فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 1465

113 -وبه قال:

(حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) ابن المديني (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) أي: ابن عيينة (قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو) ابن دينار أبو محمد المكي الجمحي أحد الأئمة المجتهدين المتوفى سنة ست وعشرين ومئة.

(قَالَ: أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ) بضم الميم وفتح النون وكسر الموحدة المشددة، ابن كامل بن سيج بفتح السين المهملة، وقيل: بكسرها وسكون المثناة التحتية وبعدها جيم الصنعاني اليماني الأبناوي الذماري، سمع هنا عن أخيه.

قال الباجي: لم أر له في البخاري غير هذا الموضع، وسمع في غير البخاري جابرًا وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وأبا هريرة وغيرهم.

قال أبو زرعة: يماني ثقة، وكذا قال النسائي، وقال الغلاس: ضعيف، وهو مشهور بمعرفة الكتب الماضية، قال: قرأت من كتب الله تعالى اثنين وتسعين كتابًا، وهو من أبناء الذين بعثهم كسرى إلى اليمن، وقيل: أصله من هراة، مات سنة أربع عشرة ومئة، روى له الجماعة إلا ابن ماجه، وأخرج له مسلم في الزكاة عن أخيه همام، واتفق البخاري ومسلم في الإخراج عنه عن أخيه همام لا غير.

(عَنْ أَخِيهِ) همام بن منبه المتوفى سنة إحدى وثلاثين ومائة (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه (يَقُولُ: مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَحَدٌ) الجار والمجرور في محل نصب على الحال من أحد؛ لأن نعت النكرة إذا قدم عليها أعرب حالًا وأحد بالرفع اسم ما الحجازية.

وقوله: (أَكْثَرَ) بالنصب خبرها، وعلى رواية الرفع فهي تميمية (حَدِيثًا) منصوب على التمييز من أكثر (عَنْهُ) في محل نصب صفة لحديثًا (مِنِّي) متعلق بأكثر.

وقال العيني: كلمة ما للنفي، وقوله: (( أحد ) )بالرفع اسمها وكلمة (( من ) )ابتدائية تتعلق بمحذوف والتقدير: ما أحد مبداه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: (( أكثر ) )بالرفع صفة أحد، ويروى بالنصب أيضًا، وهو الأوجه لأنه خبر ما.

ج 1 ص 529

وقوله: (( حديثًا ) )نصب على التمييز، ولفظة: (( أكثر ) )أفعل تفضيل، ولا يستعمل إلا بأحد الأمور الثلاثة كما عرف في موضعه، وهاهنا استعمل بمن وهو قوله (( مني ) )ولكن فصل بينه وبينه بقوله: (( حديثًا عنه ) )لأنه ليس بأجنبي والضمير في عنه يرجع إلى (( أحد ) )انتهى.

وفي كلامه نظر من وجوه:

الأول: أنه قال أن كلمة ما للنفي، ولم يبين أنها حجازية أو تميمية مع اختلاف أثريهما اللهم إلا أن يقال أن قوله: (( أحد ) )بالرفع اسمها يعين أنها الحجازية.

الثاني: جعله من في (( من أصحاب رسول الله ) )ابتدائية، والظاهر أنها تبعيضية.

الثالث: جعله (( أكثر ) )على رواية الرفع صفة لأحد، والظاهر أنه خبر عنه وأن ما على هذه الرواية غير عاملة لفقد شرط عملها عند الحجازيين كما سيأتي في كلام الدماميني.

ويدل على أن أكثر هو الخبر رواية النصب كما اعترف به بقوله: ويروى بالنصب أيضًا ... إلخ، ولا يظهر فرق في خبرية أكثر بين رواية الرفع والنصب؛ لأنه محط الفائدة، إلا أن يجعل (( من أصحاب النبي ) )خبرًا مقدمًا، و (( أحد ) )مبتدأ مؤخرًا، فحينئذ يتعين أن يكون (( أكثر ) )صفة لأحد لاستيفاء المبتدأ خبره، وليس في كلامه إشارة إلى خبرية الجار والمجرور.

الرابع: جعله الضمير في (( عنه ) )راجعًا لأحد، والصواب رجوعه للنبي صلى الله عليه وسلم.

وقال الزركشي: (( أحد ) )بالرفع اسم ما وأكثر صفته، ويروى بنصب (( أكثر ) ).

وتعقبه البدر الدماميني فقال: قوله اسم ما يقتضي أنها عاملة، وأحد الشروط متخلف وهو تأخير الخبر وافتقارهم لتقدم الظرف دائمًا إنما هو إذا كان معمولًا للخبر لا خبر، أو إما نصب (( أكثر ) )فيحتمل أن يكون حالًا من الضمير المستكن في الظرف المتقدم على بحث فيه فتأمله.

قال: والذي يظهر أن ما هذه مهملة غير عاملة عمل ليس، وأن (( أحد ) )مبتدأ و (( أكثر ) )صفته و (( من أصحاب النبي ) )خبره انتهى.

وهذا التوجيه لا كلام في صحته لولا عدم مطابقته للمقصود لأن محط الفائدة، نفي كون (( أحد أكثر منه حديثًا ) )لا كونه من أصحاب رسول الله فليتأمل.

(إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) ابن العاص رضي الله عنهما (فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلاَ أَكْتُبُ) قال العيني تبعًا للكرماني: هذا الاستثناء يجوز أن يكون منقطعًا على تقدير، لكن الذي كان من عبد الله بن عمرو؛ أي: الكتابة لم تكن مني، والخبر محذوف بقرينة باقي الكلام سواء يلزم منه كونه أكثر حديثًا، إذ العادة جارية على أن شخصين إذا لازما شيخًا مثلًا وسمعا منه الأحاديث يكون الكاتب أكثر حديثًا من غيره أم لا، ويجوز أن يكون متصلًا نظرًا إلى المعنى إذ (( حديثًا ) )وقع تمييزًا والتمييز كالمحكوم عليه، فكأنه قال: ما أحد حديثه أكثر من حديثي إلا أحاديث حصلت من عبد الله.

قال الكرماني: وفي بعض الروايات: (( ما كان أحد أكثر حديثًا عنه مني إلا عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب ) )انتهى.

وقال في (( الفتح ) )في قوله: (( فإنه كان يكتب ولا أكتب ) ): هذا استدلال من أبي هريرة على ما ذكره من أكثرية ما عند عبد الله بن عمرو على ما عنده، ويستفاد من ذلك أن أبا هريرة كان جازمًا بأنه ليس في الصحابة أكثر حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم منه إلا عبد الله مع أن الموجود المروي عن عبد الله بن عمرو أقل من الموجود المروي عن أبي هريرة بأضعاف مضاعفة.

فإن قلنا: الاستثناء منقطع فلا إشكال إذ التقدير لكن الذي كان من عبد الله وهو الكتابة لم يكن مني سواء لزم منه كونه أكثر حديثًا كما تقتضيه العادة أم لا، وإن قلنا: الاستثناء متصل فالسبب فيه من جهات:

إحداها: أن عبد الله كان مشتغلًا بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم فقلت الرواية عنه.

ثانيها: أنه كان أكثر مقامه بعد فتوح الأمصار بمصر أو بالطائف ولم تكن الرحلة إليهما ممن يطلب العلم كالرحلة إلى المدينة، وكان أبو هريرة متصديًا فيها للفتوى والتحديث إلى أن مات، ويظهر هذا من كثرة من حمل عن أبي هريرة، فقد ذكر البخاري أنه روى عنه ثمانمئة نفس من التابعين، ولم يقع هذا لغيره.

ثالثها: ما اختص به أبو هريرة من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم له بأن لا ينسى ما يحدث به كما سنذكره قريبًا

رابعها: أن عبد الله كان قد ظفر بالشام بحمل جمل من كتب أهل الكتاب فكان ينظر فيها ويحدث منها فتجنب الأخذ عنه لذلك كثير من أئمة التابعين انتهى.

وقال في (( المصابيح ) )في إعراب قوله: (( إلا ما كان من عبد الله بن عمرو ) ): إشكال وذلك لأن ما

ج 1 ص 530

هي عبارة عن المستثنى، وسواء جعلها موصولة أو موصوفة لا يتأتى منه أن يصير المعنى إلا الحديث الذي كان من ابن عمرو، أو إلا حديثًا كان منه فإنه أكثر حديثًا عنه مني، ولا يتصور إلا، ولو قيل: إلا عبد الله بن عمرو لم يكن إشكال فتأمله انتهى.

وأقول: إن كان الاستثناء منقطعًا فلا إشكال، وإن كان متصلًا فجوابه ما تقدم عن العيني والكرماني من قوله: ويجوز أن يكون متصلًا نظرًا إلى المعنى ... إلخ، ولعل ذلك هو التكلف الذي أشار إليه.

(تَابَعَهُ) أي: تابع وهب بن منبه في روايته لهذا الحديث عن همام (مَعْمَرٌ) ابن راشد (عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) قال في (( الفتح ) ): والمتابعة المذكورة أخرجها عبد الرزاق عن معمر، وأخرجها أبو بكر بن علي المروزي في كتاب العلم له عن حجاج بن الشاعر عنه، وروى أحمد والبيهقي في (( المدخل ) )من طريق عمرو بن شعيب عن مجاهد والمغيرة بن حكيم قالا: سمعنا أبا هريرة يقول: (( ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب بيده ويعي بقلبه، وكنت أعي ولا أكتب، استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتابة عنه فأذن له ) )إسناده حسن.

وله طريق أخرى أخرجها العقيلي في ترجمة عبد الرحمن بن سلمان، عن عقيل، عن المغيرة بن حكيم سمع أبا هريرة قال: (( ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مني إلا عبد الله بن عمرو فإنه كان استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب بيده ما سمع منه فأذن له ) )الحديث.

ولهذا طرق أخرى عن عبد الله بن عمرو يقوي بعضها بعضًا، ولا يلزم منه أن يكونا في الوعي سواء لما بيناه من اختصاص أبي هريرة بالدعاء بعدم النسيان، ويحتمل أن يقال: يحمل أكثرية عبد الله بن عمرو عليه على ما قارنه من الكتابة قبل الدعاء لأبي هريرة؛ لأنه قال في حديثه: (( فما نسيت شيئًا بعد ) ).

فجاز أن يدخل عليه النسيان فيما سمعه قبل بخلاف عبد الله، فإن الذي سمعه مضبوط بالكتابة، والذي انتشر عن أبي هريرة مع ذلك أضعاف ما انتشر عن عبد الله بن عمرو لتصدي أبي هريرة لذلك ومقامه بالمدينة النبوية بخلاف عبد الله في الأمرين انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت