(20) (باب) بالتنوين (لاَ يُسْتَنْجَى) بالبناء للمفعول (بِرَوْثٍ) والباب مع ترجمته ساقط من نسخة.
وبالسند إلى المؤلف قال:
156 - (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) مصغرًا الفضل بن دُكَين بضم ففتح (قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) بضم الزاي هو ابن معاوية الجعفي المكي الكوفي.
قال أحمد: زهير من معادن العلم، وهو وإن كان في حديثه عن أبي إسحاق السبيعي لين؛ لأنه سمع منه بعد اختلاطه، لكن هذا الحديث سمعه منه قبل اختلاطه.
(عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبِيعِي بفتح السين المهملة وكسر الموحدة (قَالَ) : أي: أبو إسحاق (لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ) عامر بن عبد الله بن مسعود (ذَكَرَهُ) لي؛ أي: حدثني به (وَلَكِنْ) الذي ذكره لي وحدثني به (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ) هو أبو حفص النخعي، كوفي، عالم عامل، روى عن أبيه وعائشة، وعنه الأعمش وغيره، كان يصلي كل يوم سبعمائة ركعة، وكان يصلي العشاء والفجر بوضوء واحد، مات سنة تسع وتسعين.
قال في (( الفتح ) ): وإنما عدل أبو إسحاق عن الرواية عن أبي عبيدة إلى الرواية عن عبد الرحمن مع أن رواية أبي عبيدة أعلى له؛ لكون أبي عبيدة لم يسمع من أبيه على الصحيح؛ فتكون منقطعة، بخلاف رواية عبد الرحمن؛ فإنها موصولة، ورواية أبي إسحاق لهذا الحديث عن أبي عبيدة عن أبيه
ج 1 ص 609
عبد الله بن مسعود عند الترمذي وغيره من طريق إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق، فمراد أبي إسحاق هنا بقوله: ليس أبو عبيدة ذكره؛ أي: لست أرويه الآن عن أبي عبيدة، وإنما أرويه عن عبد الرحمن. انتهى.
(عَنْ أَبِيهِ) هو الأسود بن يزيد النخعي صاحب ابن مسعود.
قال في (( الفتح ) ): وقال ابن التين: هو الأسود بن عبد يغوث الزهري، وهو غلط فاحش فإن الأسود الزهري لم يسلم فضلًا عن أن يعيش، حتى يروي عن عبد الله بن مسعود. انتهى.
وقال في (( إرشاد الساري ) )أخذًا من الكرماني: وقد اختلف فيه على أبي إسحاق، فرواه إسرائيل عنه عن أبي عبيدة عن أبيه، وابن معزل وغيره عن الأسود عن أبيه عن عبد الله من غير ذكر عبد الرحمن، ورواه زكريا بن أبي زائدة عنه عن عبد الرحمن بن يزيد عن الأسود ومعمر عنه عن علقمة عن عبد الله، ويونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن أبي الأحوص عن عبد الله.
ومن ثم انتقده الدارقطني على المؤلف، لكنه قال: أحسنها سياقًا الطريق التي أخرجها البخاري، لكن في النفس منه شيء؛ لكثرة الاختلاف فيه على أبي إسحاق.
وأجيب: بأن الاختلاف على الحفاظ لا يوجب الاضطراب إلا مع استواء وجوه الاختلاف فمتى رجح أحد الأقوال قدم، ومع الاستواء لابد أن يتعذر الجمع على قواعد المحدثين، وهنا يظهر عدم استواء وجوه الاختلاف على أبي إسحاق فيه؛ لأن الروايات المختلفة عنه لا يخلو إسناد منها عن مقال غير طريق إسرائيل وزهير مع أنه يمكن رد أكثر الطرق إلى رواية زهير، وقد تابع زهيرًا يوسف بن إسحاق كما سيأتي، وهو يقتضي تقديم رواية زهير. انتهى.
(أَنَّهُ) بفتح الهمزة؛ أي: الأسود (سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بن مسعود) رضي الله عنه (يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْغَائِطَ) المراد به هنا معناه الحقيقي؛ أي: المكان المطمئن من الأرض؛ لقضاء الحاجة (فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ) .
قال الخطابي: فيه إيجاب عدد الثلاث في الاستنجاء، إذ كان معقولًا أنه إنما استدعاها ليستنجي بها كلها.
وليس في قوله: (( فأخذ الحجرين ) )دليل على أنه اقتصر عليهما؛ لجواز أن يكون بحضرته ثالث، فيكون قد استوفاها عددًا، ويدل على ذلك خبر سلمان قال: (( نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نكتفي بدون ثلاثة أحجار ) )، وخبر أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ولا يستنجي بدون ثلاثة أحجار ) ).
قال: ولو كان القصد الإنقاء فقط، لخلا اشتراط العدد عن الفائدة، فلما اشترط العدد لفظًا، وعلم الإنقاء فيه معنى؛ دلَّ على إيجاب الأمرين، ونظيره العدة بالأقراء، فإن العدد مشترط، ولو تحققت براءة الرحم بقرء واحد. انتهى.
وأجاب العيني: بأنا لا نسلم بأن فيه إيجاب عدد الثلاث، بل كان ذلك للاحتياط؛ لأن التطهير بواحد أو اثنين لم يكن محققًا، فلذلك نص على الثلاث؛ لأن بالثلاث يحصل التطهير غالبًا، ونحن نقول أيضًا: إذا تحقق شخص أنه لا يطهر إلا بالثلاث يتعين عليه الثلاث، والتعين ليس لأجل التقييد فيه، وإنما هو للإنقاء الحاصل فيه حتى إذا احتاج إلى رابع أو خامس، وهلم جرًا.
يتعين عليه ذلك على أن الحديث متروك الظاهر، فإنه لو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف جاز بالإجماع.
وقوله: وليس في قوله: (( فأخذ الحجرين ) )دليلٌ على أنه اقتصر عليهما ليس كذلك، بل فيه دليل على ذلك؛ لأنه لو كان الثلاث شرطًا لطلب الثالث، فحيث لم يطلبه دل على ما قلنا، وتعليله بقوله: لجواز أن يكون بحضرته ثالث ممنوع؛ لأن قعوده للغائط كان في مكان لم يكن فيه أحجار، إذ لو كان هناك أحجار لما قال له: (( ائتني بثلاثة أحجار ) )لأنه لا فائدة بطلب أحجار هي عنده، وهذا معلوم بالضرورة.
وقوله: لو كان القصد الإنقاء فقط؛ لخلا اشتراط العدد عن الفائدة.
قلنا: إن ذكر الثلاث لم يكن للاشتراط، بل للاحتياط إلى آخر ما ذكرناه.
وقوله: ونظيره العدة بالأقراء غير مسلم؛ لأن العدد فيه شرط بنص القرآن والحديث، ولم يعارضه نص آخر، بخلاف العدد هنا؛ لأنه ورد: (( من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج ) )فهذا لما دل على ترك أصل الاستنجاء؛ دل على ترك وصفه أيضًا بالطريق الأولى. انتهى.
ولا يخفى ما في بعض هذه الأجوبة من المسامحاة.
وفي قوله: ونحن نقول ... الخ نظر؛ لأن الاستنجاء عند الحنفية سنة، والذي على المحل ساقط شرعًا، فكيف إذا لم يحصل الإنقاء إلا بالثلاث تتعين الثلاث، وإذا لم يحصل إلا بما زاد عليها يتعين ما زاد عليها، وكأنه نسي ما قدمه قريبًا في باب الاستنجاء بالأحجار من قوله: ومنهم من قال: بأنه سنة، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، اللهم إلا أن يريد بقوله: يتعين عليه الثلاث؛ أي: في إقامة السنة، وإن كان خلاف المتبادر.
(فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ) عطف على مقدر؛ أي: طلبت ثلاثة فوجدت ... الخ (وَالْتَمَسْتُ) : أي: طلبت الحجر (الثَّالِثَ فَلَم أَجِدْهُ) بالضمير
ج 1 ص 610
المنصوب العائد إلى الحجر، ولأبي ذر: بحذفه (فَأَخَذْتُ رَوْثَةً) زاد ابن خزيمة في رواية له في هذا الحديث: (( إنها كانت روثة حمار ) ) (فَأَتَيْتُهُ) صلى الله عليه وسلم (بِهَا) : أي: بالحجرين والروثة، وليس الضمير في بها راجعًا إلى الروثة كما قد يتوهم (فَأَخَذَ) عليه الصلاة والسلام (الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ) ذكر اسم الإشارة الراجع إلى الروثة باعتبار الخبر؛ كقوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي} [الأنعام:78] .
وفي بعض النسخ: (( هذه رِكس ) )على الأصل: وهو بكسر الراء الرجيع سمي به؛ لرجوعه من حال الطهارة إلى حال النجاسة، ويروى: (( رجس ) )بالجيم؛ أي: نجس، كما في رواية ابن خزيمة وابن ماجه.
قال في (( الفتح ) ): استدل به الطحاوي على عدم اشتراط الثلاثة، قال: لأنه لو كان مشترطًا لطلب ثالثًا، كذا قال، وغفل عما أخرجه أحمد في (( مسنده ) )من طريق معمر، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن ابن مسعود في هذا الحديث قال فيه: (( فألقى الروثة، وقال: إنها ركس ائتني بحجر ) )ورواته ثقات أثبات.
وقد تابع معمرًا عليه أبو شيبة الواسطي، وهو ضعيف، أخرجه الدارقطني، وتابعهما عمار بن زريق أحد الثقات عن أبي إسحاق.
وقد قيل: إن أبا إسحاق لم يسمع من علقمة، لكن أثبت سماعه لهذا الحديث منه الكرابيسي، وعلى تقدير أن يكون أرسله عنه، فالمرسل حجة عند المخالفين، وعندنا أيضًا إذا اعتضد، واستدلال الطحاوي أيضًا فيه نظر بعد ذلك؛ لاحتمال أن يكون اكتفى بالأمر الأول في طلب الثلاثة، فلم يجدد الأمر بطلب الثالث، أو اكتفى بطرف أحدهما عن الثالث؛ لأن المقصود بالثلاثة أن يمسح بها ثلاث مسحات، وذلك حاصل، ولو بواحد، والدليل على صحته أنه لو مسح بطرف واحد ورماه، ثم جاء شخص آخر فمسح بطرفه الآخر؛ لأجزأهما بلا خلاف. انتهى.
وتعقبه العيني فقال: لم يغفل الطحاوي عن ذلك، وإنما الذي نسبه إلى الغفلة هو الغافل، وكيف يغفل عن ذلك، وقد ثبت عنده عدم سماع أبي إسحاق من علقمة، فالحديث عنده منقطع، والمحدث لا يرى العمل به، وأبو شيبة الواسطي ضعيف؛ فلا يعتبر بمتابعته، فالذي يدعي صنعة الحديث كيف يرضى بهذا الكلام، وقد قال أبو الحسن بن القصار المالكي: روي أنه أتاه بثالث، لكن لا يصح، ولو صح؛ فالاستدلال به لمن لا يشترط الثلاثة قائم، لأنه اقتصر في الموضعين على ثلاثة، فحصل لكل منهما أقل من ثلاثة.
ثم قول هذا القائل: واستدلال الطحاوي أيضًا فيه نظر؛ لاحتمال أن يكون ... الخ، نظره مردود عليه؛ لأن الطحاوي استدل بصريح النص؛ لما ذهب إليه، وبالاحتمال البعيد كيف يدفع هذا وقوله: لأن المقصود بالثلاثة أن يمسح بها ثلاث مسحات ينافيه اشتراطهم العدد في الأحجار؛ لأنهم يستدلون بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: (( ولا يستنج أحدكم بأقل من ثلاثة أحجار ) ).
وقوله: وذلك حاصل، ولو بواحد مخالف لصريح الحديث فهل رأيت من يرد بمخالفة ظاهر حديثه الذي يحتج به على من يحتج بظاهر الحديث بطريق الاستدلال الصحيح، وهل هذا إلا مكابرة وتعنت، عصمنا الله من ذلك، ومن أمعن النظر في أحاديث الباب ودقق فكره في معانيها علم، وتحقق أن الحديث حجة عليهم، وأن المراد: الإنقاء لا التثليث، وهو قول عمر بن الخطاب، وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك وداود، وهو وجه للشافعية. انتهى.
ووقع في رواية الأصيلي وابن عساكر وأبوي ذر والوقت زيادة لم توجد في بعض النسخ وهي: (( وقال إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق ) )السبيعي المتوفى سنة ثمان وتسعين ومائة (( عن أبيه ) )يوسف المتوفى سنة سبع وخمسين ومائة (( عن جده أبي إسحاق قال: حدثني ) )بالإفراد (( عبد الرحمن ) )بن الأسود السابق، وأراد المصنف بهذا التعليق؛ الرد على من زعم أن إسحاق دلس هذا الخبر، كما حكي ذلك عن سليمان الشاذكوني، حيث قال: لم يسمع في التدليس أخفى من هذا، قال: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن، ولم يقل ذكره لي.
واستدل الإسماعيلي أيضًا على صحة سماع أبي إسحاق لهذا الحديث عن عبد الرحمن بكون يحيى القطان رواه عن زهير فقال بعد أن أخرجه من طريقه: القطان لا يرضى أن يأخذ عن زهير ما ليس بسماع لأبي إسحاق، وكأنه عرف ذلك بالاستقراء من صنيع القطان، أو بالصريح من قوله: فانزاحت عن هذه الطريق علة التدليس.