فهرس الكتاب

الصفحة 217 من 1465

وبالسند إلى المؤلف قال:

122 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو الجعفي المسندي بفتح النون، وتقدم في باب أمور الإيمان (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عيينة (قَالَ: حَدَّثَنَا) وفي رواية ابن عساكر: (عَمْرٌو) بفتح العين وهو ابن دينار.

(قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بضم الجيم وفتح الموحدة (قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (إِنَّ نَوْفًا) بفتح النون وسكون الواو وفي آخره فاء ابن فضالة بفتح الفاء والضاد المعجمة، أبو يزيد ويقال: أبو رشيد القاص.

(الْبِكَالِيَّ) بكسر الموحدة وقد تفتح وتخفيف الكاف واللام وياء النسبة الحميري، وهو ابن امرأة كعب الأحبار، وقيل: ابن أخته، وهو منصرف في اللغة الفصيحة ولو كان أعجميًا لسكون وسطه كنوح ولوط، وكتب في بعض النسخ بدون ألف بناء على أنه غير منصرف، قاله الكرماني.

ولم يتعرض لتوجيه عدم صرفه وهو مشكل إذ ليس فيه مع العلمية إلا العجمة على تقدير كونه أعجميًا وهي لا تمنع في الثلاثي الساكن الوسط.

قال ابن مالك في (( شرح الكافية ) )قولًا واحدًا في لغة جميع العرب: ولا التفات إلى من جعله ذا وجهين مع السكون، ومتحتم المنع مع الحركة؛ لأن العجمة سبب ضعيف فلم تؤثر بدون زيادة على الثلاث

أقول: اللهم إلا أن يخرج على ما ذهب إليه عيسى بن عمر، وتبعه ابن قتيبة والجرجاني أن الثلاثي الساكن الوسط يجوز فيه وجهان ولك أن تدعي فيه العدل التقديري لضرورة منع الصرف بأن يقال: إنه معدول عن نائف أو التأنيث باعتبار أصله المنقول عنه.

قال في (( القاموس ) ): نوف بطن من همدان، وابن فضالة البكالي التابعي إمام دمشق انتهى. والبطن يجوز تأنيثه بتأويل القبيلة فليتأمل.

قال في (( الفتح ) ): ونوف المذكور تابعي من أهل دمشق فاضل عالم لاسيما بالإسرائيليات.

وقال ابن التين: كان حاجبًا لعلي رضي الله عنه.

(يَزْعُمُ أَنَّ) بفتح الهمزة وهي واسمها وخبرها سادة مسد مفعولي يزعم عند سيبويه (مُوسَى) صاحب الخضر عليهما السلام (لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) أي: المرسل إليهم، والباء زائدة في خبر ليس للتوكيد، وحذفت في رواية الأربعة، وأضيف إلى بني إسرائيل لقصد تنكيره بتأويله بواحد من الأمة المسماة به.

(إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ) قال في (( الفتح ) ): كذا في روايتنا بغير تنوين فيهما وهو علم على شخص معين، قالوا إنه موسى بن ميشا بكسر الميم وبالشين المعجمة، وجزم بعضهم بأنه منون مصروف؛ لأنه نكرة، ونقل عنه ابن مالك أنه جعله مثالًا للعلم إذا نكر تحقيقًا، قال: وفيه بحث انتهى.

وقال في (( المصابيح ) ): فهو نكرة منصرف لزوال علميته، وجعله ابن مالك من قبيل ما نكر تحقيقًا يريد باعتبار جعله بمعنى شخص مسمى بهذا الاسم وذلك موجود كثيرًا، فيتحقق له شياع في أمته بالاعتبار المذكور بخلاف مثل: لا بصرة لكم؛ أي: لا بلد مسماة بالبصرة، فهذا ليس محققًا إنما هو مقدر ضرورة أن لا شيء من البلاد مسمى بالبصرة غير تلك المدينة الواحدة، وإن وجود أشخاص يسمى كل منهم بموسى من قبيل المحقق لا المقدر فلا وجه حينئذ لاستشكال الزركشي جعل ابن مالك تنكير موسى مثالًا للتحقيقي فتأمله انتهى.

أقول: وبه يندفع البحث الذي نقله صاحب الفتح عن بعضهم ساكتًا عليه.

(فَقَالَ) ابن عباس (كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ) قال في (( الفتح ) ): قال ابن التين: لم يرد ابن عباس إخراج نوف عن ولاية الله تعالى، ولكن

ج 1 ص 545

قلوب العلماء تنفر إذا سمعت غير الحق، فيطلقون أمثال هذا الكلام على قصد الزجر والتحذير منه وحقيقته غير مرادة.

قلت: ويجوز أن يكون ابن عباس اتهم نوفًا في صحة إسلامه، فلهذا لم يقل في حق الحر بن قيس هذه المقالة مع تواردهما عليها، وأما تكذيبه فيستفاد منه أن للعالم إذا كان عنده علم شيء فسمع غيره يذكر فيه شيئًا بغير علم أن يكذبه، ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم: (( كذب أبو السنابل ) )أي: أخبر بما هو باطل في نفس الأمر انتهى.

ويجوز أن يكون إطلاق ذلك عليه مجازًا مرسلًا باعتبار ما كان كقوله تعالى: {وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} [النساء:2] إذ لا يتم بعد البلوغ.

قال ابن عباس: (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبوي ذر والوقت .

(أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) قال في (( الفتح ) ): في استدلاله بذلك دليل على قوة خبر الواحد المتقن عنده، حيث أطلق هذا الكلام في حق من خالفه، وفي الإسناد رواية تابعي عن تابعي وهما عمرو وسعيد، وصحابي عن صحابي وهما ابن عباس وأبي رضي الله عنهما.

(عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: قَامَ مُوسَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) حال كونه (خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ) يعظهم (فَسُئِلَ) بالبناء للمفعول (أيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟) أي: من أهل عصره، والمفضل عليه يجوز حذفه مع من إذا وقع خبرًا كما في الله أكبر (فَقَالَ) موسى (أَنَا أَعْلَمُ) أي: أعلم الناس؛ أي: بحسب اعتقاده.

قال الكرماني: وإلا فكان الخضر أعلم منه انتهى.

ولعل المراد في علم الباطن بدليل ما يأتي قريبًا: (( يا موسى إني على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمك الله لا أعلمه ) ).

قال في (( الفتح ) ): قيل إنه مخالف لقوله في الرواية السابقة في الخروج في طلب العلم: (( قال: هل تعلم أحدًا أعلم منك ) )وعندي أنه لا مخالفة بينهما لأن قوله هنا: (( أنا أعلم ) )أي: فيما أعلم فيطابق قوله لا في جواب من قال له: (( هل تعلم أحدًا أعلم منك ) )في إسناد ذلك إلى علمه لا إلى ما في نفس الأمر.

وعند النسائي من طريق عبد الله بن عبيد الله عن سعيد بن جبير بهذا السند: (( قام موسى خطيبًا فعرض في نفسه أن أحدًا لم يؤت من العلم ما أوتي، وعلم الله بما حدث به نفسه، فقال: يا موسى إن من عبادي من آتيته من العلم ما لم أوتك ) ).

وعند عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير فقال: (( ما أحد أعلم بالله وأمره مني ) ).

وهو عند مسلم من وجه عن أبي إسحاق بلفظ: (( ما أعلم في الأرض رجلًا خيرًا وأعلم مني ) ).

قال ابن المنير: ظن ابن بطال أن ترك موسى الجواب عن هذه المسألة كان أولى، قال: وعندي أنه ليس كذلك بل رد العلم إلى الله تعالى متعين أجاب أو لم يجب فلو قال موسى: أنا والله أعلم، لم تحصل المعاتبة وإنما عوتب على اقتصاره على ذلك؛ أي: لأن الجزم يوهم أنه كذلك في نفس الأمر وإنما مراده الإخبار عما في علمه كما قدمناه. انتهى.

(فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ) بفتح الفوقية، ومضارعه يعتب بضمها وكسرها والمصدر عتبًا ومعتبًا قال:

~أخِلَّايَ لو غير الحمام أصابكم عتبت ولكن ليس للدهر معتب

ومنشأ العتب تغير يحدث في النفس وهو مستحيل في حقه تعالى فيحمل على غايته وهو عدم الرضا أو الإرشاد.

(إِذْ) بسكون الذال ظرف يفيد التعليل (لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ) تعالى بأن يقول: الله أعلم، وفي رواية الكشميهني: ويجوز في دال يرد الحركات الثلاث والفك أيضًا (فَأَوْحَى اللَّهُ) تعالى (إِلَيْهِ: أَنَّ عَبْدًا) بفتح الهمزة؛ أي: (( بأن ) )، وفي فرع اليونينية: بكسرها على تقدير فقال: أن عبدًا، والمراد به الخضر عليه السلام.

(مِنْ عِبَادِي) صفة لعبدًا (بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ) صفة بعد صفة، ويجوز أن تكون حالًا من عبدًا لتخصصه بالصفة، ومجمع البحرين هو ملتقى بحري فارس والروم مما يلي الشرق أو بإفريقية (هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ) أي: بشيء مخصوص كما تقدم آنفًا.

قال في (( الفتح ) ): هو ظاهر في أن الخضر نبي بل نبي مرسل إذ لو لم يكن كذلك للزم تفضيل العالي على الأعلى وهو باطل من القول، ولهذا أورد الزمخشري سؤالًا وهو دلت حاجة موسى إلى التعلم من غيره أنه موسى بن ميشى كما قيل إذ النبي يجب أن يكون أعلم أهل زمانه.

وأجاب عنه: بأنه لا

ج 1 ص 546

نقص بالنبي في أخذ العلم من نبي مثله.

قلت: وفي الجواب نظر؛ لأنه يستلزم نفي ما أوجبه، والحق أن المراد بهذا الإطلاق تقييد الأعلمية بأمر مخصوص لقوله بعد ذلك: (( إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه ) ).

والمراد بكون النبي أعلم أهل زمانه؛ أي: ممن أرسل إليهم ولم يكن موسى مرسلًا إلى الخضر فلا نقص به إن كان الخضر أعلم منه إن قلنا أنه نبي مرسل أو أعلم منه في أمر مخصوص إن قلنا أنه نبي أو ولي، وينحل بهذا التقدير إشكالات كثيرة، ومن أوضح ما يستدل به على نبوة الخضر قوله تعالى: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [الكهف:82] وينبغي اعتقاد كونه نبيًا؛ لئلا يتدرع بذلك أهل الباطل في دعواهم أن الولي أفضل من النبي حاشا وكلا انتهى.

وقال في (( المصابيح ) ): قال ابن المنير: وأورد ابن بطال كلامًا كثيرًا عن السلف في التحذير من دعوى العلم والتخصيص على قول القائل: لا أدري، وما كان لائقًا بهذا السياق، فإن فيه إشعارًا بأن الآحاد بلغوا من التحري ما لم يبلغه موسى عليه السلام وهذا لا يجوز اعتقاده ولا إيراده في سياق العتب على موسى بل يقتصر على ما ورد في الحديث، وليس قول موسى عليه السلام أنا أعلم كقول الآحاد لهذا القول، ولا نتيجة قوله كنتيجة قولهم بل كانت نتيجة قوله المزيد من العلم وتمهيد قواعد ما جرى بينه وبين الخضر، والتنبيه بتلك الكلمة على زيادات في التواضع، وإلى مزيد خصوص في طلب العلم. وإطلاق ابن بطال الخطأ عليه حيث بين له الخضر ما بين غلط، فإن موسى عليه السلام قضى بالظاهر المتعبد به وكشف الغيب بمخالفة الباطن له لا يطرق له خطأ كما لو قضى القاضي ببراءة الخصم بيمينه حين لم يحضر المدعي بينة فقامت البينة بعد فلا يكون القاضي مخطئًا بل لو أقر الخصم نفسه أنه حلف يمينًا فاجرة استحلفه القاضي إياها فلا يكون القاضي مخطئًا بالإجماع.

وقد قال صلى الله عليه وسلم: (( فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه إنما أقطع له قطعة من نار ) )أفنرى ذلك من النبي إلا صوابًا محضًا لا ينسب إليه فيه خطأ بالإجماع، وإنما عاد موسى على نفسه بالاعتراف بالنسيان لأنه كان واعد الخضر أن لا ينكر عليه ثم غلبه في الأولى النسيان، وفي الثانية اعتياد الغيرة والحمية لظاهر حظر الشرع الذي هو متعبد به، والأدب مع جميع الأنبياء واجب لا نفرق بين أحد من رسله والله الموفق انتهى. وهو كلام نفيس لمن تأمله.

(قَالَ: رَبِّ) بحذف أداة النداء تخفيفًا وياء المتكلم اجتزاء بالكسرة، وفي بعض الأصول: (وَكَيْفَ لي بِهِ) أي: كيف الالتقاء والالتباس به؛ أي: كيف السبيل إلى لقائه (فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ حُوتًا) إما على حقيقته وإما أن يكون المراد مر بحمله واستصحابه معك، وهو الظاهر لأن الحامل له كان فتاه يوشع بدليل {آتِنَا غَدَاءنَا} [الكهف:62] والحوت السمكة.

(فِي مِكْتَلٍ) بكسر الميم وسكون الكاف وفتح المثناة الفوقية زنبيل يسع خمسة عشر صاعًا (فَإِذَا فَقَدْتَهُ) بفتح القاف في الماضي، وكسرها في المضارع؛ أي: الحوت (فَهْوَ) أي: العبد المذكور (ثَمَّ) بفتح المثلثة؛ أي: هناك (فَانْطَلَقَ) أي: موسى.

(وَانْطَلَقَ معه بِفَتَاهُ يُوشَعَ) مجرور بالفتحة للعلمية والعجمة عطف بيان على فتاه، وهو بضم المثناة التحتية وفتح الشين المعجمة وبالعين المهملة والباء في بفتاه لتأكيد المصاحبة المستفادة من مع، وهي ساقطة لغير أبي ذر، وفي نسخة: يقال: بالشين وبالسين يوشع ويوسع.

(بْنِ نُونٍ) مجرور بالإضافة منصرف وإن كان أعجميًا لفقد شرطه وهو الزيادة على الثلاث كنوح ولوط، وقيل: يجوز في الثلاثي الصرف وعدمه (وَحَمَلاَ) بضمير التثنية؛ أي: موسى وفتاه، ونسب الحمل إليهما مع أن الظاهر أن الحامل الفتى لأمر موسى له بذلك، ويجوز أن يكون موسى كان يعينه في ذلك.

(حُوتًا فِي مِكْتَلٍ) كما وقع الأمر لموسى بذلك، وقد قيل: كانت سمكة مملوحة، وقيل: شق سمكة (حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ) التي عند ساحل البحر الموعود بلقي الخضر عنده (وَضَعَا رُؤُوسَهُمَا وَنَامَا) وفي رواية الأربعة: بالفاء وكلاهما للعطف على وضعا (فَانْسَلَّ الْحُوتُ) الميت المملوح.

(مِنَ الْمِكْتَلِ) يقال: إن في أصل الصخرة عينًا تسمى بعين الحياة أصاب روح مائها وبرده السمكة فحييت وعاشت وانسلت من المكتل(فَاتَّخَذَ

ج 1 ص 547

سَبِيلَهُ)أي: طريقه (فِي الْبَحْرِ سَرَبًا) أي: مسلكًا، وقيل: ذهابًا، يقال: سرب في الماء سربًا ذهب فيه ذهابًا، زاد في سورة الكهف وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق.

(وَكَانَ) إحياء الحوت المملوح وإمساك جرية الماء حتى صار مسلكًا (لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا) بفتحتين؛ أي: موقعًا لهما في العجب (فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ) بالنصب على الظرفية (لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمِهِمَا) بالنصب على إرادة سير جميعه، وبالجر عطفًا على ليلتهما، والوجه الأول هو الذي في فرع اليونينية، وفي مسلم كالمؤلف في التفسير: (( بقية يومهما وليلتهما ) ).

قال في (( الفتح ) ): ونبه بعض الحذاق على أن ما هنا مقلوب وأن الصواب بقية يومهما وليلتهما لقوله بعده: فلما أصبح؛ لأنه لا يصبح إلا عن ليل انتهى.

ويحتمل أن يكون المراد بقوله فلما أصبح؛ أي: من الليلة التي تلي اليوم الذي سارا جميعه انتهى.

(فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: آتِنَا غَدَاءَنَا) أصبح هنا فعل تام لازم معناه دخل في الصباح، وانظر ما الحكمة في إسناد الانطلاق إليهما، والإصباح إلى موسى فقط، ولعل السر في ذلك أن الانطلاق فعل لهما فبنسبته إلى أحدهما لا يعلم مشاركة الآخر فيه بخلاف الإصباح فإنه يلزم من إصباح أحدهما إصباح الآخر فاكتفى بنسبته إلى المتبوع إذ بها تعلم المشاركة هذا ما سنح للفكر الفاتر ولم أر أحدًا من الشراح نبه عليه، والغداء بفتح الغين المعجمة والمد هو الطعام الذي يؤكل أول النهار.

(لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا) أي: تعبًا، والإشارة لسير البقية والذي يليها ويدل عليه قوله (وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى) عليه السلام (مَسًّا) بتنوين السين المهملة المشددة، وفي نسخة: .

(مِنَ النَّصَبِ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ) وألقى الله عليه الجوع، قالوا: لحقه التعب والجوع ليطلب الغداء فيتذكر الحوت، ولهذا لم يمسه النصب قبل ذلك (فَقَالَ) وفي رواية الأصيلي (لَهُ فَتَاهُ: أَرَأَيْتَ) بفتح التاء؛ أي: أخبرني ما شغلني ودهاني.

(إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ؟ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ) أي: فقدته أو نسيت ذكره بما رأيت، زاد في رواية ابن عساكر: وإنما نسبه للشيطان هضمًا لنفسه (قَالَ مُوسَى: ذَلِكَ) أي: فقد الحوت (مَا كُنَّا نَبْغِي) أي: الذي كنا نطلبه؛ لأنه علامة على وجدان المطلوب، وحذف العائد من نبغي قياسي.

(فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا) أي: فرجعا في الطريق الذي جاءا فيه يقصان (قَصَصًا) أي: يتتبعان آثارهما تتبعًا (فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، إِذَا رَجُلٌ) مبتدأ (مُسَجًّى) نعت له؛ أي: مغطى، والخبر محذوف؛ أي: عندها (بِثَوْبٍ) متعلق بمسجى (أَوْ قَالَ تَسَجَّى) بلفظ الماضي من باب التفعل (بِثَوْبِهِ) شك من الراوي.

(فَسَلَّمَ مُوسَى) الفاء فصيحة عاطفة على فعل محذوف؛ أي: فدنا موسى فسلم (فَقَالَ الْخَضِرُ: وَأَنَّى) بفتح الهمزة والنون المشددة؛ أي: كيف أو من أين (بِأَرْضِكَ السَّلاَمُ) وهو غير معروف بها، وكأنها كانت دار كفر وكانت تحيتهم غير السلام، وعند المؤلف في التفسير: (( وهل بأرضي من سلام ) ).

(فَقَالَ) وفي رواية الأصيلي: (أَنَا مُوسَى) فقال له الخضر: أنت (مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) فهو خبر مبتدأ محذوف (قَالَ: نَعَمْ) أنا موسى بني إسرائيل، فنابت نعم عن هذه الجملة التي هي مقول القول كسائر أحرف الجواب، وفيه إشارة إلى أن الأنبياء ومن دونهم لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله وإلا لعرف الخضر موسى.

(قَالَ) أي: موسى مخاطبًا للخضر (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ) أي من الذي أو شيء علمكه الله تعالى (رَشَدًا) ولا ينافي نبوته وكونه صاحب شريعة أن يتعلم من غيره ما لم يكن شرطًا في أبواب الدين، فإن الرسول ينبغي أن يكون أعلم أهل زمانه ممن أرسل إليهم فيما بعث به من أصول الدين وفروعه لا مطلقًا على أن الأصح أنه [1] الخضر نبي، ولا نقص في أخذ نبي عن مثله.

قال البغوي: وفي بعض الأخبار أنه لما قال موسى هذا للخضر قال له: كفى بالتوراة علمًا وببني إسرائيل شغلًا، فقال له موسى: إن الله أمرني بهذا فحينئذ (قَالَ) الخضر لموسى عليهما السلام:

(إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) لأنه علم أنه يرى منه أمورًا لا يطابق ظاهرها شريعة موسى، ولم يطلعه الله على بواطنها (يَا مُوسَى، إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ) أي: الله صفة لعلم والهاء راجعة إليه وهي الرابط.

وقوله:

ج 1 ص 548

(لاَ تَعْلَمُهُ أَنْتَ) صفة ثانية لعلم أو حال منه (وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ) عطف على إني على علم (علمك الله) صفة لعلم والعائد محذوف تقديره (( علمكه الله ) )كما صرح به في فرع اليونينية.

وقوله: (لاَ أَعْلَمُهُ) يجري فيه نظير ما مر في لا تعلمه.

قال القسطلاني: وهنا لا بد من تأويله لأن الخضر كان يعلم من علم الشرع ما لا غنى للمكلف عنه، وموسى كان يعرف من علم الباطن ما لا بد منه كما لا يخفى انتهى.

وأقول: فيه نظر لأن كون الخضر كان يعلم من علم الشرع ما لا غنى للمكلف عنه لا يلزم أن يكون من شريعة موسى؛ لأنه ليس مكلفًا بها، وإنما يلزم ذلك لو كان مأمورًا باتباعها، وكون موسى يعرف من علم الباطن ما لا بد منه دعوى من غير دليل ولو سلم فلا يلزم أن يكون ذلك الباطن من معلومات الخضر فلا حاجة إلى ما ادعاه من التأويل.

(قَالَ) موسى (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا) على ما تفعله غير منكر عليك، والياء من ستجدني مفعول أول، وصابرًا مفعوله الثاني، وإن شاء الله اعتراض بينهما (وَلاَ أَعْصِي لَكَ أَمْرًا) عطف على صابرًا؛ لأنه بمعنى أصبر كقوله تعالى: {فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا} [الأنعام:96] .

(فَانْطَلَقَا) أي: موسى والخضر، ولم يعتد بيوشع لكونه كان تابعًا لموسى فلم يقل فانطلقوا (يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ) بضمير الجمع؛ أي: موسى والخضر ويوشع، ولعل التكليم حصل من الثلاثة فنسب إليهم لأن الحمل في السفينة يستوي فيه التابع والمتبوع فتكلم الثلاثة مع أرباب السفينة ليعرفوهم عدد من يريد أن يركب معهم، ولا ينافي هذا قوله.

(أَنْ يَحْمِلُوهُمَا) اذهبوا مبني على الاكتفاء بالمتبوع عن التابع، فكأن التكلم صدر من الثلاثة على أن يحملوا موسى والخضر وسكتوا عن حمل يوشع لدخوله تبعًا (فَعُرِفَ الْخَضِرُ) بالبناء للمفعول؛ أي: عرفه أهل السفينة (فَحَمَلُوهُمَا) يجري فيه ما تقدم.

وقال في (( الفتح ) ): ولم يذكر فتى موسى لأنه تابع غير مقصود بالأصالة، ويحتمل أنه لم يركب معهما؛ لأنه لم يقع له ذكر بعد ذلك انتهى.

لكن قال في (( المنحة ) ): وترك يوشع لأنه تابع وإلا فهو محمول أيضًا كما ذكر في نسخة بلفظ فحملوهم وهو نظير قوله تعالى: {فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} [طه:117] انتهى.

(بِغَيْرِ نَوْلٍ) بفتح النون وسكون الواو؛ أي: أجر (فَجَاءَ عُصْفُورٌ) طائر معروف مضموم الأول، وحكى ابن رشيق في (( الغرائب ) )فتحه.

قال الدميري: سمي به؛ لأنه عصى وفر، وقيل هو الصرد، وفي (( الرحلة ) )للخطيب أنه الخطاف.

(فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ) أي: طرفها (فَنَقَرَ نَقْرَةً) بفتح النون وإسكان القاف مصدر مصوغ للمرة (أَوْ نَقْرَتَيْنِ) شك من الراوي (فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ الْخَضِرُ: يَا مُوسَى مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ) متعلق بنقص، وهو يستعمل متعديًا ولازمًا والمناسب هنا المتعدي خلافًا لما ذهب إليه الكرماني، ومفعوله الكاف في قوله:

(إِلاَّ كَنَقْرَةِ هَذَا الْعُصْفُورِ فِي الْبَحْرِ) فإنها تستعمل اسمًا بمعنى مثل كقوله:

~يضحكن عن كالبرد المنهم

ويجوز أن تكون حرف جر والمفعول به محذوف والجار والمجرور صفة لذلك المحذوف، والتقدير: الأشياء كنقرة هذا العصفور، والأول أولى لما فيه من قلة التكلف، والمراد بالعلم هنا المعلوم لأن علمه تعالى صفة قديمة لا تتبعض، ومن هنا تبعيضية؛ أي: ما نقص معلومي ومعلومك من معلومات الله، واستشكل بأن معلومات الله تعالى غير متناهية فلا يدخلها نقص، ففيه نسبة المتناهي إلى غير المتناهي.

وأجيب بأوجه:

أحدها: أن ليس المراد بهذا التشبيه حقيقته ليشعر أن في معلوماته تعالى نقصًا بل هو تقريب إلى الأفهام وتمثيل، والمعنى أن علمي وعلمك بالنسبة إلى علم الله تعالى كنسبة ما نقر العصفور من البحر فإنه لقلته وحقارته لا يظهر منه في البحر نقص كقوله في الحديث القدسي: (( يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ) ).

الثاني: أن نقص بمعنى أخذ؛ لأن النقص أخذ خاص، فالتشبيه واقع على الأخذ لا على المأخوذ منه.

الثالث: أن إلا بمعنى ولا؛ أي: ما نقص علمي وعلمك ولا ما أخذ هذا العصفور شيئًا من علم الله تعالى لأنه لا يدخله نقص.

الرابع: أن المراد بالنقص بالنسبة لعلمنا؛ أي: ما نقص علمنا ما جهلناه من معلومات الله تعالى إلا هكذا تقديرًا، وقد وقع للمؤلف أيضًا من رواية ابن جريج بلفظ أحسن سياقًا من هذا وأبعد عن الإشكال،

ج 1 ص 549

فقال: (( ما علمي وعلمك في جنب علم الله تعالى إلا كما أخذ هذا العصفور بمنقاره من البحر ) )، والظاهر أن المراد من الأخذ بمنقاره ما علق بظاهره من أمر الماء وإلا فالعصفور لا يشرب من الماء المالح.

(فَعَمَدَ) بفتحتين (الْخَضِرُ) أي: قصد (إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ) أي: اقتلعه بفأس، فانخرفت السفينة ودخل الماء إلى داخلها (فَقَالَ مُوسَى) عليه السلام هؤلاء (قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ) بفتح أوله؛ أي: أجر، ويقال فيه نوال.

وقال ابن الملقن: النول بالواو والنال والمنال الجعل، وأما النيل والنوال فالعطية ابتداء.

(عَمَدْتَ) بفتحتين (إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ) بضم الفوقية (أَهْلَهَا) مفعوله، وفي رواية: بفتح التحتية ورفع أهلها على الفاعلية.

وفي شرح العيني قال ابن عباس: لما خرق الخضر السفينة تنحى موسى بناحية ثم قال في نفسه: ما كنت أصنع بمصاحبة هذا الرجل كنت أتلو في بني إسرائيل كتاب الله غدوة وعشية وآمرهم فيطيعون، فقال له الخضر: يا موسى تريد أن أخبرك بما حدثت به نفسك؟ قال: نعم، قال: قلت كذا وكذا، قال: صدقت.

(قَالَ) أي: الخضر لموسى عليهما السلام (أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)

ج 1 ص 550

تذكير له بما قال له قبل (قَالَ) موسى (لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ) أي: بالذي أو بشيء نسيته أو بنسياني يعني بذلك وصيته ألا يعترض عليه، وهذا احتراز منه أخرجه مخرج النهي عن المؤاخذة مع قيام المانع لها، زاد في رواية أبوي ذر والوقت: أي: لا تعنفني وقيل: لا تكلفني من أمري عسرًا بالمضايقة والمؤاخذة للمسيء، يقال: رهقه الشيء بالكسر يرهقه بالفتح رهقًا بالتحريك إذا غشيه وأرهقته إياه كلفته به.

(فَكَانَتِ الأُولَى) أي: المسألة الأولى (مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا) بالنصب خبر كان، وفي نسخة: بالرفع بجعل اسم كان ضمير الشأن، وما بعدها مبتدأً وخبرًا وبجعل كان تامة أو زائدة.

(فَانْطَلَقَا) أي: بعد خروجهما من السفينة يمشيان على ساحل البحر (فَإِذَا غُلاَمٌ) بالرفع مبتدأ والمسوغ له تخصيصه بقوله:

(يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ) والخبر محذوف تقديره حاضر ونحوه، وقيل: إن المسوغ للابتداء بغلام وقوعه بعد إذا الفجائية، وجملة يلعب هي الخبر، والغلام اسم للمولود إلى أن يبلغ، وكان الغلمان عشرة، وكان أحسنهم وأوضأَهم، وزعم قوم أنه كان بالغًا يعمل الفساد، واستدلوا بقوله الآتي (( بغير نفس ) )إذ لا قصاص في حق غير البالغ.

وأجيب: بأن شرعهم كان فيه إيجاب القصاص على الصغير كما يلزمه في شرعنا غرامات متلفاته وبأنه أراد التنبيه على أنه قتل بغير حق، واختلف في اسمه واسم أبيه فقيل: اسمه جيسور بجيم مفتوحة وتحتية ساكنة وواو وراء، وقيل: جيسون بالنون مكان الراء.

وأما القول بأن جيسور اسم الملك الذي كان يغصب السفن، فقال ابن الملقن: إنه عجيب وذلك غاية في الاستبعاد، واسم أبيه كازبري، وقيل: ملاس، واسم أمه سهوى، وقيل: رحمى.

(فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ) أي: الغلام (مِنْ أَعْلاَهُ) أي: جر الغلام برأسه (فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ) وللمؤلف في بدء الخلق: (( فأخذ الخضر برأسه فقطعه هكذا وأومأ سفيان بأطراف أصابعه كأنه يقطف شيئًا ) )، وجاء في التفسير: (( فوجد غلمانًا يلعبون فأخذ غلامًا كافرًا ظريفًا فأضجعه ثم ذبحه بالسكين ) ).

وقال الكلبي: صرعه ثم نزع رأسه من جسده فقتله، وقيل: رفصه برجله فقتله، وقيل: ضرب رأسه بالجدار حتى قتله، وقيل: أدخل أصبعه في سرته فاقتلعها فمات، كذا في العيني.

(فَقَالَ مُوسَى) للخضر عليهما السلام (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً) بتشديد الياء؛ أي: طاهرة من الذنوب، وهي أبلغ من زاكية بألف بعد الزاي وتخفيف التحتية لأنها صيغة مبالغة.

وقال أبو عمرو بن العلاء: الزاكية التي لا تذنب قط، والزكية التي أذنبت ثم غفرت، ولذا اختار قراءة التخفيف فإنها كانت صغيرة لم تبلغ الحلم انتهى.

وفي قوله: ولذا اختار قراءة التخفيف نظر؛ لأن القراءة سنة متبعة وليس للرأي فيها مجال خلافًا لصاحب (( الكشاف ) ).

(بِغَيْرِ نَفْسٍ) متعلق بقتلت نبه على أن القتل إنما يباح حدًا أو قصاصًا وكلا الأمرين منتف، والهمزة في (( أقتلت ) )للاستفهام التقريري، واختلف في الموضع الذي وقع قتل الغلام، فقيل: في أبلة بضم الهمزة والموحدة وفتح اللام المشددة وهي مدينة بالقرب من بصرة، وعباءان وهو الأصح، وقيل: بإيلاء بفتح الهمزة وسكون التحتية وباللام والمد مدينة كانت على ساحل بحر القلزم في طريق حجاج مصر.

(قَالَ) أي: الخضر لموسى عليهما السلام (أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) بزيادة لك في هذه زيادة في المكافحة والعتاب على رفض الوصية والوسم بقلة الثبات والصبر لما تكرر منه الاشمئزاز والإنكار ولم يرعو بالتذكر في أول مرة حتى زاد في الاستنكار ثاني مرة.

(قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (وَهَذَا أَوْكَدُ) أي: من المرة الأولى، واستدل عليه بزيادة لك في هذه المرة (فَانْطَلَقَا، حَتَّى أَتَيَا) وفي رواية غير أبي ذر: موافقة للتنزيل.

(أَهْلَ قَرْيَةٍ) هي أنطاكية على المشهور، وقيل: أبلة وهي أبعد أرض الله من السماء، وقيل: قرية من قرى الروم يقال لها ناصرة وإليها تنسب النصارى.

وقال السهيلي: قيل: إنها برقه، وقيل: إنها باجروان وهي مدينة بنواحي أرمينية من أعمال شروان عندها فيما قيل عين الحياة التي وجدها الخضر عليه السلام وقد وافيا القرية على الاختلاف فيها بعد غروب الشمس.

(فاسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا) واستضافوهم (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا) نسب الإباء إلى أهل القرية جميعًا كما نسب الاستطعام، ويبعد أن يكون الاستطعام والإباء وقع لكل فرد فرد منهم، وإنما يكون عادة لوجوههم فنسب إلى الكل لرضاهم به وتمالئهم عليه كما يقال: بنو فلان قتلوا فلانًا والقاتل بعضهم، ولم يجدا في تلك القرية قِرى ولا مأوى يلجأن إليه، وفي البغوي روى عن أبي هريرة: (( أطعمتهما امرأة من أهل بربر بعد أن طلبا من الرجال فلم يطعموهما فدعا لنسائهم ولعن رجالهم ) ).

(فَوَجَدَا فِيهَا) أي: في القرية (جِدَارًا) على شاطئ الطريق.

قال الثعلبي: إن سمك ذلك الجدار مئتا ذراع بذراع ذلك القرن، وطوله على وجه الأرض خمسمئة ذراع وعرضه خمسون ذراعًا.

(يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ) أي: يسقط، وكان أهل القرية يمرون تحته خائفين، وإسناد الإرادة إلى الجدار مجاز إذ لا إرادة للجدار، والمراد بها هنا المشارفة؛ أي: دنا وقرب من السقوط، وهذا مما استدل به على أن المجاز واقع في القرآن.

(قَالَ الْخَضِرُ بِيَدِهِ) أي: أشار بها، وفيه إطلاق القول على الفعل، وفي رواية: (فَأَقَامَهُ) قال الكرماني: قيل: وهذا دليل على أنه نبي؛ لأنها معجزة ولا دلالة فيه لاحتمال أنها كرامة، وكانت الحال حال اضطرار وفقر إلى المطعم وقد مستهما الحاجة إلى آخر كسب المرء وهو السؤال فلم يجد مواسيًا، فلما أقام الجدار لم يتمالك موسى عليه السلام لما رأى من الحرمان ومساس الحاجة أن قال ما أشار إليه بقوله:

(فَقَالَ مُوسَى) وفي رواية غير أبي ذر: أي: للخضر (لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ) بهمزة وصل وتشديد التاء وفتح الخاء على وزن افتعلت من تخذ كاتبع من تبع، وليس من الأخذ عند البصريين، وفي رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر: بفتح الفوقية وكسر الخاء المعجمة؛ أي: لأخذت (عَلَيْهِ أَجْرًا) أي أجرة ليكون لنا قوتًا وبلغة على سفرنا.

قال القاضي: كأنه لما رأى الحرمان ومساس الحاجة، واشتغاله بما لا يعنيه لم يتمالك نفسه.

(قَالَ) الخضر لموسى عليهما السلام (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) الإشارة بهذا إلى الفراق الموعود بقوله: (( فلا تصاحبني ) )أو إلى السؤال الثالث؛ أي: هذا الاعتراض سبب الفراق، أو إلى الوقت؛ أي: هذا الوقت وقت فراق، وإضافة الفراق إلى ما بعده من إضافة المصدر إلى الظرف اتساعًا.

(قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى) إنشاء دعاء بلفظ الخبر (لَوَدِدْنَا) بكسر الدال الأولى وسكون الثانية واللام موطئة للقسم؛ أي: والله لوددنا (لَوْ صَبَرَ) لو هنا حرف مصدري؛ أي: صبره كما في قوله تعال: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ} [البقرة:96] .

(حَتَّى يُقَصَّ) بالبناء للمفعول (عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا) أي: حتى يقص الله علينا من أمرهما أمورًا غريبة وأعاجيب كثيرة.

قال ابن الملقن: ويقال إنه لما أرادا التفرق قال الخضر لموسى: لو صبرت لأتيت على ألف عجب كل عجب أعجب مما رأيت.

وفي هذا الحديث كما في القسطلاني حجة على صحة الاعتراض بالشرع على ما لا يسوغ فيه، ولو كان مستقيمًا في باطن الأمر على أنه ليس في شيء مما فعله الخضر مناف للشرع في نفس الأمر، وهذا الحديث رواه المؤلف في أكثر من عشرة مواضع وفيه كما قال النووي استحباب الرحلة للعلم، وفضل طلبه والتزود للسفر والأدب مع العالم واحترام المشايخ، وترك الاعتراض عليهم، وتأويل ما لم يفهم ظاهره من أقوالهم وأفعالهم والوفاء بعهودهم، والاعتذار عند المخالفة، وإثبات كرامات الأولياء، وجواز سؤال

ج 1 ص 551

الطعام عند الحاجة، والإجارة وركوب السفينة ونحوها بلا أجرة برضا صاحبها، والحكم بالظاهر حتى يتبين خلافه، وأن الكذب الإخبار بخلاف الواقع ولو سهوًا خلافًا للمعتزلة، ودفع أعظم المفسدتين بأخفهما، وتسليم ما جاء في الشرع وإن لم تعلم حكمته، وأنه يجوز للعالم أن يعيب شيئًا لغيره إذا علم أن لصاحبه في العيب مصلحة.

قال ابن بطال: وفيه أن ما تعبد الله به حجة على العقول لا أن العقول حجة عليه، فإن ما ظهر لموسى كان حرامًا في ظاهر العقول، ثم تبين أن ما فعله الخضر هو الصواب، وفيه أن ذلك كله كان بوحي فليس لأحد أن يقتل نفسًا لما يتوقعه منها.

وفي الكرماني: وفيه بيان أصل عظيم وهو وجوب التسليم لكل ما جاء به الشرع وإن كان بعضه لا تظهر حكمته للعقول ولا يفهمه أكثر الناس وقد لا يفهمه كلهم كالقدر، وموضع الدلالة قتل الغلام وخرق السفينة فإن صورتيهما صورة المنكر، وكان صحيحًا في نفس الأمر له حكمة بينة لكنها لا تظهر للخلق، فإذا أعلمهم الله تعالى بها علموها، ولهذا قال: وما فعلته عن أمري انتهى.

وفي (( الفتح ) )نقلًا عن القرطبي: ولننبه هنا على مغلطتين الأولى: وقع لبعض الجهلة أن الخضر أفضل من موسى تمسكًا بهذه القصة وما اشتملت عليه، وهذا إنما يصدر ممن قصر نظره على هذه القصة ولم ينظر فيما خص الله تعالى به موسى عليه السلام من الرسالة، وسماع كلام الله تعالى وإعطائه التوراة فيها علم كل شيء، وأن أنبياء بني إسرائيل كلهم تحت شريعته ومخاطبون بحكم نبوته حتى عيسى عليه السلام وأدلة ذلك في القرآن كثيرة، ويكفي من ذلك قوله تعالى: {يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي} [الأعراف:144] وسيأتي في أحاديث الأنبياء من فضائل موسى ما فيه كفاية.

قال: والخضر وإن كان نبيًا فليس برسول، والرسول أفضل من نبي ليس برسول، ولو تنزلنا على أنه رسول فرسالة موسى أعظم وأمته أكثر، فهو أفضل، وغاية الخضر أن يكون كواحد من أنبياء بني إسرائيل، وموسى أفضلهم، وإن قلنا أن الخضر ليس بنبي بل ولي فالنبي أفضل من الولي، وهو أمر مقطوع به عقلًا ونقلًا، والصائر إلى خلافه كافر لأنه أمر معلوم من الدين بالضرورة، قال: وإنما كانت قصة الخضر مع موسى امتحانًا لموسى ليعتبر.

الثانية: ذهب قوم من الزنادقة إلى سلوك طريقة تستلزم هدم أحكام الشريعة، فقالوا: إنه يستفاد من قصة موسى والخضر أن الأحكام الشرعية العامة تختص بالعامة والأغبياء، وأما الأولياء والخواص فلا حاجة بهم إلى تلك النصوص بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم ويحكم عليهم بما يغلب على خواطرهم لصفاء قلوبهم من الأكدار وخلوها عن الأغيار، فتتجلى لهم العلوم الإلهية والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكائنات، ويعلمون الأحكام الجزئيات فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات كما اتفق للخضر فإنه استغنى بما تجلى له من تلك العلوم عما كان عند موسى، ويؤيده الحديث المشهور: (( استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك ) ).

قال القرطبي: وهذا القول زندقة وكفر لأنه إنكار لما علم من الشرائع، فإن الله قد أجرى سنته وأنفذ حكمه بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله السفراء بينه وبين خلقه المبينين لشرائعه وأحكامه كما قال تعالى: {اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} [الحج:75] ، وقال تعالى: {اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام:124] وأمر بطاعتهم في كل ما جاؤوا به، وحث على طاعتهم والتمسك بما أمروا به وإن فيه الهدى، وقد حصل العلم اليقين، وإجماع السلف على ذلك فمن ادعى أن هناك طريقًا أخرى يعرف بها أمره ونهيه غير الطرق التي جاءت بها الرسل يستغني بها عن الرسول فهو كافر يقتل ولا يستتاب.

قال: وهي دعوى تستلزم إثبات نبوة بعد نبينا؛ لأن من قال أنه يأخذ عن قلبه لأن الذي يقع فيه هو حكم الله وأنه يعمل بمقتضاه من غير حاجة منه إلى كتاب ولا سنة فقد أثبت لنفسه خاصية النبوة كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: (( إن روح القدس نفث في روعي ) )قال: وقد بلغنا عن بعضهم أنه قال: أنا لا آخذ عن الموتى، وإنما آخذ عن الحي الذي لا يموت، وكذا قال آخر: أنا آخذ عن قلبي عن ربي. وكل ذلك كفر باتفاق أهل الشرائع، ونسأل الله الهداية والتوفيق انتهى.

أقول: هو كلام في غاية الجودة والسداد إلا أنه ليس على إطلاقه، فأما من نقل عنهم أن الأحكام الشرعية تختص بالعامة والأغبياء ... إلخ فلا كلام في كفرهم؛ لأنهم نبذوا الشريعة وراء ظهورهم وخلعوا ربقة التكليف من أعناقهم،

ج 1 ص 552

فليس لهم جزاء إلا قطع أعناقهم كما قال، وأما الذين يزعمون أنهم يأخذون عن قلوبهم؛ أي: عن ما يقع لهم من الإلهام فمنهم محق ومنهم مبطل، فالمبطل هو الذي يعطل الأحكام الشرعية ويستند إلى ما يقع في قلبه من الخواطر النفسانية والوساوس الشيطانية، فهذا حكمه حكم الفريق الأول، والمحق من لا يعطل حكمًا من الأحكام الشرعية ويترقى في المجاهدات والرياضيات الشرعية والعبادات، ويكون سالكًا في التصوف على يد شيخ عارف متضلع من علوم الشريعة إلى أن يقع له من صفاء باطنه خواطر إلاهية وإلهامات ربانية في علم الأخلاق، وإصلاح القلب وتهذيب النفس، فلا كلام في أنه على نور من ربه ولا مجال للاعتراض عليه، وقد وقع مثل هذه العبارة لبعض الأكابر من الأولياء الكرام:

~أخذتم علمكم ميتًا عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت

والمراد به علم الأخلاق وتهذيب النفس كما تقدم، وقد وقع لكثير من أكابر الأولياء والعارفين كلام أبلغ في الإشكال مما ذكره لكنه محمول عندهم على معان صحيحة مطابقة للشريعة المطهرة كقول العارف بالله تعالى سيدي عمر بن الفارض:

~ولا تك ممن طيشته دروسه بحيث استفزت عقله فاستقلت

~فثم وراء العقل علم يدق عن مدارك غايات العقول السليمة

~تلقيته عني ومني أخذه ونفسي كانت من عطائي ممدتي

وبالجملة فقد وقع لكثير من كبار الأولياء والمقربين نظير ما وقع لسيدنا موسى مع الخضر عليهما السلام مما يخالف ظاهره الشرع، فمن فتح الله تعالى عليه بفهم ذلك اعترف بحقيته وسلم، وإن خفي عليه فترك الاعتراض عليهم أسلم والله أعلم.

قال في (( الفتح ) ): وقال غير القرطبي: من استدل بقصة الخضر على أن الولي يجوز أن يطلع منه خفايا الأمور على ما يخالف الشريعة ويجوز له فعله فقد ضل وليس ما تمسك به صحيحًا، فإن الذي فعله الخضر ليس في شيء منه ما يناقض الشرع، فإن نقض لوح من ألواح السفينة لدفع الظالم عن غصبها ثم إذا تركها أعيد اللوح جائز شرعًا وعقلًا، لكن مبادرة موسى بالإنكار بحسب الظاهر وقد وقع ذلك واضحًا في رواية أبي إسحاق التي أخرجها مسلم (( فإذا جاء الذي يسخرها فوجدها منخرقة تجاوزها فأصلحها ) )فيستفاد منه وجوب التأني عن الإنكار في المحتملات، وأما قتله الغلام فلعله كان في تلك الشريعة، وأما إقامة الجدار فمن قبيل مقابلة الإساءة بالإحسان انتهى.

(قال محمد بن يوسف حدثنا به علي بن خشرم حدثنا سفيان بن عيينة بطوله) هكذا وجد في بعض النسخ المعتمدة، والغرض منه أن الحديث المار بطوله رواه المصنف بهذا السند، وقال في (( منحة الباري ) ): هو ساقط من نسخة.

[1] لعل الصواب (( أنَّ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت