الحديث أول ثلاثي وقع في البخاري، وثلاثياته اثنان وعشرون حديثًا وهي أعلى ما في صحيحه، وأقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من جهة الإسناد، وقد أفردت بالجمع ويليها الرباعيات ثم وثم إلى التساعيات، وهي أطول ما فيه سندًا وأنزل، وهي ما بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم تسعة رجال، وله رباعيات في حكم الثلاثيات ذكرناها في مجموعة أسانيدنا المسماة بالقول السديد في اتصال الأسانيد، ولغيره ثلاثيات أيضًا كأحمد بن حنبل فإن ثلاثيات مسنده ثلاثمائة وسبعة وثلاثون حديثًا، وكالدارمي فإن ثلاثيات مسنده خمسة عشر حديثًا، وكعبد بن حميد فإن ثلاثيات مسنده أحد وخمسون حديثًا، وكابن ماجه فإن ثلاثيات سننه خمسة أحاديث، فقول العيني: وبها فضل البخاري على غيره يقتضي انفراده بها من بين أرباب كتب الحديث وليس كذلك كما علمت.