فهرس الكتاب

الصفحة 298 من 1465

وبالسند إلى المؤلف قال:

166 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التنيسي (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ) بتثليث الموحدة (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ) بصيغة التصغير فيهما، والجرج كما قال الكرماني: وعاء يشبه

ج 1 ص 625

الخرج.

قال في (( الفتح ) ): هو مدني مولى بني تميم، وليس بينه وبين ابن جريج الفقيه المكي مولى بني أمية نسب، وقد تقدم في المقدمة: أن الفقيه هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج؛ فقد يظن أن هذا عمه، وليس كذلك، وهذا الإسناد كله مدنيون، وفيه رواية الأقران؛ لأن عبيدًا وسعيدًا تابعيان من طبقة واحدة. انتهى.

(أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب رضي الله عنهما (يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بإثبات الهمزة، ويجوز حذفها تخفيفًا، وهي كنية عبد الله بن عمر (رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا) أي: خصالًا أربعًا، أو أربع خصال (لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا) .

قال في (( الفتح ) ): أي: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد: بعضهم، والظاهر من السياق؛ انفراد ابن عمر بما ذكر دون غيره ممن رآهم عبيد.

وقال المازري: يحتمل أن يكون مراده: لا يصنعهن غيرك مجتمعة، وإن كان يصنع بعضها. انتهى.

ولأبي الوقت: (( من أصحابنا ) ).

(فقَالَ: وَمَا هِيَ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ؟ قَالَ: رَأَيْتُكَ لاَ تَمَسُّ مِنَ الأَرْكَانِ) أي: أركان الكعبة الأربعة.

قال في (( الفتح ) ): وظاهره: أن غير ابن عمر من الصحابة الذين رآهم عبيد كانوا يستلمون الأركان كلها، وقد صح ذلك عن معاوية وابن الزبير، وسيأتي الكلام على هذه المسألة في الحج إن شاء الله تعالى. انتهى.

(إِلاَّ الْيَمَانِيَيْنِ) بتخفيف الياء على الأفصح، وفيه تغليب؛ لأن الركن الذي فيه الحجر الأسود عراقي؛ لكونه إلى جهة العراق، وهما باقيان على قواعد إبراهيم، ولهذا يستلمان دون الشاميين؛ لأنهما مغيران عن قواعد إبراهيم، ولهذا استلم ابن الزبير جميع الأركان لما بنى الكعبة على قواعد إبراهيم.

قال العيني: ولم يقولوا: الأسودين؛ فيغلبوا الركن الذي فيه الحجر الأسود؛ لئلا يشتبه على بعض العوام أن في كل من الركنين الحجر الأسود، وكان يفهم التثنية، ولا يفهم التغليب؛ لقصور فهي بخلاف اليمانيين. انتهى.

وفيه: أن الركن غير مسمى بالأسود، وإنما الأسود الحجر الذي هو مركوز فيه، فلو وقع التغليب منه؛ لكان ينبغي أن يقع بالعراقيين، فليتأمل.

وقال القاضي عياض: واتفق الفقهاء اليوم على أن الركنين الشاميين وهما المقابلان لليمانيين لا يستلمان، وإنما كان الاختلاف فيه في العصر الأول من بعض الصحابة والتابعين، ثم انقرض الخلاف.

(وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ) بفتح المثناة الفوقية والموحدة (النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ) بكسر السين المهملة وسكون الموحدة فمثناة فوقية وهي التي لا شعر فيها، مشتقة من السبت وهو الحلق، قاله في (( التهذيب ) ).

وقيل: السبت جلد البقر المدبوغ بالقرظ، وقيل: بالسُّبت بضم أوله وهو نبت يدبغ به، قاله صاحب (( المنتهى ) ).

وقال الهروي: يقال لها: سبتية؛ لأنها أسبتت بالدباغ؛ أي: لانت به.

يقال: رطبة منسبتَة أي: لينة، وإنما اعترض على ابن عمر رضي الله عنهما بذلك؛ لأنه لباس أهل الترفه، وإنما كانوا يلبسون النعال بالشعر غير مدبوغة، وكانت المدبوغة تعمل بالطائف وغيره.

(وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ) بفتح المثناة الفوقية وبضم الموحدة وفتحها؛ أي: ثوبك، أو شعرك (بِالصُّفْرَةِ) قال ابن الملقن: هل المراد صبغ الثياب؟ أو الشعر؟.

والأشبه والأظهر كما قال القاضي: الأول؛ لأنه أخبر أنه عليه الصلاة والسلام صبغ، ولم ينقل عنه أنه صبغ شعره، وإلا فقد جاء آثار عن ابن عمر بين فيها تصفير ابن عمر لحيته، واحتج بأنه صلى الله عليه وسلم كان يصفر لحيته بالورس والزعفران، أخرجه أبو داود.

وذكر أيضًا في حديث آخر: (( بأنه عليه الصلاة والسلام كان يصبغ بهما ثيابه حتى عمامته ) ).

وكان أكثرهم يعني الصحابة والتابعين يخضب بالصفرة، منهم: أبو هريرة وآخرون، وروي ذلك عن علي كرم الله وجهه. انتهى.

(وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ) قال العيني: رأى هذه يحتمل أن تكون بصرية، وأن تكون علمية، وأما الأربعة التي قبلها فهي علمية، ومعنى أهلَّ الناس؛ أي: رفعوا أصواتهم بالتلبية بحج أو عمرة.

(إِذَا رَأَوُا الْهِلاَلَ) أي: هلال ذي الحجة (وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ) وللأصيلي: (حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ) وهو الثامن من ذي الحجة.

قال ابن الملقن: واختلف في تسميته بذلك على قولين حكاهما الماوردي:

أحدهما: لأن الناس يروون فيه من الماء من زمزم؛ لأنه لم يكن بعرفة ولا بمنى ماء.

وقال آخرون: لأنه اليوم الذي رأى فيه آدم حوى.

وحكى قولًا ثالثًا: لأن جبريل أرى فيه إبراهيم أول المناسك.

وقال ابن عباس: سمي

ج 1 ص 626

بذلك: (( لأن إبراهيم أتاه الوحي في منامه أن يذبح ابنه، فتروى في نفسه من الله هذا أم من الشيطان؟ فأصبح صائمًا، فلما كان ليلة عرفة أتاه الوحي، فعرف أنه الحق من ربه، فسميت عرفة ) ). رواه البيهقي في (( فضائل الأوقات ) )من رواية الكلبي عن أبي صالح عنه.

ثم قال: هكذا قال في هذه الرواية.

وروى أبو الطفيل عن ابن عباس: (( أن إبراهيم عليه السلام لما ابتلي بذبح ابنه أتاه جبريل، فأراه مناسك الحج، ثم ذهب به إلى عرفة ) ).

قال: وقال ابن عباس: سميت عرفة؛ لأن جبريل قال لإبراهيم عليه السلام: هل عرفت؟ قال: نعم، فمن ثم سميت عرفة. انتهى.

أقول: وفي الوجه الثاني والثالث نظر؛ لأنه يقتضي أن يكون الترئية بالهمزة مكان الواو، ولا قياس يقتضي قلب الهمزة واوًا هنا، اللهم إلا أن يكون من باب الاشتقاق الكبير كاشتقاق ثلب من الثلم، ونهق من النعق.

(قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) ابن عمر رضي الله عنهما مجيبًا لابن جريج (أَمَّا الأَرْكَانُ) الأربعة (فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَمَسُّ مِنْهَا إِلاَّ) الركنيين (الْيَمَانِيَيْنِ) لما تقدم: أن ما عداهما ليس على قواعد إبراهيم (وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ: فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَلْبَسُ النَّعْالَ) ولغير الأربعة: (( النعل ) )بالإفراد (الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا) أي: في النعال (فَأَنَا) وفي رواية أبي ذر عن الحموي والمستملي: .

(أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا) فيه التصريح بأنه عليه الصلاة والسلام كان يغسل رجليه الشريفتين، وهما في نعليه، وهذا موضع المطابقة للترجمة، ووجه الاستدلال: أن الوضوء لا يتم في غير التخفف إلا بغسل الرجلين.

(وَأَمَّا الصُّفْرَةُ: فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا) أي: ثيابي أو شعري كما تقدم (وَأَمَّا الإِهْلاَلُ) بالحج أو العمرة (فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُهِلُّ) بضم التحتية (حَتَّى تَنْبَعِثَ) أي: تسير (بِهِ رَاحِلَتُهُ) يقال: بعثه فانبعث وابتعث في السير؛ أي: أسرع، والمعنى هنا: استواءها قائمة، وفي الحقيقة: هو كناية عن ابتداء الشروع في أفعال الحج.

والراحلة: هو المركب من الإبل ذكرًا كان أو أنثى، كذا في العيني.

والإحرام: عند انبعاثها مذهب الشافعي ومالك وأحمد.

وقال أبو حنيفة: يحرم عقب الصلاة جالسًا قبل قيامه، وركوب دابته، وهو قول عند الشافعية.

قال ابن الملقن: وفيه حديث من رواية ابن عباس، لكنه ضعيف.

وتعقبه العيني فقال: الحديث أخرجه الحاكم في (( مستدركه ) )ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم مفسر في الباب، ولم يخرجاه، وأخرجه الطحاوي إلى آخر ما أطال به. فليراجع.

وهذا الحديث خماسي الإسناد، ورواته كلهم مدنيون، وفيهم الأقران؛ لأن عبيدًا وسعيدًا تابعيان من طبقة واحدة، وفيه: التحديث والإخبار والعنعنة.

وأخرجه المؤلف أيضًا في اللباس، ومسلم وأبو داود في الحج، والنسائي في الطهارة، وابن ماجه في اللباس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت