وبالسند إلى المؤلف قال:
155 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن عون بالنون أبو الوليد الغساني الأزرقي المكي، جد أبي الوليد محمد بن عبيد الله الأزرقي، صاحب (( تاريخ مكة ) )روى أبو الوليد المذكور عن مالك وغيره، وروى عنه البخاري، وحفيده مؤرخ مكة، وأبو جعفر الترمذي وآخرون، وتوفي سنة اثنتين وعشرين ومائتين.
(قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى
ج 1 ص 607
بْنِ سَعِيدِ) بكسر العين (بْنِ عَمْرٍو) بفتح العين ابن سعيد بن العاص أبو أمية القرشي (الْمَكِّيُّ) الأموي (عَنْ جَدِّهِ) سعيد بن عمرو، وعمرو هذا هو المعروف: بالأشدق، الذي ولي إمرة المدينة، وكان يجهز البعوث إلى مكة، وكان قد تغلب على دمشق في زمن عبد الملك بن مروان، فقتله عبد الملك، وسيَّر أولاده إلى المدينة، ثم سكنوا مكة لما ظهرت دولة بني العباس واستمروا بها، وقد تقدم في حديث أبي شريح: أن عمرًا والد سعيد المذكور هو الذي كان يجهز الجيوش إلى مكة لقتال ابن الزبير (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه أنه (قَالَ: اتَّبَعْتُ) : قال في (( الفتح ) ): بتشديد المثناة؛ أي: سرت وراءه.
وقال البرماوي: بقطع الهمزة رباعيًا؛ أي: لحقته، قال تعالى: {فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ} [الشعراء:60] .
وفي (( منحة الباري ) ): أتْبَعتُه بهمزة قطع رباعيًا؛ أي: لحقته، و بهمزة وصل خماسيًا؛ أي: مشيت خلفه، وكذا تَبِعَ ثلاثيًا، وهذا ما في (( الصحاح ) ).
ولا ينافيه قول (( المحكم ) ): تَبِعَ واتَّبَعَ وأَتبَعَ بمعنى؛ لأن اتحاد المعنى بالنظر للمادة، وتفاوته بالنظر إلى الصيغة كنظيره في: وَفَى وَأوَفى وَوَفَّى. انتهى.
(النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، وَ) قد (خَرَجَ لِحَاجَتِهِ) جملة وقعت حالًا مرتبطة بالواو والضمير، وقد فيها مقدرة (فَكَانَ) بالفاء العاطفة لأبي ذر، ولغيره: بالواو الاستئنافية كما في (( الفتح ) ).
وقال العيني: هي للحال، وقول بعضهم: أنها استئنافية؛ غير صحيح؛ كما لا يخفى. انتهى.
(لاَ يَلْتَفِتُ) ، وراءه لرزانته ووقاره، وكان ذلك عادة له في مشيه صلى الله عليه وسلم (فَدَنَوْتُ) : أي: قربت (مِنْهُ) قال في (( الفتح ) ): زاد الإسماعيلي: (( أستأنس وأتنحنح، فقال: من هذا؟ فقلت: أبو هريرة ) ).
وفي (( المنحة ) ): (( فدنوت منه لأستأنس به ) )، زاد العيني: (( وأقضي حاجته ) ).
(فَقَالَ: ابْغِنِي) : قال في (( الفتح ) ): بالوصل من الثلاثي؛ أي: اطلب لي، يقال: بغيتك الشيء؛ أي: طلبته لك، وفي رواية: بالقطع؛ أي: أعنِّي على الطلب، يقال: أبغَّيتك الشيء؛ أي: أعنتك على طلبه، والوصل أليق بالسياق، ويؤيده رواية الإسماعيلي: (( ائتني ) ). انتهى.
قال الكرماني: وفي بعض النسخ: (( ابغِ لي ) )، وعزاها القسطلاني للأصيلي، وقال: أنها بقطع الهمزة.
(أَحْجَارًا) : مفعول ثان لابغني، وفي بعض النسخ: (( حجارة ) )كالترجمة (أَسْتَنْفِضْ بِهَا) بالنون والفاء المكسورة والضاد المعجمة مجزوم في جواب الأمر، كما في اليونينية كفرعها، ويجوز رفعه على الاستئناف.
وفي (( الفتح ) ): قال القزاز: أستنفض: أستفعل من النفض، وهو أن يهز الشيء ليطير غباره، قال: وهذا موضع أستنظف؛ أي: بتقديم الظاء المشالة على الفاء، ولكن كذا روي. انتهى.
والذي وقع في الرواية صواب.
ففي (( القاموس ) ): أستنفضه: أستخرجه، وبالحجر: أستنجي، وهو مأخوذ من كلام المطرزي، قال: الاستنفاض: الاستخراج، ويكنى به عن الاستنجاء، ومن رواه بالقاف والصاد المهملة؛ فقد صحف. انتهى.
(أَوْ) قال عليه الصلاة والسلام (نَحْوَهُ) بالنصب؛ لأنه مقول القول، وهو في معنى الجملة؛ أي: قال نحو هذا اللفظ كأستنجي بها.
قال في (( الفتح ) ): ووقع في رواية الإسماعيلي: (( أستنجي بها ) )بدل: (( أستنفض ) )، وكأنها المرادة بقوله في روايتنا: أو نحوه، ويكون التردد من بعض رواته. انتهى.
(وَلاَ تَأْتِنِي) بالجزم بحذف حرف العلة على أن لا ناهية، وفي رواية ابن عساكر وأبي ذر عن الكشميهني: (( ولا تأتيني ) )بإثبات الياء على أن لا نافية، وفي رواية في الفرع كأصله: باللام بدل: النون.
(بِعَظْمٍ، وَلاَ رَوْثٍ) قال في (( الفتح ) ): كأنه صلى الله عليه وسلم خشي أن يفهم أبو هريرة من قوله: (( أستنجي ) )أن كل ما يزيل الأثر وينقي كاف، ولا اختصاص لذلك بالأحجار، فنبهه باقتصاره في النهي على العظم والروث على أن ما سواهما يجزئ، ولو كان ذلك مختصًا بالأحجار كما يقوله بعض الحنابلة والظاهرية؛ لم يكن لتخصيص هذين بالنهي معنى، وإنما خص الأحجار بالذكر؛ لكثرة وجودها.
وزاد المصنف في المبعث في هذا الحديث: أن أبا هريرة قال له صلى الله عليه وسلم لما أن فرغ: ما بال العظم والروث؟ …قال: (( هما من طعام الجن ) ).
فالظاهر من هذا التعليل؛ اختصاص المنع بهما.
نعم: يلتحق جميع المطعومات التي للآدميين قياسًا من باب الأولى، وكذا المحترمات كأوراق كتب العلم، ومن قال: علة النهي عن الروث كونه نجسًا ألحق به كل نجس ومتنجس، وعن العظم كونه لزجًا؛ فلا يزيل إزالة تامة ألحق به ما في معناه كالزجاج الأملس.
ويؤيده ما رواه الدارقطني وصححه من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يستنجى بروث أو بعظم، وقال: (( إنهما لا يطهران ) ).
وفي هذا رد على من زعم أن الاستنجاء بهما يجزئ، وإن كان منهيًا عنه، وسيأتي في كتاب (( المبعث ) )بيان قصة وفد الجن، وأي
ج 1 ص 608
وقت كانت إن شاء الله تعالى. انتهى.
وفي القسطلاني: وفي حديث أبي داود عن ابن مسعود: (( أن وفد الجن قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد! انه أمتك عن الاستنجاء بالعظم والروث، فإن الله تعالى جعل لنا فيه رزقًا، فنهاهم عن ذلك، وقال: إنه زاد إخوانكم من الجن ) ).
وقيل: النهي في العظم؛ لأنه لزج؛ فلا يتماسك لقطع النجاسة، وحينئذٍ فيلحق به كل ما في معناه كالزجاج الأملس، أو لأنه لا يخلو غالبًا من بقية دسم تعلق به، فيكون مأكولًا للناس، ولأن الروث نجس فيزيد ولا يزيل، ويلحق به كل نجس ومتنجس؛ فلو حرق العظم وخرج عن حال العظام فوجهان أصحهما في (( المجموع ) ): المنع، ويلحق بالعظم كل مطعوم للآدمي لحرمته؛ فلو اختص بالبهائم، قال الماوردي: لا يحرم، ومنعه ابن الصباغ، والغالب كالمختص أو استويا؛ فوجهان. انتهى.
قال أبو هريرة رضي الله عنه: (فَأَتَيْتُهُ) عليه الصلاة والسلام (بِأَحْجَارٍ بِطَرَفِ) : أي: في طرف (ثِيَابِي، فَوَضَعْتُهَا) بصيغة المتكلم، وفي رواية: (( فوضعها ) )؛ أي: النبي عليه السلام (إِلَى جَنْبِهِ، وَأَعْرَضْتُ) وللكشميهني في غير اليونينية: (عَنْهُ) بزيادة: التاء للمبالغة في الإبعاد عنه (فَلَمَّا قَضَى) صلى الله عليه وسلم حاجته (أَتْبَعَهُ) بهمزة قطع؛ أي: ألحقه، والضمير للمحل المدلول عليه بقرينة المقام (بِهِنَّ) : أي: بالأحجار، وكنى به عن الاستنجاء.
قال العيني: واستنبط من الحديث؛ جواز الاستنجاء بالأحجار، وفيه الرد على من أنكر ذلك كما بيناه، وفيه مشروعية الاستنجاء، وقد اختلف العلماء فيه؛ فمنهم من قال بوجوبه واشتراطه في صحة الصلاة كالشافعي، وأحمد، وأبي ثور، وإسحاق، وداود، ومالك في رواية.
ومنهم من قال: بأنه سنة؛ كأبي حنيفة، وأصحابه، ومالك في رواية، والمزني من أصحاب الشافعي؛ واحتجوا في ذلك بما رواه أبو داود بسنده إلى أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، ومن استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج ) ).
وأخرجه أحمد أيضًا في (( مسنده ) )، والطحاوي في (( الآثار ) )عن أبي هريرة، فالحديث صحيح ورجاله ثقات.
وأهل المقالة الأولى احتجوا بظاهر الأوامر الواردة في حديث أبي هريرة: (( وليستنج بثلاثة أحجار ) ).
وفي حديث عائشة الذي أخرجه ابن ماجه وأحمد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا ذهب أحدهم إلى الغائط، فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن ) ).
وأجيب: بأن الأمر يحتمل أن يكون على وجه الاستحباب، والمحتمل لا يصلح حجة إلا بمرجح لأحد المعاني، وفيما ذكر أهل المقالة الثانية أيضًا إعمال الأحاديث كلها، وفيما قاله هؤلاء إهمال لبعضها، والعمل بالكل أولى على ما لا يخفى. انتهى ملخصًا.
وفي الحديث أيضًا كما ذكره العيني؛ كراهة الاستنجاء بجميع المطعومات، كما تقدم، وفيه إعداد الأحجار للاستنجاء؛ لئلا يحتاج إلى طلبها بعد قيامه، فلا يأمن من التلوث، وفيه: جواز إتباع السادات بغير إذنهم، وفيه: استخدام المتبوعين للأتباع، وفيه: استحباب الإعراض عن قاضي الحاجة، وفيه: جواز الرواية بالمعنى حيث قال: أو نحوه.