فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 1465

114 -وبالسند إلى المؤلف قال:

(حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) ابن يحيى الجعفي الكوفي أبو سعيد سكن مصر ومات بها سنة سبع أو ثمان وثلاثين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ) ابن مسلم المصري (قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ) ابن يزيد الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهري.

(عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بالتصغير (بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) ابن عتبة بن مسعود أبي عبد الله الفقيه الأعمى أحد الفقهاء السبعة بالمدينة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما.

(قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ) أي: قوي وزاد (بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَجَعُهُ) أي: مرضه الذي توفي فيه وكان ذلك يوم الخميس قبل موته بأربعة أيام كما عند المؤلف في الوفاة من حديث سعيد بن جبير.

(قَالَ: ائْتُونِي بِكِتَابٍ) يجوز أن يكون باقيًا على مصدريته فيكون من مجاز الحذف؛ أي: بأدوات كتابة كالدواة والقلم، ويجوز أن يراد به ما من شأنه أن يكتب فيه كالورق والكتف؛ لأنهم كانوا يكتبون فيه فيكون من قبيل مجاز الأول كقوله تعالى: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} [يوسف:36] ويدل عليه رواية مسلم قال: (( ائتوني بالكتف والدواة ) )والمراد بالكتف عظم الكتف؛ لأنه الذي يصلح أن يكتب فيه.

(أَكْتُب لَكُمْ) بالجزم جواب الأمر (كِتَابًا لاَ تَضِلُّوا بَعْدَهُ) بفتح الفوقية وكسر الضاد المعجمة مجزوم بحذف النون على البدلية من جواب الأمر، ومعنى كتابته مع أنه أمي أنه يأمر بها، أو أنه يأتى بها، لأن الأمي من لا يحسن الكتابة لا من لا يقدر عليها، وقد ثبت في الصحيح أنه كتب بيده، كذا في (( منحة الباري ) ).

وفي (( مسند أحمد ) )من حديث علي أنه المأمور بذلك ولفظه: (( أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن آتيه بطبق؛ أي: كتف يكتب ما لا تضل أمته من بعده ) ).

قال ابن الملقن وغيره: واختلف العلماء في الكتاب الذي هم صلى الله عليه وسلم بكتابته.

قال الخطابي: يحتمل وجهين:

أحدهما: أنه أراد أن ينص على الإمامة بعده فترتفع تلك الفتن العظيمة كحرب الجمل وصفين، وقيل: أراد أن يكتب كتابًا فيه مهمات الأحكام ليحصل الاتفاق على المنصوص عليه، ثم ظهر للنبي صلى الله عليه وسلم أن المصلحة تركه أو أوحي إليه به.

وقال سفيان بن عيينة: أراد أن ينص على أسماء الخلفاء بعده حتى لا يقع بينهم الاختلاف، ويؤيده أنه صلى الله عليه وسلم قال في أول مرضه وهو عند عائشة رضي الله عنها: (( ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابًا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول

ج 1 ص 531

قائل ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر )) أخرجه مسلم، وللبخاري معناه ومع ذلك فلم يكتب، كذا في العيني.

(قَالَ عُمَرُ) ابن الخطاب لمن حضره من الصحابة رضي الله عنهم (إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم غَلَبَهُ الْوَجَعُ) أي: ألم اشتداد المرض؛ أي: فيشق عليه إملاء الكتاب أو مباشرة الكتابة (وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا) خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو حسبنا؛ أي: كافينا.

قال في (( الفتح ) ): وكأن عمر رضي الله عنه فهم من ذلك أنه يقتضي التطويل.

قال القرطبي وغيره: ائتوني آمر وكان حق المأمور أن يبادر للامتثال، لكن ظهر لعمر مع طائفة أنه ليس على الوجوب، وأنه من باب الإرشاد إلى الأصلح فكرهوا أن يكلفوه من ذلك ما يشق عليه في تلك الحالة مع استحضار قوله تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [الأنعام:38] وقوله تعالى: {تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} [النحل:89] ولهذا قال عمر: حسبنا كتاب الله، وظهر لطائفة أخرى أن الأولى أن يكتب لما فيه من امتثال أمره، وما يتضمنه من زيادة الإيضاح، ودل أمره لهم بالقيام على أن أمره الأول كان على الاختيار، ولهذا عاش صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أيامًا ولم يعاود أمرهم بذلك، ولو كان واجبًا لم يتركه لاختلافهم؛ لأنه لم يترك التبليغ لمخالفة من خالف، وقد كان الصحابة يراجعونه في بعض الأمور ما لم يجزم بالأمر، فإذا عزم امتثلوا، وسيأتي بسط ذلك في كتاب الاعتصام إن شاء الله تعالى.

وقد عد هذا من موافقات عمر، واختلف في المراد بالكتاب فقيل: كان أراد أن يكتب كتابًا ينص فيه على الأحكام لترتفع الاحتمالات، ثم ذكر ما تقدم عن الخطابي ثم قال: والأول أظهر لقول عمر: (( كتاب الله حسبنا ) )أي: كافينا مع أنه يشمل الوجه الثاني؛ لأنه بعض أفراده انتهى.

وقال الخطابي: إنما ذهب عمر إلى أنه لو نص بما يزيل الخلاف لبطلت فضيلة العلماء وعدم الاجتهاد، وتعقبه ابن الجوزي بأنه لو نص على شيء أو أشياء لم يبطل الاجتهاد؛ لأن الحوادث لا يمكن حصرها انتهى.

(فَاخْتَلَفُوا) أي: الصحابة رضي الله عنهم فوافقت طائفة منهم عمر، وقالت طائفة: نمتثل أمر النبي صلى الله عليه وسلم لما فيه من زيادة الإيضاح (وَكَثُرَ) بضم المعجمة (اللَّغَطُ) بفتح اللام والغين المعجمة وقد تسكن وهو الصوت والجلبة (قَالَ) النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى اختلافهم، وفي رواية: بالفاء، وفي أخرى: بالواو (قُومُوا عَنِّي) أي: اذهبوا متباعدين عني.

قال الكرماني: وهو يستعمل باللام أيضًا نحو: {وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ} [البقرة:238] وبإلى نحو: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة:6] وبالباء نحو: قام بأمر كذا، وبغير صلة نحو: قام زيد، وتختلف المعاني بحسب الصلات لتضمن كل صلة معنى يناسبها.

(وَلاَ يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ) أي الاختلاف المؤدي للتنازع والتخاصم، وفيه كما في (( الفتح ) )والعيني بأن الأولى كان المبادرة إلى امتثال الأمر وإن كان ما اختاره عمر صوابًا.

(فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ) أي: من المكان الذي كان فيه عند تحديثه بهذا الحديث لا أنه كان معهم عند النبي صلى الله عليه وسلم فخرج كما يقتضيه ظاهر التعبير حال كونه (يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ) بفتح الراء وكسر الزاي بعدها ياء ساكنة ثم همزة وقد تسهل فتشدد الياء كخطية.

(كُلَّ الرَّزِيَّةِ) بالنصب على التأكيد (مَا حَالَ) أي: الذي حجز (بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ كِتَابِهِ) قال العيني: ظاهره أن ابن عباس كان معهم وأنه في تلك الحالة خرج قائلًا هذه المقالة، وليس الأمر في الواقع على ما يقتضيه هذا الظاهر، بل قول ابن عباس إنما كان يقوله عندما يحدث بهذا الحديث، ففي رواية معمر في البخاري في الاعتصام وغيره: (( قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول ) )، وكذا لأحمد من طريق جرير بن حازم عن يونس بن يزيد، ووجه رواية حديث الباب أن ابن عباس لما حدث عبيد الله بهذا الحديث خرج من المكان الذي كان فيه وهو يقول ذلك، وإنما تعين حمله على غير ظاهره؛ لأن عبيد الله تابعي من الطبقة الثانية لم يدرك القصة في وقتها لأنه ولد بعد النبي صلى الله عليه وسلم بمدة طويلة ثم سمعها من ابن عباس بعد ذلك بمدة أخرى انتهى.

قال الكرماني: فإن قيل: كيف يجوز لعمر أن يعترض على ما رآه الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر الدين ولا يسرع إلى قبوله، أفتراه خاف أن يتكلم عليه السلام بغير الحق ويجري على لسانه الباطل؟ حاشاه من ذلك.

قلت: لا يجوز على عمر أن يتوهم الغلط على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يظن به التهمة في حال من الأحوال إلا أنه لما نظر أنه قد أكمل الله الدين وتمم شرائعه، وقد غلب الوجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأظلته الوفاة، وهو بشر يعتريه من الآلام ما يعتري البشر أشفق أن يكون ذلك القول من نوع ما يتكلم به المريض مما لا عزيمة له فيه فيتخذه المنافقون سبيلًا إلى تلبيس

ج 1 ص 532

أمر الدين، وقد كان أيضًا صلى الله عليه وسلم يرى الرأي في الأمر فيراجعه أصحابه في ذلك إلى أن يعزم الله له على شيء كما راجعوه يوم الحديبية فيما كتب بينه وبين قريش، فإذا أمر بالشيء أمر عزم لم يراجع فيه، ولم يخالف عليه، وأكثر العلماء جوزوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم الاجتهاد فيما لم ينزل عليه الوحي فيه، وهو يحتمل الخطأ، ولكنهم مجمعون على أن تقريره على الخطأ غير جائز، ومعلوم أن الله تعالى وإن كان قد رفع درجته فوق الخلق كلهم فإنه لم يبرئه من سمات الحدوث والعوارض البشرية، فقد سها في الصلاة فلا ينكر أن يظن به بعض هذه الأمور في مرضه، فلذلك رأى عمر المصلحة في التوقف والله أعلم. ومع هذا كله يجب أن تعلم أن ذلك القول منه لو كان عزيمة لأمضاه الله تعالى انتهى.

قال في (( الفتح ) ): ويستفاد منه ومن حديث علي المتقدم ومن قصته إلى شاه أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في كتابة الحديث عنه وهو يعارض حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تكتبوا عني شيئًا غير القرآن ) )رواه مسلم.

والجمع بينهما أن النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره والإذن في غير ذلك، أو أن النهي خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد والإذن في تفريقهما، أو النهي متقدم والإذن ناسخ له عند الأمن من الالتباس وهو أقربها مع أنه لا ينافيها.

وقيل: النهي خاص بمن خشي منه الاتكال على الكتاب دون الحفظ والإذن لمن أمن منه ذلك، ومنهم من أعل حديث أبي سعيد وقال: الصواب وقفه على أبي سعيد قاله البخاري وغيره.

وقال بعض العلماء: كره جماعة من الصحابة والتابعين كتابة الحديث، واستحبوا أن يؤخذ عنهم حفظًا كما أخذوه حفظًا لكن لما قصرت الهمم وخشي الأئمة ضياع العلم دونوه، وأول من دون الحديث ابن شهاب الزهري على رأس المئة بأمر عمر بن عبد العزيز، ثم كثر التدوين ثم التصنيف وحصل بذلك خير كثير فلله الحمد.

تتمة: قال في (( الفتح ) ): قدم المؤلف حديث علي أنه كتب عن النبي صلى الله عليه وسلم ويطرقه احتمال أن يكون إنما كتب ذلك بعد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبلغه النهي.

وثنى بحديث أبي هريرة وفيه الأمر بالكتابة وهو بعد النهي فيكون ناسخًا، وثلث بحديث عبد الله بن عمرو، وقد بينت أن في بعض طرقه أذن النبي صلى الله عليه وسلم له في ذلك، فهو أقوى في الاستدلال للجواز من الأمر أن يكتبوا لأبي شاه لاحتمال اختصاص ذلك بمن يكون أميًا أو أعمى، وختم بحديث ابن عباس الدال على أنه صلى الله عليه وسلم هم أن يكتب لأمته كتابًا يحصل معه الأمن من الاختلاف، وهو لا يهم إلا بحق انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت