111 -وبالسند إلى المؤلف قال:
(حَدَّثَنَا بْنُ سَلاَمٍ) بتخفيف اللام أبو عبد الله البيكندي، قال في الكمال: وقد يشدده من لا يعرف، وقال الدارقطني: هو بالتشديد لا بالتخفيف، وعند أبي ذر وغيره: .
(قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ) بفتح الواو ابن الجراح بن مليح الكوفي من قيس عيلان، روى عن الأعمش وغيره وعنه أحمد وقال: إنه أحفظ من ابن مهدي، وكان يفتي بقول أبي حنيفة، وكان سمع منه شيئًا كثيرًا، ولد سنة ثمان وعشرين ومئة، ومات بفيد منصرفًا من الحج يوم عاشوراء سنة تسع وتسعين ومئة.
(عَنْ سُفْيَانَ) قال في (( الفتح ) ): هو الثوري؛ لأن وكيعًا مشهور بالرواية عنه، وقال أبو مسعود الدمشقي في (( الأطراف ) ))): يقال إنه ابن عيينة.
قلت: لو كان ابن عيينة لنسبه؛ لأن القاعدة في كل من روى عن متفقي الاسم أن يحمل من أهمل نسبته على من تكون له به خصوصية من إكثار ونحوه كما قدمناه قبل هذا، وهكذا نقول هنا؛ لأن وكيعًا قليل الرواية عن ابن عيينة بخلاف الثوري انتهى.
وتعقبه العيني فقال: كل ما ذكره ليس يصلح مرجحًا أن يكون سفيان هذا هو الثوري بعد أن ثبت رواية وكيع عن كلا السفيانين وروايتهما عن مطرف على أن أبا مسعود الدمشقي.
قال في (( الأطراف ) ))): هذا هو سفيان بن عيينة.
وقال الغساني في كتابه (( تقييد المهمل ) ): هذا الحديث محفوظ عن ابن عيينة انتهى.
قال في (( الانتقاض ) ): إنكاره مردود؛ لأنه مكابرة والقاعدة ذكرها الخطيب عن الأئمة انتهى.
على أن الكرماني قال: إن مثل هذا الإبهام لا يقدح؛ لأن كلًا منهما إمام على شرط البخاري انتهى.
أي: فإرادة كل منهما صحيحة، ثم ذكر أنه جاء في رواية الغساني وأبي مسعود الدمشقي عن ابن عيينة، وفي رواية يزيد العدني عن الثوري، فوقعت الرواية عن كل منهما صراحة.
(عَنْ مُطَرِّفٍ) بضم الميم وفتح الطاء وكسر الراء المشددة آخره فاء، ابن طريف: بطاء مهملة مفتوحة، أبو بكر، ويقال: أبو عبد الرحمن الكوفي الحارثي نسبة إلى أبي الحارث بن كعب بن عمرو، وثقه أحمد وغيره، مات سنة ثلاث وثلاثين ومئة.
(عَنِ الشَّعْبِيِّ) بفتح الشين المعجمة وسكون العين المهملة واسمه عامر (عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) بضم الجيم وفتح الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية وبالفاء، واسمه وهب بن عبد الله السوائي بضم السين المهملة وتخفيف الواو وبالمد الكوفي من صغار الصحابة المتوفى سنة اثنين وسبعين.
(قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ) وللأصيلي زيادة: رضي الله عنه (هَلْ عِنْدَكُمْ) الخطاب لعلي والجمع إما لإرادته مع بقية أهل البيت، وإما للتعظيم كقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء} [الطلاق:1] .
(كِتَابٌ) أي: مكتوب عن النبي صلى الله عليه وسلم من أسرار علم الوحي خصكم به كما تزعم الشيعة (قَالَ) علي (لاَ) كتاب عندنا، فحذف اسمها وخبرها؛ لأنها وقعت في الجواب، وأحرف الجواب تحذف الجملة بعدها.
(إِلاَّ كِتَابُ اللَّهِ) بالرفع على الاستثناء من معمول لا المقدر وهو استثناء متصل، كذا في (( المنحة ) ) (أَوْ فَهْمٌ) بالرفع (أُعْطِيَهُ) مبني للمفعول (رَجُلٌ) نائب الفاعل والجملة صفة لفهم، والمراد به المفهوم؛ أي: ما يفهم من فحوى الكلام ويدرك من بواطن المعاني التي هي غير الظاهر من نصه كوجوه الأقيسة والمفاهيم وسائر
ج 1 ص 521
الاستنباطات ولا شك أن الناس متفاوتون في ذلك ووصف الرجل بقوله: (مُسْلِمٌ) لأن نور الإيمان يكشف له عن الحق ويرفع عنه ظلمات الشبه.
قال القسطلاني: ويفهم منه جواز استخراج العالم من القرآن بفهمه ما لم يكن منقولًا عن المفسرين إذا وافق أصول الشريعة، وعلي رضي الله عنه له اليد الطولى فيه لمعرفته بأسرار الحروف، وراثة من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال العارف بالله تعالى الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي في (( الفتوحات المكية ) ): قال بعض العلماء: الحروف من معجزات إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ثم الإمام علي رضي الله عنه ورث علم الحروف من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام: (( أنا مدينة العلم وعلي بابها ) )فمن أراد المدينة فعليه بالباب، وهو كرم الله وجهه آخر الخلفاء، وقال رضي الله عنه: (( الكيمياء أخت النبوة، وأم الفتوة، وعصمة المروءة ) ).
قال ابن عباس رضي الله عنهما: (( أعطي علي رضي الله عنه تسعة أعشار العلم، وإنه لأعلمهم بالعشر الآخر، وهو أول من وضع مربع مئة في مئة في الإسلام، وقد صنف الجامع في أسرار الحروف، وفيه ما جرى للأولين والآخرين، وفيه اسم الله الأعظم، وتاج آدم، وحجاب آصف بن برخيا ) ).
وما زال هذا التوقيف من السابقين يقتبسون من مصباح أنواره، وكانت الأئمة من أولاده يغترفون أسرار هذا الكتاب الرباني واللباب النوراني، وهو ألف وسبعمائة مصدر المعروف بالجفر الجامع والنور اللامع، وهو عبارة عن لوح القضاء والقدر، ثم الإمام الحسين، ثم ورثها زين العابدين، ثم الإمام محمد الباقر، ثم الإمام جعفر الصادق، وهو الذي غاص في أعماق أغماره واستخرج درره من أصداف أسراره، وحل معاقد رموزه وفك طلاسم كنوزه، وقال: سلوني قبل أن تفقدوني، فإن بين جنبي علومًا كالبحار الزاخرة انتهى.
(أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ) عطف على كتاب الله أو على فهم على الخلاف المشهور، وما موصولة والجار والمجرور صلتها، وما في العيني من قوله ما موصولة مبتدأ وقوله في هذه الصحيفة خبره سهو ظاهر، فإنه جعل صلة الموصول خبرًا عنه.
قال الكرماني: وكانت معلقة بقبضة سيفه إما احتياطًا أو استحضارًا، وإما لكونه منفردًا بسماع ذلك، والظاهر أن سبب اقتران الصحيفة بالسيف الإشعار بأن مصالح الدين ليست بالسيف وحده بل بالقتل تارة وبالدية تارة وبالعفو أخرى، فلا يوضع السيف في موضع الندى بل يوضع كل في موضعه انتهى. وقوله: فلا يوضع السيف ... إلخ، فيه تلميح إلى قول أبي الطيب المتنبي:
~ووضع الندى في موضع السيف بالعلى مخل كوضع السيف في موضع الندى
وفي (( المصابيح ) )قال ابن المنير: يعني بالفهم المذكور التفقه والاستنباط والتأويل، وانظر هل يقتضي لفظه أن الفقه كان مكتوبًا عندهم؛ لأن السائل قال له: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، لا كتاب عندنا إلا كتاب الله أو فهم أو هذه الصحيفة، وكان فيها أحاديث فاستثناء الفهم من الكتاب يدل على أن الفهم الذي هو الفقه كان حينئذ كتابًا، وإلا كان استثناء من غير الجنس وهو خلاف الأصل لاسيما قوله: (( إلا كتاب الله أو هذه الصحيفة ) )فإنه استثناء من الجنس قطعًا، فالمعطوف بينهما مثلهما أيضًا، فهو مرفوع والاستثناء من غير الجنس لا يكون إلا منصوبًا فيكون ذلك أصلًا في كتابة الفقه انتهى.
وقال الكرماني: معنى كلام علي رضي الله عنه أنه ليس عنده سوى القرآن، وأنه صلى الله عليه وسلم لم يخص بالتبليغ والإرشاد قومًا دون قوم، وإنما وقع التفاوت من قبل الفهم واستعداد الاستنباط، واستثنى ما في الصحيفة احتياطًا لاحتمال أن يكون فيها ما لا يكون عند غيره فيكون منفردًا بالعلم به، قال: وقيل: كان فيها من الأحكام غير ما ذكر هنا، ولعله لم يذكر جملة ما فيها إذ التفصيل لم يكن مقصودًا حينئذ أو ذكره ولم يحفظه الراوي.
قال ابن بطال: فيه ما يقطع بدعة الشيعة المدعين على علي رضي الله عنه أنه الوصي وأنه المخصوص بعلم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعرفه غيره حيث قال: (( ما عندنا إلا ما عند الناس من كتاب الله تعالى ) )ثم أحال على الفهم الذي الناس فيه على درجاتهم ولم يخص نفسه بشيء غير ما هو
ج 1 ص 522
ممكن في غيره انتهى.
(قَالَ) أي: أبو جحيفة (قُلْتُ: وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ) بالواو، وللكشميهني: بالفاء.
قال العيني: وكلاهما للعطف ولم يبين المعطوف عليه ويشبه أن يكون مقدرًا في كلام السائل تقديره بحسب ما يدل عليه السياق، ما الفهم وما في هذه الصحيفة، ولا يخفى أن ما الاستفهامية هنا مبتدأ وفي هذه الصحيفة هو الخبر.
(قَالَ) علي رضي الله عنه (الْعَقْلُ) أي: فيها حكم العقل، ففي الكلام حذف خبر المبتدأ وحذف مضاف، والمراد بالعقل الدية، وإنما سميت به؛ لأنهم كانوا يعقلون الإبل التي تعطى دية بفناء دار مستحقها بالعقال وهو الحبل، وفي رواية ابن ماجه: (( الديات ) )بدل (( العقل ) )، والمراد أحكامها وبيان مقاديرها وأصنافها وأسنانها.
(وَفَكَاكُ الأَسِيرِ) بفتح الفاء وكسرها؛ أي: ما يحصل به فكاكه وخلاصه، يقال: فكه وافتكه بمعنى، والأسير فعيل بمعنى مفعول من أسره إذا شده بالإسار وهو القد بكسر القاف وبالمهملة لأنهم كانوا يشدون الأسير بالقد ثم توسع فيه فسمي كل أخيذ أسير وإن لم يشد به.
(وَلاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ) بضم اللام من عطف جملة فعلية على جملة اسمية؛ أي: فيها العقل وفيها حرمة قصاص المسلم بالكافر، وفي رواية الأصيلي والكشميهني: بزيادة أن المصدرية الناصبة، فالعطف عليهما من عطف مفرد تقديرًا على مفرد، وجعله الكرماني في الرواية الأولى من عطف الجملة على المفرد، ثم استشكل على نفسه فقال: فإن قلت: كيف جاز عطف الجملة على المفرد؟.
قلت: هو مثل قوله تعالى: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران:97] انتهى.
وتعقبه العيني فقال: ليس هاهنا عطف الجملة على المفرد، وإنما هو عطف الجملة على الجملة، فإن أراد بقوله المفرد العقل فهو ليس بمفرد؛ لأنه مبتدأ محذوف الخبر وهو جملة.
قال في (( الفتح ) ): ووقع للمصنف ومسلم من طريق يزيد التيمي عن علي قال: (( ما عندنا شيء نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة ) )فإذا فيها (( المدينة حرام ) )الحديث.
ولمسلم عن أبي الطفيل عن علي: (( ما خصنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء لم يعم به الناس كافة إلا ما في قراب سيفي هذا، وأخرج صحيفة مكتوبة فيها: لعن الله من ذبح لغير الله ) )الحديث.
وللنسائي من طريق الأشتر وغيره عن علي: (( فإذا فيها المؤمنون تتكافأ دماؤهم يسعى بذمتهم أدناهم ) )الحديث.
ولأحمد من طريق طارق بن شهاب فيها فرائض الصدقة، والجمع بين هذه الأحاديث أن الصحيفة كانت واحدة وكان جميع ذلك مكتوبًا فيها فنقل كل من الرواة عنه ما حفظه انتهى.
وفيه حجة لمالك والشافعي وأحمد أن المسلم لا يقتل بالكافر قصاصًا.
قال العيني: وبه قال الأوزاعي والليث والثوري وإسحاق وأبو ثور وابن شبرمة، وروي ذلك عن عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت، وبه قال جماعة من التابعين منهم عمر بن عبد العزيز وإليه ذهب أهل الظاهر.
وقال أبو بكر الرازي: قال مالك والليث بن سعد: إن قتله غيلة قتل به وإلا لم يقتل.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف في رواية ومحمد وزفر: يقتل المسلم بالكافر، وهو قول النخعي والشعبي وسعيد بن المسيب ومحمد بن أبي ليلى وعثمان البتي، وهو رواية عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وعمر بن عبد العزيز، وقالوا: لا يقتل بالمستأمن والمعاهد.
وقالت الشافعية: احتجت الحنفية بما أخرجه الدارقطني عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل مسلمًا بمعاهد وقال: (( أنا أكرم من وفى بذمته ) )، وأعله الشافعية بأن في سنده إبراهيم بن يحيى وهو متروك ولم يسنده غيره، والصواب إرساله وفيه ابن البيلماني وهو ضعيف لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث فكيف إذا أرسله؟!.
وقال مالك ويحيى بن سعيد وابن معين: إبراهيم بن يحيى كذاب، وقال أحمد والبخاري: ترك الناس حديثه إلى آخر ما نقله العيني عنهم في تزييف رجال هذا الحديث ثم قال: وقالت الحنفية: لا يتعين علينا الاستدلال بحديث الدارقطني، وإنما نحن نستدل بالنصوص المطلقة في استيفائه القصاص من غير فصل.
وأما حديث علي رضي الله عنه فلم يكن مفردًا، ولو كان مفردًا لاحتمل ما قلتم، ولكنه كان موصولًا بغيره، وهو الذي رواه قيس بن عباد والأشتر فإن في روايتهما (( لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده ) )فهذا أصل الحديث وتمامه، وهذا لا يدل على ما ذهبتم إليه؛ لأن المعنى على أصل
ج 1 ص 523
الحديث لا يقتل مؤمن بسبب قتل كافر، ولا يقتل ذو عهد في عهده بسبب قتل كافر.
ومن المعلوم أن ذا العهد كافر فدل أن هذا الكافر الذي منع النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتل به مؤمن في الحديث المذكور هو الكافر الذي لا عهد له، وهذا لا خلاف فيه لأحد أن المؤمن لا يقتل بالكافر الحربي ولا الكافر الذي له عهد يقتل به أيضًا، فحاصل معنى حديث أبي جحيفة لا يقتل مسلم ولا ذو عهد في عهده بكافر، فإن قالوا: كل واحد من الحديثين كلام مستقل مفيد فيعمل به فما الحاجة إلى جعلهما واحدًا حتى يحتاج إلى هذا التأويل؟.
قلنا: قد ذكرنا أن أصل الحديث واحد فبتقطيعه لا يزول المعنى الأصلي، ولئن سلمنا أن أصله ليس بواحد وأن كل واحد حديث برأسه، ولكن الواجب حملهما على أنهما وردا معًا وذلك لأنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك في وقتين مرة من غير ذكر ذي العهد، ومرة مع ذكر ذي العهد، وأيضًا إن أصل هذا كان في خطبته عليه السلام يوم فتح مكة، وقد كان رجل من خزاعة قتل رجلًا من هذيل في الجاهلية، فقال صلى الله عليه وسلم: (( ألا كل دم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي هاتين لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده ) ). يعني والله أعلم الكافر الذي قتله في الجاهلية، وكان ذلك تفسيرًا لقوله: (( كل دم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي ) )لأنه مذكور في خطاب واحد في حديث واحد.
وقد ذكر أهل المغازي أن عهد الذمة كان بعد فتح مكة، وربما كان قبل ذلك فإنما هو عهود إلى مدد بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين لا أنهم داخلون في ذمة الإسلام وحكمه، فكان قوله عليه السلام يوم فتح مكة: (( لا يقتل مؤمن بكافر ) )منصرفًا إلى الكفار والمعاهدين، إذ لم يكن هناك ذمي ينصرف الكلام إليه.
ويدل عليه قوله: (( ولا ذو عهد في عهده ) )وهذا يدل على أن عهودهم كانت إلى مدد، ولذلك قال: (( ولا ذو عهد في عهده ) )كما قال تعالى: {فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ} [التوبة:4] وقال: {فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} [التوبة:2] وكان المشركون حينئذ على ضربين:
أحدهما: أهل الحرب ومن لا عهد بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم.
والآخر: أهل عهد إلى مدة، ولم يكن هناك أهل ذمة، فانصرف الكلام إلى الضربين من المشركين، ولم يكن يدخل فيه من لم يكن على أحد هذين الوصفين، وهذا هو التحقيق في هذا المقام.
وقال بعض الحنفية: وقع الإجماع على أن المسلم تقطع يده إذا سرق من مال الذمي فكذلك يقتل إذا قتله، وأن قوله صلى الله عليه وسلم: (( ولا ذو عهد في عهده ) )من باب عطف الخاص على العام، وأنه يقتضي تخصيص العام؛ لأن الكافر الذي لا يقتل به ذو العهد هو الحربي دون المساوي له والأعلى وهو الذمي، فلا يبقى أحد يقتل به المعاهد إلا الحربي فيجب أن يكون الكافر الذي لا يقتل به المسلم هو الحربي تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه، واعترضوا بوجوه:
الأول: أن الواو ليست للعطف بل للاستئناف، وما بعد ذلك جملة مستأنفة فلا حاجة إلى الإضمار؛ لأنه خلاف الأصل، فلا يقدر فيه بكافر.
الثاني: سلمنا أنه من باب عطف المفرد، والتقدير بكافر لكن المشاركة بواو العطف وقعت في أصل النفي لا في جميع الوجوه كما إذا قال القائل: مررت بزيد منطلقًا وعمرو.
قال الشهاب القرافي: المنقول عن أهل اللغة والنحو أن ذلك لا يقتضي أنه مر بالمعطوف منطلقًا بل الاشتراك في مطلق المرور.
الثالث: أن المعنى لا يقتل ذو عهد في عهده خاصة إزالة لتوهم مشابهة الذمي، فإنه لا يقتل ولا ولده الذي لم يعاهد؛ لأن الذمة تنعقد له ولأولاده وهلم جرا.
وأما الجواب عن القياس المذكور بأنه قياس في مقابلة النص، وهو قوله: (( لا يقتل مسلم بكافر ) )فلا أثر له.
وأجيب عن الأول بأن الأصل في الواو العطف، ودعوى الاستئناف تحتاج إلى بيان، وعن الثاني بأن ما ذكرتم في عطف المفرد وهذا عطف جملة على جملة، وكذلك المعطوف في المثال الذي
ج 1 ص 524
ذكره القرافي مفرد، وعن الثالث بأنه إنما يصح إذا كانت الواو للاستئناف.
وقد قلنا: أنه يحتاج إلى البيان وأيضًا فمعلوم أن ذا العهد يحظر قتله ما دام في عهده، فلو حملنا قوله: (( ولا ذو عهد في عهده ) )على أن لا يقتل ذو عهد في عهده لأخلينا اللفظ عن الفائدة، وحكم كلام النبي صلى الله عليه وسلم حمله على مقتضاه في الفائدة، ولا يجوز إلغاؤه ولا إسقاط حكمه، والقياس إنما يكون في مقابلة النص إذا كان المعنى على ما ذكرتم وهو غير صحيح، وعلى ما ذكرنا يكون القياس في موافقة النص فافهم انتهى ملخصًا.
وفي (( شرح الوقاية ) )لمنلا علي القاري: لنا عموم قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة:45] وما أخرجه أصحاب الكتب الستة، عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدين المفارق للجماعة ) ).
وما أخرجه أبو داود والنسائي، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا يحل قتل مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال: زان محصن فيرجم، ورجل يقتل مسلمًا متعمدًا، ورجل يخرج من الإسلام فيحارب الله ورسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض ) ).
وما رواه محمد بن الحسن قال: أنبأنا قيس بن الربيع الأسدي، عن أبان بن ثعلب، عن الحسين بن ميمون، عن عبد الله بن عبد الله مولى بني هاشم، عن أبي الجنوب الأسدي قال: (( أتي علي بن أبي طالب برجل من المسلمين قتل رجلًا من أهل الذمة، قال: فقامت عليه البينة فأمر بقتله، فجاء أخوه فقال: قد عفوت، فقال: لعلهم فزعوك أو هددوك، قال: لا ولكن قتله لا يرد علي أخي وعوضوني، قال: أنت أعرف من كان له ذمتنا فدمه كدمنا وديته كديتنا ) ).
أقول: فهذا أدل دليل على أن ما رواه في الصحيفة من قوله صلى الله عليه وسلم: (( ولا يقتل مسلم بكافر ) )ليس على عمومه بل هو مخصوص بغير أهل الذمة بدليل أمره بقتل المسلم القاتل الذمي، والصحابي أدرى بتأويل ما رواه، بل إذا خالف عمله روايته، فمذهب أبي حنيفة إتباع عمله لا روايته، وفي الشرح المذكور أيضًا.
ومنها ما روى البيهقي في (( المعرفة ) )من طريق الشافعي قال: أنبأنا محمد بن الحسن، أنبأنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم أن رجلًا من بكر بن وائل قتل رجلًا من أهل الحيرة، فكتب عمر بن الخطاب أن يدفع إلى أولياء فإن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا عفوا، فدفع إلى ولي المقتول رجل يقال له: حسين من أهل الحيرة فقتله، فكتب عمر بعد ذلك إن كان الرجل لم يقتل فلا تقتلوه، فرأوا أن عمر أراد أن يرضيهم بالدية.
ومنها ما روى عبد الرزاق في (( مصنفه ) ): عن معمر، عن عمرو بن ميمون، عن ابن مهران قال: (( شهدت كتاب عمر بن عبد العزيز قدم إلى أمير الحيرة في رجل مسلم قتل رجلًا من أهل الذمة: ادفعه إلى وليه فإن شاء قتله وإن شاء عفا عنه، قال: فدفعه إليه فضرب عنقه ) ).
وأنا أنظر إلى آخر ما أطال به من إيراد الأحاديث والآثار الدالة على أن المسلم يقاد بالذمي فليراجع لمريد الاطلاع.