فهرس الكتاب

الصفحة 202 من 1465

112 -وبه قال:

(حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) بصيغة التصغير (الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ) بضم الدال المهملة وفتح الكاف (قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بفتح المعجمة وسكون المثناة التحتية، أبو معاوية بن عبد الرحمن النحوي المؤدب البصري الثقة مولى بني تميم، سمع الحسن وغيره، وعنه ابن مهدي وغيره، وكان صاحب حروف وقراءات.

قال أحمد: هو ثبت في كل المشايخ وشيبان أثبت في يحيى بن أبي كثير من الأوزاعي.

قال العيني: حدث عنه الإمام أبو حنيفة وعلي بن الجعد، وبين وفاتيهما تسع وسبعون سنة، مات ببغداد ودفن بمقبرة الخيزران سنة أربع وستين ومئة في خلافة المهدي، روى له الجماعة، والنحوي نسبة إلى قبيلة، وهم ولد النحو بن شمس بن عمرو بن زهران، وليس في هذه القبيلة من يروي الحديث سواه وسوى يزيد بن أبي سعيد، وأما ما عداهما فنسبة إلى النحو علم العربية كأبي عمرو بن العلاء النحوي وغيره، وليس في البخاري من اسمه شيبان غيره، وفي مسلم هو وشيبان بن فروخ انتهى.

(عَنْ يَحْيَى) ابن أبي كثير صالح بن المتوكل،

ج 1 ص 525

وقيل: نشيط، وقيل: دينار، أحد الأعلام الثقات العباد، روى عن أنس وجابر مرسلًا، وعن أبي سلمة، وعنه هشام الدستوائي وغيره، قال أيوب: ما بقي على وجه الأرض مثله، مات سنة تسع وعشرين ومئة، وقيل: سنة اثنين وثلاثين بعد أيوب بسنة.

(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح السين المهملة واللام عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف وقد مر (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) عبد الرحمن بن صخر، وللمؤلف في الديات: (( حدثنا أبو سلمة حدثنا أبو هريرة ) ) (أَنَّ خُزَاعَةَ) بضم الخاء المعجمة وبالزاي غير مصروف للعلمية والتأنيث، وهم حي من الأزد.

قال الكرماني: سموا بذلك لأن الأزد لما خرجت من مكة وتفرقت في البلاد تخلفت عنهم خزاعة وأقامت بها، ومعنى خزع فلان عن أصحابه تخلف عنهم انتهى.

(قَتَلُوا) أي: قتل واحد منهم، وهو حراش بالحاء المهملة والشين المعجمة ابن أمية، فنسب القتل إلى القبيلة مجازًا (رَجُلًا) هو جندب بن الأقرع الهذلي (مِنْ بَنِي لَيْثٍ) بمثلثة في آخره.

(عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ) يعني في الجاهلية، يقال له أحمر، كذا في (( المنحة ) ).

وقال في (( الفتح ) ): واسم هذا القاتل حراش بن أمية، والمقتول في الجاهلية منهم اسمه أحمر، والمقتول في الإسلام من بني ليث لم يسم.

(فَأُخْبِرَ) بالبناء للمفعول (بِذَلِكَ) أي: بقتل خزاعة رجلًا من بني ليث (النَّبِيُّ) بالرفع نائب فاعل أخبر صلى الله عليه وسلم، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ) هي الناقة التي تصلح لأن يرحل عليها، ويقال: هي المركوب من الإبل ذكرًا كان أو أنثى.

(فَخَطَبَ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ) عز وجل (حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ) أي: منع عن أهلها (الْقَتْلَ) بقاف مفتوحة وفوقية ساكنة، وفي نسخة: بالفاء والكاف، سفك الدم وهي التي شرح عليها الكرماني.

(أَوِ الْفِيلَ) بفاء مكسورة وتحتية ساكنة واللام فيه للعهد؛ أي: الفيل الذي أرسل الله على أصحابه طيرًا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل حين وصلوا إلى بطن وادي محسر قريبًا من مكة، واسم الفيل محمود (شَكَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) أي: البخاري، وسقط قوله: عند أبي ذر وابن عساكر، وللأربعة: ، كذا قال أبو نعيم هو الفضل بن دكين (فاجعلوا) بصيغة الأمر، وللأصيلي: بضمير الغائب المنصوب؛ أي: اجعلوا اللفظ (على الشك الفيل) بالفاء (أو القتل) بالقاف (وغيره) أي: غير أبي نعيم ممن رواه عن الشيباني رفيقًا لأبي نعيم وهو عبيد الله بن موسى، ومن رواه عن يحيى رفيقًا للشيباني وهو حرب بن شداد كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الديات (يقول الفيل) بالفاء من غير شك والمراد بحبس الفيل أهل الفيل الذين غزوا مكة فمنعها الله تعالى منهم كما قص الله تعالى في القرآن وهو تصريح من المصنف بأن الجمهور على رواية الفيل بالفاء فقط.

(وَسُلِّطَ) بضم السين بالبناء للمفعول (عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ) نائب الفاعل صلى الله عليه وسلم (وَالْمُؤْمِنُونَ) رفع بالواو عطفًا على رسول الله كذا في رواية أبي ذر، ولغيره: بفتح السين؛ أي: الله رسوله والمؤمنين، نصب بالياء عطفًا على رسول الله.

(أَلاَ) بفتح الهمزة وتخفيف اللام (وَإِنَّهَا) أي: مكة بالواو وكسر الهمزة، ولأبي ذر: بالفاء (لَمْ تَحِلَّ) بفتح أوله وكسر ثانيه (لأَحَدٍ قَبْلِي، ولا تَحِلُّ) بالرفع ولا نافية، وفي رواية الكشميهني: .

(لأَحَدٍ بَعْدِي) وفي هذه الرواية إشكال لأن لم تقلب المضارع ماضيًا ولفظ: (( بعدي ) )للاستقبال والتنافي بينهما ظاهر، وأجيب: بأن المعنى لم يحكم الله تعالى في الماضي بالحل في المستقبل.

(أَلاَ) بفتح الهمزة مع التخفيف أداة استفتاح (وَإِنَّهَا) بالواو العاطفة على مقدر(حَلَّتْ لِي سَاعَةً

ج 1 ص 526

مِنْ نَهَارٍ)وفي نسخة: بهمزة مضمومة (أَلاَ) بالفتح والتخفيف أيضًا.

(وَإِنَّهَا) بالواو أيضًا (سَاعَتِي هَذِهِ) أي: في ساعتي التي أتكلم فيها بعد الفتح فهي ظرف لقوله: (حَرَامٌ) الذي هو خبر لأن، واستشكل بعدم المطابقة بين المبتدأ والخبر تذكيرًا وتأنيثًا، وأجيب بأن (( حرام ) )مصدر في الأصل يستوي فيه التذكير والتأنيث والإفراد والجمع.

(لاَ يُخْتَلَى) بالبناء للمفعول؛ أي: لا يجز ولا يقطع، يقال: اختليت الشيء إذا جززته وقطعته (شَوْكُهَا) أي: إلا المؤذي كالعوسج واليابس كالحيوان المؤذي والصيد الميت (وَلاَ يُعْضَدُ) بالبناء للمفعول؛ أي: لا يقطع بالمعضد وهو آلة كالفأس.

(شَجَرُهَا) وهو ما له ساق من النبات (وَلاَ تُلْتَقَطُ) بالبناء للمفعول (سَاقِطَتُهَا) أي: ضالتها التي سقطت من مالكها بغفلته عنها (إِلاَّ لِمُنْشِدٍ) أي: لمعرف من أنشد الضالة إذا عرفها، أما طالبها فناشد من نشد ضالته إذا طلبها فليس لواجدها إلا التعريف دائمًا، ولا يتملكها بحال ولا يتصدق بها بل يحفظها إلى أن يظفر بمالكها بخلاف لقطة غيرها من البلاد حتى المدينة فإنه بعد التعريف له أن يتملكها وهو أظهر قولي الشافعي، ومذهب مالك والأكثرين أنه لا فرق بين لقطة الحل والحرم وقالوا: معنى (( إلا لمنشد ) )أنه يعرفها كما يعرفها في سائر البقاع حولًا كاملًا حتى لا يتوهم أنه إذا نادى عليها وقت الموسم ولم يظهر مالكها جاز تملكها.

وقال عبد الرحمن بن مهدي: قوله (( إلا لمنشد ) )يريد لا تحل البتة فكأنه قيل له: (( إلا لمنشد ) )فقال: (( إلا لمنشد ) )أي: لا يحل له منها إلا إنشادها فيكون ذلك مما اختصت به مكة كما اختصت بأنها حرام وأنه لا ينفر صيدها، كذا في العيني.

(فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ) قال في (( الفتح ) ): كذا وقع هنا وفيه حذف وقع بيانه في رواية المصنف في الديات عن أبي نعيم بهذا الإسناد: (( فمن قتل له قتيل ) )انتهى.

وقال في (( المصابيح ) ): كذا رواه هنا وهو مختصر، والصواب ما رواه في الديات (( من قتل له قتيل ) )بزيادة: له قتيل.

قلت: وهذه صواب بلا شك كما أن الأولى صواب أيضًا، ولا يظهر كون الثانية هي الصواب فقط، وكأنهم فهموا أن قوله (( فهو بخير النظرين ) )يقضي بخطأ هذه الرواية إذ المقتول لا نظر له.

قلت: وليس بشيء إذ يمكن جعل الضمير من قوله فهو عائدًا إلى الولي المفهوم من السياق فاستقام الكلام وصحت الروايتان جميعًا فلله الحمد انتهى.

وقال العيني: والتحقيق هنا أن يقدر فيه مبتدأ محذوف وحذفه سائغ شائع، والتقدير: فمن أهله قتل فهو بخير النظرين، فمن مبتدأ وأهله قتل جملة من المبتدأ والخبر وقعت صلة للموصول وقوله: (( فهو ) )مبتدأ، وقوله: (( بخير النظرين ) )خبره والجملة خبر المبتدأ الأول والضمير في قتل يرجع إلى الأهل المقدر، وقوله: هو يرجع إلى من، والباء في قوله: بخير النظرين يتعلق بمحذوف تقديره فهو مرضي بخير النظرين أو عامل أو مأمور أو نحو ذلك، وتقدير مخير ليس بمناسب ومعنى خير النظرين أفضلهما انتهى.

ولا يخفى عليك ما فيه من التعسف، ولعل ما ذهب إليه صاحب (( المصابيح ) )أقرب، ولا يرد عليه أنه على تقدير جعل ضمير هو للولي المفهوم من السياق تخلو الجملة الواقعة خبرًا عن ضمير لأن ذلك الضمير يرجع إلى الولي المضاف إلى ضمير المبتدأ، فيصير ما له فمن قتل فوليه بخير النظرين على حد قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة:234] أي يتربص أزواجهن، وفسر النظرين المخير في خيرهما بقوله:

(إِمَّا يُعْقَلَ) بالبناء للمفعول؛ أي: يعطى العقل وهو الدية (وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ) بالبناء للمفعول؛ أي: يقاد قاتل قتيله؛ أي: يقتص منه، فنائب فاعل يقاد مضمر ونائب فاعل يعقل أهل القتيل، كذا في (( منحة الباري ) ).

ولا يخفى أن فيه الفصل بين العامل والمعمول بأجنبي وهو جملة يقاد الراجع الضمير فيها إلى قاتل القتيل.

وقال في (( المصابيح ) ): يعقل؛ أي: يدفع عقله وهو الدية وإما أن يقاد.

قال الزركشي: أي: يقتل.

قلت: لا ينتظم مع قوله أهل القتيل إذ يصير المعنى: وإما أن يقتل

ج 1 ص 527

أهل القتيل وهو باطل ولعل معنى يقاد يمكن من القود وهو القتل؛ أي: وإما أن يمكن أهل القتيل من القود فيستقيم المعنى انتهى.

قال الكرماني: وفي بعض النسخ: بالفاء يقال: أفدت المال؛ أي: أعطيته، وفي بعضها يفادى يقال: فداه وفاداه إذا أعطى فداه.

فإن قلت: فيلزم التكرار سواء كان من الأجوف أو من الناقص أو هو معنى يعقل بعينه.

قلت: على هذا التقدير يخصص العقل بالدية التي يتحملها العاقلة وهي دية القتل الخطأ والفداء بدية يتحملها الجاني انتهى.

وقال في (( الفتح ) ): ووقع في رواية لمسلم إما أن يفادى بالفاء وزيادة ياء بعد الدال، والصواب أن الرواية على وجهين من قالها بالقاف قال فيما قبلها إما أن يعقل من العقل وهو الدية، ومن قالها بالفاء قال فيما قبلها إما أن يقتل بالقاف والمثناة والحاصل تفسير النظرين بالقصاص أو الدية انتهى.

وقال الكرماني: على الرواية الأولى فإن قلت فهل هو من باب تنازع الفعلين على لفظ الأهل؟.

قلت: نعم انتهى.

قال في (( منحة الباري ) ): وهو صحيح لكن مع تعسف زائد انتهى.

وقال الكرماني أيضًا: وفيه دليل للشافعي في أن الولي بالخيار بين القصاص وبين أخذ الدية، وإن له إجبار الجاني على أي الأمرين شاء.

وقال مالك: ليس للولي إلا القتل أو العفو وليس له الدية إلا برضا الجاني.

وقال أهل العراق: ليس له إلا القصاص فإن ترك حقه منه لم يكن له أن يأخذ الدية انتهى.

أقول: ظاهره افتراق مذهب العراقيين عن قول مالك؛ لأنه قيد امتناع أخذ الدية في قوله بعدم رضا الجاني وأطلق الامتناع في قولهم، والذي يقتضيه كلام العيني عدم الفرق؛ لأنه بعد أن حكى قول الإمام مالك قال: وبه قال الكوفيون.

ثم قال العيني: والتحقيق في هذا المقام أن قوله: فهو بخير النظرين نظرًا للقاتل إشارة إلى أن الرفق له مطلوب حتى كان العفو مندوبًا إليه، ويجوز أن يكون تأويله فهو بخير النظرين من رضا القاتل ورضا نفسه، فإن كان رضا القاتل خيرًا له، وقد اختار الفداء فله قبول ذلك، وإن كان رضا نفسه بالاقتصاص خيرًا له فله فعل ذلك، وينبغي أن لا يقف عند رضا نفسه البتة؛ لأن القاتل باختيار الدية قد يكون خيرًا له فيؤول وجوب الدية إلى رضا القاتل انتهى.

(فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ) قال في (( الفتح ) ): هو أبو شاه بهاء منونة، وسيأتي في اللقطة مسمى انتهى.

وعن ابن دحية: أنه بالتاء ممنوعًا، ورده النووي فقال: هو بهاء في آخره وصلًا ووقفًا، قال: وهذا لا خلاف فيه ولا تغتر بكثرة من يصحفه ممن لا يأخذ العلم على وجهه انتهى.

(فَقَالَ: اكْتُبْ لِي) أي: مر لي بكتابة الخطبة التي سمعتها منك آنفًا، وهذا موضع المطابقة للترجمة (يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (اكْتُبُوا لأَبِي فُلاَنٍ) أي: أبي شاه، ولم يعرف إلا بكنيته وهو يمني كلبي (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ) هو العباس بن عبد المطلب كما يأتي في اللقطة، ووقع في رواية لابن أبي شيبة (( فقال رجل من قريش يقال له شاه ) )وهو غلط، كذا في (( الفتح ) ).

(إِلاَّ الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) بكسر الهمزة وسكون الذال المعجمة وكسر الخاء المعجمة نبت طيب الرائحة واحدته إذخرة.

قال في (( الفتح ) ): في روايتنا بالنصب ويجوز الرفع على البدل مما قبله.

قال الكرماني: فإن قلت: ليس في كلام العباس ما يستثنى منه الإذخر فما المستثنى منه؟.

قلت: مثله ليس مستثنى بل هو تلقين بالاستثناء فكأنه قال: قل يا رسول الله لا يختلى شوكها ولا يعضد شجرها إلا الإذخر، وأما الواقع في لفظه صلى الله عليه وسلم فهو ظاهر أنه استثناء من كلامه السابق انتهى.

وتعقبه العيني فقال: كل منهما استثناء، والتقدير الذي قدره يدل على ذلك وهو المستثنى منه كما في الواقع في لفظ الرسول، ويجوز فيه الرفع على البدل مما قبله والنصب على الاستثناء لكونه واقعًا بعد النفي انتهى.

وقال العيني أيضًا: فإن قلت: كيف جاز هذا الاستثناء وشرطه الاتصال بالمستثنى منه وهاهنا قد وقع الفاصل.

ج 1 ص 528

قلت: قال الكرماني: جاز الفصل عند ابن عباس فلعل أباه أيضًا جوز ذلك، أو الفصل كان يسيرًا وهو جائز اتفاقًا، وفيه نظر من وجهين:

أحدهما: أنه قال أولًا: مثله ليس مستثنى بل هو تلقين بالاستثناء فإذا لم يكن مستثنى لم يرد سؤاله.

والآخر: قوله: أو الفصل كان يسيرًا، وليس كذلك بل الفصل كثير، والصواب ما ذكرنا أن المستثنى منه محذوف والاستثناء منه من غير فصل انتهى.

(فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا) للسقف فوق الخشب أو يخلط بالطين ليثبت ولا ينشق إذا بني به (وَقُبُورِنَا) نسد به فرج اللحد المتخلل بين اللبنات، وفي الحج من حديث ابن عباس: (( لصاغتنا وقبورنا ) ).

(فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إِلاَّ الإِذْخِرَ) وفي رواية الأصيلي: تكراره مرتين للتأكيد، ويقدر هنا المستثنى منه كما سبق لئلا يرد الإشكال السابق.

قال العيني: استدل أهل الأصول بهذا الحديث وشبهه على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متعبدًا باجتهاده فيما لا نص فيه وهو الأصح عندهم ومنعه بعضهم، وممن قال بالأول الشافعي وأحمد وأبو يوسف واختاره الآمدي، وصحح الغزالي الجواز وتوقف في الوقوع.

وقال الرازي: توقف أكثر المحققين في الكل وجوزه بعضهم في أمر الحرب دون غيره، واستدل من قال بوقوعه بما جاء في هذا الحديث، وفي قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل أحجنا هذا لعامنا أم للأبد (( ولو قلت نعم وجب ) )، وبقوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران:159] وبقوله تعالى في أسارى بدر: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ} [الأنفال:67] الآية، ولو كان حكم بالنص لما عوتب.

وأجاب المانعون عن الكل بأنها يجوز أن يقارنها نصوص أو يتقدم عليها بأن يوحى إليه بأنه إذا كان كذا فافعل كذا، مثل أن لا يستثنى إلا الإذخر حين سأل العباس، أو كان جبريل عليه السلام حاضرًا فأشار عليه به، وحينئذ يكون بالوحي لا بالاجتهاد.

وقال المهلب: يجوز أن الله تعالى أعلم رسوله بتحليل المحرمات عند الاضطرار فكان هذا من ذلك الأصل فلما سأل العباس حكم فيه.

وقال بعضهم في قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران:159] أنه مخصوص بالحرب انتهى. ووقع في فرع اليونينية هنا زيادة وهي: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) أي: البخاري (يُقَالُ: يُقَادُ بِالْقَافِ، فَقِيلَ لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: أَيَّ شَيْءٍ كَتَبَ لَهُ؟ قَالَ: كَتَبَ لَهُ هَذِهِ الْخُطْبَةَ) وليس هذا التفسير عند أبي ذر والأصيلي وأبي الوقت وابن عساكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت