117 -وبه قال:
(حَدَّثَنَا آدَمُ) ابن أبي إياس (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ابن الحجاج (قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ) بفتحتين هو ابن عتيبة بالفوقية تصغير عتبة، تابعي صغير مات سنة أربع عشرة، وقيل: خمس عشرة ومئة.
ج 1 ص 536
(قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ) بضم الجيم وفتح الباء (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (قَالَ: بِتُّ) بكسر الموحدة ماضي يبيت؛ أي: نمت (فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ) أم المؤمنين رضي الله عنها.
(بِنْتِ الْحَارِثِ) يرسم بالألف وبدونها تخفيفًا إذا كان علمًا الهلالية (زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) ، وهي أخت لبابة الكبرى بنت الحارث، ولبابة هذه أول امرأة أسلمت بعد خديجة رضي الله عنهما وتوفيت ميمونة سنة إحدى وخمسين بسرف بالمكان الذي بنى بها فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلى عليها ابن عباس وهي آخر من تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولها في البخاري سبعة أحاديث.
(وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا) المختصة بها بحسب قسم النبي صلى الله عليه وسلم بين أزواجه (فَصَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْعِشَاءَ) في المسجد (ثُمَّ جَاءَ) منه (إِلَى مَنْزِلِهِ) الذي هو بيت ميمونة، والفاء في (( فصلى ) )لعطف المفصل على المجمل كما في قولهم: (( توضأ فغسل وجهه ويديه ) ).
قال الكرماني: هي الفاء التي تدخل بين المجمل والمفصل؛ لأن التفصيل إنما هو عقب الإجمال، ذكره الزمخشري في قوله تعالى: {فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة:226] انتهى بخلاف الفاء التي في قوله:
(فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ) فإنها للتعقيب (ثُمَّ نَامَ) بعد الصلاة (ثُمَّ قَامَ) من نومه (ثُمَّ قَالَ) ثم للتراخي في المواضع الثلاثة مع الترتيب (نَامَ الْغُلَيِّمُ) بضم الغين وتشديد الياء تصغير غلام تصغير تحبُّبٍ وشفقة، نحو يا بني، والمراد به ابن عباس، وقوله: (( نام ) )إما استفهام حذفت همزته بقرينة المقام وإما إخبار منه صلى الله عليه وسلم والأول أقرب.
(أَوْ) قال (كَلِمَةً) بالنصب عطفًا على محل نام (تُشْبِهُهَا) أي: تشبه نام الغليم، وأطلق عليها كلمة مجازًا؛ لأنها جملة (ثُمَّ قَامَ) عليه الصلاة والسلام (فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ) بفتح الياء أشهر من كسرها، وشبهت في الكسر بالشمال، وليس في كلامهم كلمة أولها ياء مكسورة إلا هذه، ويجوز تشديد السين مع فتح الياء.
(فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ) لأنه موقف المأموم إذا كان واحدًا، ويكره قيامه خلفه أو عن يساره على الأصح، والظاهر أن تلك الصلاة كانت نافلة ويؤخذ منه أن الجماعة في النفل إذا لم تكن على سبيل التداعي غير مكروهة.
(فَصَلَّى) وفي رواية ابن عساكر: بالواو (خَمْسَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) فصلهما عن الخمس إما لأنهما بسلام والخمس سلام، وإما لأن ابن عباس اقتدى به في الخمس فقط.
قال العيني: فصلى أربع ركعات الجملة في هذا الطريق أنه صلى إحدى عشرة ركعة أربعًا ثم خمسًا ثم ركعتين، وجاء في موضع من البخاري، فكانت صلاته ثلاث عشرة ركعة، وجاء في باب قراءة القرآن أنها كانت ثلاث عشرة ركعة غير ركعتي الفجر، فإن فيه فصلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم أوتر ثم اضطجع حتى أتاه المؤذن، فقام فصلى ركعتين ثم خرج فصلى الصبح، وهذا هو الأكثر في الروايات، ويجمع بينها بأن من رواه إحدى عشرة أسقط الأوليين وركعتي الفجر، ومن أثبت الأوليين عدها ثلاث عشرة، وقد وقع هذا الاختلاف في (( صحيح مسلم ) )من رواية واصل وغيره، وأجاب القاضي في الجمع بمثله، والمشهور أنها كانت واقعة واحدة انتهى ملخصًا.
(ثُمَّ نَامَ) عليه الصلاة والسلام (حَتَّى) أي: إلى أن (سَمِعْتُ غَطِيطَهُ) بفتح الغين المعجمة وكسر المهملة الأولى، وهو صوت نفس النائم عند استثقاله، وفي (( العباب ) ): غطيط النائم والمخنوق نخيرهما.
وقال في (( الفتح ) ): النخير أقوى من الغطيط، وتعقبه العيني بما في (( العباب ) )من أنهما سواء.
(أَوْ خَطِيطَهُ) بفتح الخاء المعجمة وكسر المهملة شك من الراوي، وهو بمعنى الأول، قاله الداوودي.
وقال ابن بطال: لم أجده بالخاء المعجمة عند أهل اللغة، وتبعه القاضي عياض فقال: هو هنا وهم انتهى. وقد نقل ابن الأثير عن أهل الغريب أنه دون الغطيط، كذا في (( الفتح ) ).
وقال العيني: الصواب مع الداوودي.
قال صاحب (( العباب ) ): وخط في نومه خطيطًا؛ أي: غط، وفي حديث: (( أنه صلى الله عليه وسلم أوتر بسبع أو تسع ثم اضطجع ونام حتى سمع خطيطه ) )ويروى غطيطه، ويروى: فخيخه بالفاء والخاءين المعجمتين، ويروى: ضفيزه بالضاد والزاي المعجمتين، ويروى: صفيره بالصاد والراء المهملتين، والخمسة
ج 1 ص 537
بمعنى واحد وهو نخير النائم انتهى ملخصًا.
(ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ) ولم يتوضأ لأن من خصائصه أن نومه مضطجعًا لا ينقض وضوءه؛ لأنه لا ينام قلبه وإن نامت عيناه، ولا يعارضه حديث نومه عليه الصلاة والسلام في الوادي إلى أن طلعت الشمس؛ لأن الشمس والفجر إنما يدركان بالعين لا بالقلب.
قال في (( الفتح ) ): ومناسبة حديث ابن عمر للترجمة ظاهرة لقوله فيه قام فقال بعد قوله صلاة العشاء، وأما حديث ابن عباس فقال ابن المنير ومن تبعه: يحتمل أن يريد أن أصل السمر ثبت بهذه الكلمة وهي قوله: (( نام الغليم ) )ويحتمل أن يريد ارتقاب ابن عباس لأحوال النبي صلى الله عليه وسلم، ولا فرق بين التعلم من القول والتعلم من الفعل، فقد سمر ابن عباس ليلته في طلب العلم، زاد الكرماني أو ما يفهم من جعله إياه على يمينه كأنه قال له: قف عن يميني، فقال: وقفت انتهى.
وكل ما ذكروه معترض؛ لأن من تكلم بكلمة واحدة لا يسمى سامرًا، وصنيع ابن عباس يسمى سهرًا لا سمرًا، إذ السمر لا يكون إلا عن تحدث، قاله الإسماعيلي وأبعدها الأخير؛ لأن ما يقع بعد الانتباه من النوم لا يسمى سمرًا.
وقال الكرماني تبعًا لغيره أيضًا: ويحتمل أن يكون مراد البخاري أن الأقارب إذا اجتمعوا لا بد أن يجري بينهم حديث للمؤانسة، وحديثه صلى الله عليه وسلم كله علم وفوائد.
قلت: والأولى من هذا كله أن مناسبة الترجمة مستفادة من لفظ آخر في هذا الحديث بعينه من طريق أخرى، وهذا يصنعه المصنف كثيرًا يريد به تنبيه الناظر في كتابه على الاعتناء بتتبع طرق الحديث، والنظر في مواقع ألفاظ الرواية؛ لأن تفسير الحديث بالحديث أولى من الخوض فيه بالظن، وإنما أراد البخاري هنا ما وقع في بعض طرق هذا الحديث مما يدل صريحًا على حقيقة السمر بعد العشاء، وهو ما أخرجه في التفسير وغيره من طريق كريب عن ابن عباس قال: (( بت في بيت ميمونة فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة ثم رقد ) )الحديث فصحت الترجمة بحمد الله تعالى من غير حاجة إلى تعسف ولا رجم بالظن.
فإن قيل: هذا إنما يدل على السمر مع الأهل لا في العلم.
فالجواب: أنه يلحق به والجامع تحصيل الفائدة أو هو بدليل الفحوى؛ لأنه إذا شرع في المباح ففي المستحب من طريق الأولى انتهى.
وتعقبه العيني بما حاصله أن قوله لأن من تكلم بكلمة لا يسمى سامرًا ممنوع لإطباق أهل اللغة على أن السمر هو التحدث بالليل قليلًا كان أو كثيرًا، وكذلك قوله: وصنيع ابن عباس يسمى سهرًا لا سمرًا، لأن السمر كما يطلق على القول يطلق على الفعل، يقال: سمر القوم الخمر إذا شربوها، وسامر الإبل ما رعى منها بالليل، يقال: إن إبلنا تسمر؛ أي: ترعى ليلًا، وأما قوله وأبعدها الأخير فهو أبعد اعتراضاته بل هو الأقرب؛ لأن قوله لأن ما يقع بعد الانتباه من النوم لا يسمى سمرًا مخالف لما قاله أهل اللغة، وبيان قرب الأخير الذي ادعى أنه أبعدها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان وقت جعله ابن عباس عن يمينه في مقام التعليم له، ولا شك أنه لم يكتف وقتئذ بمجرد الفعل بل علمه أيضًا بالقول لزيادة البيان ولاسيما كان ابن عباس يومئذ صغيرًا ولم يكن عالمًا بموقف المقتدي من الإمام.
وأما قوله والأولى من هذا كله أن مناسبة الترجمة ... إلخ، فكلام ليس له توجيه أصلًا فضلًا عن أن يكون أولى من غيره؛ لأن من يعقد بابًا بترجمة ويضع فيه حديثًا وكان قد وضع هذا الحديث بعينه في باب آخر، ولكن بطريق أخرى، وألفاظ أخرى مغايرة هل يقال مناسبة الترجمة من هذا الباب تستفاد من ذلك الحديث الموضوع في الباب الآخر فما أبعد هذا الكلام، وأبعد من هذا البعيد أنه علل ما قاله بقوله؛ لأن تفسير الحديث بالحديث أولى من الخوض فيه بالظن، فسبحان الله هؤلاء فسروا الحديث هاهنا أو ذكروا مطابقة الترجمة بالتقارب وما ذكره هو الرجم بالظن انتهى ملخصًا.
ولا يخفى ما في بعض هذه التعقبات من التحامل شعر
~وعين الرضى عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
وفي الحديث بيان حذق ابن عباس وفضله على صغر سنه حيث رصد النبي صلى الله عليه وسلم طول ليلته، وقيل: إن أباه أوصاه
ج 1 ص 538
بذلك ليطلع على عمله صلى الله عليه وسلم بالليل، وفيه جواز الجماعة في النافلة، وفيه جواز العمل اليسير في الصلاة، وجواز الصلاة خلف من لا ينوي الإمامة، وجواز بيتوتة الأطفال عند المحارم وإن كانت عند زوجها، والإشعار بقسمه عليه السلام بين زوجاته، وجواز التصغير على وجه الشفقة والذكر بالصفة حيث لم يقل نام عبد الله، وبيان أن موقف المأموم الواحد عن يمين الإمام، وأنه إذا وقف عن يساره يحوله إلى يمينه، وفيه أن صلاة الصبي صحيحة، وجواز نوم الرجل مع امرأته في غير مواقعة بحضرة بعض محارمها وإن كان مميزًا، وجاء في بعض الروايات أنها كانت حائضًا ولم يكن ابن عباس يطلب المبيت في ليلة فيها حاجة إلى أهله ولا كان يرسله أبوه العباس، وفيه أن نومه صلى الله عليه وسلم مضطجعًا غير ناقض لوضوئه، وفيه جواز الرواية عند الشك في كلمة بشرط التنبيه عليه ورواته كلهم أئمة أجلاء، وفيه التحديث والسماع والعنعنة ورواية تابعي عن تابعي.