فهرس الكتاب

الصفحة 207 من 1465

115 -وبالسند إلى المؤلف قال:

(حَدَّثَنَا صَدَقَةُ) بفتح الصاد والدال المهملتين والقاف؛ أي: ابن الفضل المروزي، المتوفى سنة ثلاث أو ست وعشرين ومئتين، وانفرد المؤلف بالإخراج عنه عن بقية الستة قال:

(أَخْبَرَنَا) سفيان (ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَعْمَرٍ) بميمين مفتوحتين بينهما عين مهملة ساكنة ابن راشد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم بن شهاب (عَنْ هِنْدٍ) بنت الحارث الفراسية بكسر الفاء والسين المهملة، وفي رواية الكشميهني بدلها: وهي المرادة روى لها الستة.

(عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) بفتحات واسمها هند، وقيل: رملة أم المؤمنين بنت سهل بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، كانت عند أبي سلمة فتوفي عنها فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد غزوة بدر، روي لها عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثمئة حديث وثمانية وسبعون حديثًا، اتفقا منها على ثلاثة عشر حديثًا، هاجرت إلى الحبشة وإلى المدينة، وقال ابن سعد: هاجر بها أبو سلمة إلى الحبشة في الهجرتين جميعًا، فولدت له هناك زينب ثم ولدت بعدها سلمة ودرة، وتوفيت سنة تسع وخمسين، وقيل: سنة ستين، عن أربع وثمانين سنة، وصلى عليها أبو هريرة في الأصح، واتفقوا على أنها دفنت في البقيع، روى لها الجماعة، وكانت آخر أمهات المؤمنين وفاة.

(وَعَمْرٍو) بالرفع.

قال في (( الفتح ) ): كذا في روايتنا ويجوز الكسر، والمعنى أن ابن

ج 1 ص 533

عيينة حدثهم عن معمر ثم قال: وعمرو، وهو ابن دينار، فعلى رواية الكسر يكون معطوفًا على معمر، وعلى رواية الرفع يكون استئنافًا، كأن ابن عيينة حدث بحذف صيغة الأداء، وقد جرت عادته بذلك، وقد روى الحميدي هذا الحديث في (( مسنده ) )عن ابن عيينة قال: حدثنا معمر عن الزهري قال: وحدثنا عمرو ويحيى بن سعيد عن الزهري، فصرح بالتحديث عن الثلاثة انتهى.

(وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاري لا القطان؛ لأنه لم يلق الزهري حتى يكون سمع منه (عَنِ) ابن شهاب (الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ) بنت الحارث، وللأربعة: والمراد بها هند، قاله الكرماني

فإن قلت: شرط البخاري في شيوخه أن يكونوا مشاهير، ولا أقل منه، أما أن يكون مجهولًا، فكيف روى لها؟.

قلت: يحتمل في المتابعات ما لا يحتمل في الأصول، وهاهنا ذكرت متابعة أو ليست مجهولة إذ الرواية السابقة قرينة معرفة معينة لها.

(عَنْ) أم المؤمنين (أُمِّ سَلَمَةَ) رضي الله عنها (قَالَتِ: اسْتَيْقَظَ) أي: تيقظ؛ أي: انتبه من نومه (النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) وفي رواية أبي ذر: (ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي: في ليلة، فذات زائدة للتأكيد.

وقال الزمخشري: هو من إضافة المسمى إلى اسمه، وكانت تلك الليلة ليلة أم سلمة.

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (سُبْحَانَ اللَّهِ) سبحان علم للتسبيح، وانتصابه على المصدرية، والتسبيح في اللغة التنزيه، والمعنى هنا أنزه الله تنزيهًا عن كل ما لا يليق به، واستعماله هاهنا للتعجب لأن العرب قد تستعمله في مقام التعجب (مَاذَا أُنْزِلَ) ما اسم استفهام مبتدأ، وذا بمعنى الذي اسم موصول خبره، وأنزل بالبناء للمفعول صلة الموصول، وللكشميهني: .

(اللَّيْلَةَ) بالنصب ظرف لأنزل (مِنَ الْفِتَنِ، وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الْخَزَائِنِ) عبر عن العذاب بالفتن لأنها أسبابه، وعن الرحمة بالخزائن لقوله تعالى: {خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ} [ص:9] فاستعمل فيهما الإنزال مجازًا، والمراد به إعلام الملائكة بالأمر المقدر الذي سيقع في الحروب التي جرت بين الصحابة، والفتوحات التي فتحها الله تعالى على أمته من بعده، وكان صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أنه ستقع بعده فتن، وتفتح لهم الخزائن، وعرف عند الاستيقاظ حقيته بالتعبير وغيره، أو أنه أوحي إليه في اليقظة بذلك إما قبل النوم أو بعده، وهو من المعجزات فقد وقع بين أصحابه فتن أدت إلى المحاربة، وفتحت لهم الخزائن حيث مكن الله تعالى الصحابة وسلطهم على الملوك الأكاسرة من فارس فسلبوهم ملكهم وعلى الروم وغيرها.

(أَيْقِظُوا) بفتح الهمزة فعل أمر من الإيقاظ؛ أي: نبهوا (صَوَاحِبَ الْحُجَرِ) وفي رواية: جمع صواحب التي هي جمع صاحبة.

والحجر: بضم الحاء المهملة وفتح الجيم جمع حجرة بضم الحاء وسكون الجيم وهي منازل أزواجه رضي الله تعالى عنهن، وخصهن بالذكر؛ لأنهن الحاضرات حينئذ، وقيل: إنه من قبيل ابدأ بنفسك ثم بمن تعول في الدين كالدنيا؛ أي: أيقظوهن للصلاة والاستعاذة كما جاء في (( الصحيح ) ): من يوقظ صواحب الحجر حتى يصلين ويستعذن مما نزل.

(فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا) رب تستعمل للتكثير كثيرًا، وللتقليل قليلًا كما حققه ابن هشام في (( المغني ) )وهي هاهنا للتكثير؛ لأن هذا الوصف للنساء وهن أكثر أهل النار كما جاء في الصحيح، واستدل به ابن مالك على أن الغالب فيها التكثير.

قال في (( الفتح ) ): وهذا يدل لورودها في التكثير لا لأكثريتها فيه انتهى.

والغالب في متعلق (( رب ) )أن يكون فعلًا ماضيًا مقدرًا متأخرًا؛ أي: رب كاسية في الدنيا عرفتها (( وكاسية ) )هنا بمعنى النسب؛ أي: ذات كسوة، كقول الحطيئة:

~دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

وكذلك قوله:

(عَارِيَةٍ) بتخفيف الياء (فِي الآخِرَةِ) قال في (( الفتح ) ): وهي مجرورة في أكثر الروايات على النعت.

قال السهيلي: إنه الأحسن عند سيبويه لأن (( رب ) )عنده حرف جر تلزم صدر الكلام، قال: ويجوز الرفع على إضمار مبتدأ، والجملة في موضع النعت؛ أي: هي عارية، والفعل الذي تتعلق به رب محذوف انتهى.

ومعنى الحديث أن اللاتي يلبسن رقيق الثياب التي لا تمنع إدراك لون البشرة لغير أزواجهن معاقبات في الآخرة بفضيحة التعري، أو أن اللابسات للثياب الرقيقة النفيسة عاريات من الحسنات في الآخرة، فندبهن صلى الله عليه وسلم إلى الصدقة، وحضهن على ترك السرف في الدنيا بأن يأخذن منها أقل الكفاية ويتصدقن بما سوى ذلك، أو رب كاسية حلة الزوجية المشرفة لها في الدنيا وهي عارية عنها في الآخرة لا تنفعها إذا لم تضمها مع العمل، قال تعالى: {فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ} [المؤمنون:101] .

وأشار صلى الله عليه وسلم بذلك إلى موجب استيقاظ أزواجه؛ أي: لا ينبغي لهن

ج 1 ص 534

أن يتغافلن عن العبادة، ويعتمدن على كونهن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث كما في (( الفتح ) )جواز قول سبحان الله عند التعجب، وندبية ذكر الله تعالى بعد الاستيقاظ، وإيقاظ الرجل أهله بالليل للعبادة لاسيما عند آية تحدث، وفيه استحباب الإسراع إلى الصلاة عند خشية الشر، قال تعالى: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} [البقرة:45] وكان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة وأمر من رأى في منامه ما يكره بالصلاة، وفيه أنه ينبغي للعالم أن يحذر من يأخذ عنه من كل ما يتوقع حصوله، وأن يرشده إلى ما يدفع ذلك المحذور مع دخوله تحت قوله صلى الله عليه وسلم: (( الدين النصيحة ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت