فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 1465

116 -وبالسند إلى المؤلف رحمه الله تعالى قال:

(حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ) بالتكبير في الابن والتصغير في الأب (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأصيلي: (اللَّيْثُ) ابن سعد.

(قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) زاد في رواية أبي ذر: مولى الليث بن سعد أمير مصر لهشام بن عبد الملك المتوفى سنة سبع وعشرين ومئة، وفي رواية غير أبي ذر: .

(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهري (عَنْ سَالِمٍ) ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب (وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ) بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة، ولم يخرج له المؤلف سوى هذا الحديث مقرونًا بسالم.

(أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ) ابن الخطاب رضي الله عنهما (قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ) وللأربعة: باللام؛ أي: إمامًا لنا كقوله عليه الصلاة والسلام: (( قوموا فلأصلي لكم ) )وإلا فالصلاة لله تعالى لا لهم، وللكشميهني: بدل قوله: .

(صلى الله عليه وسلم الْعِشَاءَ) بكسر العين وبالمد؛ أي: صلاتها، وهي الصلاة التي وقتها بعد غروب الشفق الأحمر أو الأبيض على الخلاف في ذلك (فِي آخِرِ حَيَاتِهِ) قبل وفاته بشهر (فَلَمَّا سَلَّمَ) صلى الله عليه وسلم من صلاته.

(قَامَ، فَقَالَ: أَرَأَيْتَكُمْ) بفتح الفوقية التي هي ضمير الفاعل؛ لأنها بمعنى أخبروني، والكاف حرف خطاب لا محل لها من الإعراب، وتسميتها ضميرًا فيه مسامحة والهمزة للاستفهام في الأصل (لَيْلَتَكُمْ) أي: شأن ليلتكم أو خبرها.

قال في (( الفتح ) ): والرؤية بمعنى العلم أو البصر، والمعنى أعلمتم أو أبصرتم ليلتكم، وهي منصوبة على المفعولية، والجواب محذوف تقديره قالوا: نعم، قال: فاضبطوها انتهى.

وتعقبه العيني فقال: وليست الرؤية هنا بمعنى العلم؛ لأنها إذا كانت بمعنى العلم تقتضي مفعولين، وليس هاهنا إلا مفعول واحد وهو الليلة، وكم لا تصلح أن تكون مفعولًا آخر حتى تكون بمعنى العلم؛ لأنها حرف لا محل لها من الإعراب كما ذكرنا، ولو كانت اسمًا لوجب أن يقال: أريتموكم لأن الخطاب لجماعة انتهى.

وأقول: يمكن الجواب عن صاحب (( الفتح ) )بأن العلم الذي جعل الرؤية بمعناه العلم بمعنى المعرفة، وعلم إذا كانت بمعنى عرف تنصب مفعولًا واحدًا كقوله تعالى: {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا ً} [النحل:78]

ج 1 ص 535

ثم تعقب قوله أيضًا، والجواب محذوف ... إلخ بقوله قلت: كأن هذا القائل أخذ كلامه هذا من الزركشي في حواشيه، فإنه قال: والجواب محذوف التقدير: أرأيتكم ليلتكم هذه فاحفظوها واحفظوا تاريخها، فإن بعد انقضاء مئة سنة لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد انتهى.

وهذا ليس بشيء؛ لأن المعنى أبصرتم ليلتكم هذه، ولا يحتاج فيه إلى جواب؛ لأن هذا ليس باستفهام حقيقي انتهى.

وأقول: يمكن أن يكون مراد الزركشي بالجواب الجواب الذي يقتضيه المعنى في المحاورات لا الجواب الاصطلاحي، كجواب الشرط وجواب القسم والاستفهام على أن قوله: لأن هذا ليس باستفهام حقيقي يقتضي أن غير الحقيقي لا جواب له، وليس كذلك فإن الاستفهام التقريري غير حقيقي ويقتضي جوابًا، كقوله تعالى: {أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى} [البقرة:260] {أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى} [الأعراف:172] غير أن في إطلاق الزركشي الجواب على فاحفظوها مسامحة؛ لأنه من كلامه صلى الله عليه وسلم تقديرًا، والجواب يكون من قبل المخاطب لا من المتكلم بل هو مفرع على الجواب، فكأنه لما قال لهم: (( أرأيتكم ليلتكم هذه فأخبروني ألاحظتموها؟ فقالوا: بلى، فقال: احفظوها ... إلخ ) ).

وقوله: (هَذِهِ) نعت لليلتكم بتأويله بالمشار إليها لا بدل أو عطف بيان كما توهم؛ لأنه في الاسم المحلى بأل بعد اسم الإشارة كمررت بهذا الرجل (فَإِنَّ رَأْسَ) وفي رواية الأصيلي وأبي ذر وابن عساكر: (مِئَةِ سَنَةٍ) فاسم إن على الرواية الأولى رأس، وعلى الثانية ضمير الشأن كقوله عليه الصلاة والسلام: (( إن من أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون ) ).

وقوله: (مِنْهَا) أي: من ليلتكم صفة مئة سنة، وفيه دليل للكوفيين على أن من تكون لابتداء الغاية في الزمان، وأول ذلك البصريون ونظائره بما هو مذكور في كتب العربية والخبر على الروايتين.

قوله: (لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ) كذا قالوا وهو مشكل بالنظر إلى الرواية الأولى، إذ لا رابط في جملة الخبر بخلافه على الرواية الثانية؛ لأن الجملة المخبر بها عن ضمير الشأن لا تحتاج إلى رابط لأنها عينه في المعنى، والمراد نفي بقاء من هو موجود عليها إذ ذاك مئة سنة، فخرج من في السماء كعيسى عليه السلام، ومن في السحاب كالخضر، ومن في الهواء أو النار كإبليس، ومن يولد بعد.

وفي العيني قال النووي: المراد أن كل من كان تلك الليلة على الأرض لا يعيش بعدها أكثر من مئة سنة سواء قل عمره قبل ذلك أم لا، وليس فيه نفي عيش أحد بعد تلك الليلة فوق مئة سنة، ويقال: معنى الحديث أنه صلى الله عليه وسلم وعظهم بقصر أعمارهم بخلاف غيرهم من سائر الأمم، وقد احتج به البخاري ومن قال بقوله على موت الخضر، والجمهور على خلافه، ومن قال به أجاب عن الحديث بأنه من ساكني البحر فلا يدخل في الحديث، ومن قال أن معنى الحديث لا يبقى ممن ترونه وتعرفونه فالحديث عام أريد به الخصوص.

وقيل: أراد النبي صلى الله عليه وسلم بالأرض البلدة التي هو فيها، وقد قال الله تعالى: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً} [النساء:97] يريد المدينة، وقوله: ممن هو على وجه الأرض، احتراز عن الملائكة، ثم قال بعد أن نقل جواب الكرماني عن عيسى أنه في السماء، وعن إبليس أنه كان في الهواء أو في النار، أو المراد من لفظ من هو الإنس.

قلت: هذه كلها تعسفات ولا يرد على هذا لا بعيسى عليه السلام ولا بإبليس، فإن مراده صلى الله عليه وسلم ممن هو على ظهر الأرض أمته، أما المسلمون فإنهم أمة إجابة، وأما الكفار فإنهم أمة دعوة، وعيسى والخضر عليهما السلام ليسا داخلين في الأمة، وأما الشيطان فإنه ليس من بني آدم.

وقال ابن بطال: إنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذه المدة تخترم الجيل الذي هم فيه فوعظهم بقصر أعمارهم، وأعلمهم أن أعمارهم ليست كأعمار من تقدم من الأمم ليجتهدوا في العبادة، وبهذا الحديث يبطل دعوى رتن الهندي أنه صحابي معمر، وأنه عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم ستمئة سنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت