فهرس الكتاب

الصفحة 301 من 1465

وبه قال:

168 - (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بضم العين الحوضي البصري، قال أحمد: ثبتٌ، متقنٌ، لا يؤخذ عليه حرف، مات بالبصرة سنة خمس وعشرين ومائتين (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَشْعَثُ) بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح العين آخره مثلثة (بْنُ سُلَيْمٍ) بالتصغير، من ثقات شيوخ الكوفيين، توفي سنة خمس وعشرين ومائة.

(قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) سليم بن الأسود المُحاربي بضم الميم الكوفي، واشتهر بأبي الشعثاء (عَنْ مَسْرُوقٍ) بن الأجدع الكوفي، أسلم قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وأدرك الصدر الأول من الصحابة، وكانت عائشة قد تبنت مسروقًا، فسمى ابنته عائشة، فكني بأبي عائشة (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (أنها قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ) بالرفع على الفاعلية؛ أي: الابتداء باليمين (فِي تَنَعُّلِهِ) أي: في حال لبسه النعل، وهو بتشديد العين المضمومة في روايات البخاري كلها، وروي في مسلم: (( في نعله ) )بالإفراد، و (( في نعليه ) )بالتثنية.

(وَفي تَرَجُّلِهِ) بتشديد الجيم مضمومة فيقدم شق رأسه الأيمن على الأيسر، وكذلك في اللحية.

قال في (( الفتح ) ): أي: ترجيل شعره وهو تسريحه ودهنه.

قال في (( المشارق ) ): رجّل شعره: إذا مشطه بماء، أو دهن ليلين ويرسل الثائر ويمد المنقبض.

زاد أبو داود عن مسلم بن إبراهيم عن شعبة: (( وسواكه ) ). انتهى.

وتعقبه العيني: بأن اللفظ لا يدل على الدهن، فهذا التفسير من عنده، ولم يفسره أهل اللغة بذلك. انتهى.

وأجاب في (( الانتقاض ) ): بأنهم فسروه بذلك، ونقله عنهم صاحب (( المشارق ) )ومن تبعه. انتهى.

وأقول: فيه نظر من وجهين:

الأول: أنه ليس فيما نقله صاحب (( الفتح ) )عن صحاب (( المشارق ) )فكل عزوٍ لأحد من اللغويين، فربما أنه قال ذلك بحثًا واستنباطًا منه.

والثاني: أن كلامه ليس صريحًا في أن الادِّهان داخل في مفهوم الترجيل، بل الظاهر من تعليله بقوله: ليلين ... إلخ أنه من تتماته المسهِّلة له، وأن أصل الترجيل لا يتوقف عليه، ولو توقف عليه لما صح أن يقال لمن سرَّح شعره بدونه أنه رجّل.

ويدل لذلك أن صاحب (( المشارق ) )لم يقتصر عليه، بل قال: بماء أو دهن، ولم يقل أحد أنه إذا بَلَّ شعره أو دهنه من غير تمشيط أنه رجَّله، ولعل النسخة التي وقف عليها العيني ليس فيها النقل عن صاحب (( المشارق ) )بدليل عدم تعرضه لها، فليتأمل.

(وَفي طُهُورِهِ) بضم الطاء بمعنى تطهره، وقد يفتح.

قال العيني: ذهب الخليل والأصمعي وأبو حاتم السجستاني والأزهري وآخرون: إلى أن الطهور بالفتح في الفعل الذي هو المصدر، والماء الذي يتطهر به.

وقال صاحب (( المطالع ) ): وحكي الضم فيهما، والفرق المذكور ذكره ابن الأنباري عن جماعة من أهل اللغة. انتهى.

فتلخص مما نقله: أن الأشهر في المصدر الضم، ويجوز فيه الفتح، والأشهر فيما يتوضأ به الفتح، ويجوز

ج 1 ص 628

الضم.

والطهور: يشمل الوضوء والغسل والتيمم، ففيه المطابقة للترجمة، فيبدأ بيده اليمنى قبل اليسرى، وبرجله اليمنى قبل اليسرى.

وفي العيني: قال ابن المنذر: أجمعوا على أن لا إعادة على من بدأ بيساره في وضوئه قبل يمينه، وروينا عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما أنهما قالا: (( لا تبالي بأيٍّ بدأت ) )زاد الدارقطني: أبا هريرة.

ونقل المرتضى الشيعي عن الشافعي في (( القديم ) )وجوب تقديم اليمنى على اليسرى، ونسب المرتضى في ذلك إلى الغلط، فكأنه ظن أن ذلك لازم من وجوب الترتيب عند الشافعي.

وقال النووي: أجمع العلماء على أن تقديم اليمنى في الوضوء سنة من خالفها فاته الفضل، وصح وضوءه، والمراد من قوله للعلماء أهل السنة؛ لأن مذهب الشيعة الوجوب، وقد صحف العمراني في (( البيان ) )، والبنديجي في (( التجريد ) )الشيعة بالشين المعجمة بالسبعة من العدد في نسبتهما القول بالوجوب إلى الفقهاء السبعة، وفي كلام الرافعي أيضًا ما يوهم أن أحمد بن حنبل قال بوجوبه.

وليس كذلك؛ لأن صاحب (( المغني ) )قال: لا نعلم في عدم الوجوب خلافًا.

وقال النووي: واعلم أن الابتداء باليسار وإن كان مجزئًا فهو مكروه، نص عليه الشافعي في (( الأم ) ).

وقال أيضًا: إن من الأعضاء في الوضوء ما لا يستحب فيه التيامن، وهو الأذنان والكفان والخدان، بل يطهران دفعة واحدة، فإن تعذر ذلك كما في حق الأقطع ونحوه قدم اليمين. انتهى.

(وفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ) قال في (( الفتح ) ): كذا لأكثر الرواة بغير واو، وفي رواية أبي الوقت: بإثبات الواو، وهي التي اعتمدها صاحب (( العمدة ) ).

قال الشيخ تقي الدين: هو عام مخصوص؛ لأن دخول الخلاء والخروج من المسجد ونحوهما يبدأ فيهما باليسار. انتهى.

وتأكيد الشأن بقوله: (( كله ) )يدل على التعميم؛ لأن التأكيد يرفع المجاز، ويمكن أن يقال: حقيقة الشأن ما كان فعلًا مقصودًا، وما يستحب فيه التياسر ليس من الأفعال المقصودة، بل هي إما تروك، أو غير مقصودة انتهى.

فيدخل فيه نحو: لبس الثوب، والسراويل، والخف، ودخول المسجد، والصلاة على ميمنة الإمام، وميمنة المسجد، والأكل، والشرب، والاكتحال، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، ونتف الإبط، وحلق الرأس، والخروج من الخلاء، وغير ذلك مما في معناه.

والقاعدة: أن كل ما كان من باب التكريم، أو التزين فباليمين، وإلا فباليسار، وهذا على رواية الواو في: (( وفي شأنه ) )، وأما على تركها وهي رواية الأكثر؛ فقد أطال الشراح في توجيهها، وحاصل ما ذكروه يرجع إلى سبعة أوجه:

الأول: أنه على حذف حرف العطف، وهو جائز عند بعضهم حيث دلت عليه قرينة، كما ذكره في (( المغني ) )، وخرَّج عليه آيات منها قوله تعالى: {وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ} [التوبة:92] أي: وقلت.

الثاني: أنه بدل اشتمال، والشرط فيه أن يكون المبدل منه مشتملًا على الثاني؛ أي: متقاضيًا له بوجه ما، ومشعرًا به في الجملة، وهنا كذلك.

والثالث: أنه بدل غلط بناء على أنه قد يقع في فصيح الكلام، فلا ينافي البلاغة.

والرابع: أنه بدل كل من كل؛ لأن الطهور مفتاح أبواب العبادة كلها، والترجل يتعلق بالرأس وبالوجه باعتبار اللحية، والتنعل بالرجل، فكأنه يتعلق بجميع الأعضاء، فصارت الثلاثة مساوية لقوله: (( في شأنه كله ) )ولا يخفى ما فيه.

والخامس: أنه بدل كل من بعض على ما أجازه بعض النحاة في قوله تعالى: {يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا * جَنَّاتِ عَدْنٍ} [مريم:60 - 61] .

وفي قول الشاعر:

~رحم الله أعظمًا دفنوها بسجستان طلحة الطلحات

والسادس: أن يكون من قبيل إبدال الجملة من الجملة بأن يقدر قبل في شأنه كله لفظ يعجبه، فتصير بدلًا من يعجبه الأولى.

والسابع: أن في شأنه كله متعلق بيعجبه لا بالتيمن؛ أي: يعجبه في شأنه كله التيمن في هذه الثلاثة؛ أي: لا يترك ذلك سفرًا، ولا حضرًا، ولا في فراغه، ولا في شغله، ونحو ذلك، ذكر هذا الأخير صاحب (( الفتح ) )ناقلًا عن الكرماني من غير تصريح بالنقل.

وتعقبه العيني بقوله: قلت: كلام الناقل والمنقول عنه ساقط؛ لأنه يلزم منه أن يكون إعجابه التيمن في هذه الثلاثة مخصوص في حالاته كلها، وليس كذلك، بل كان يعجبه التيمن في كل الأشياء في جميع الحالات، ألا ترى: أنه أكد الشأن بمؤكد، والشأن بمعنى الحال، والمعنى في جميع حالاته. انتهى.

وقال في (( الفتح ) ): ووقع في رواية مسلم بتقديم قوله: في شأنه كله على قوله: في تنعله ... الخ، وعليها شرح الطيبي. انتهى.

أقول: فعلى هذه الرواية لا شبهة في أن تنعله، وما عطف عليه بدل من شأنه بإعادة العامل.

وللعيني هنا مناقشة لصاحب (( الفتح ) )لا تخلو عن التكلف تركناها؛ لقلة جدواها، ولا يخفى ما في الحديث من الدلالة على شرف اليمين، وهو سداسي الإسناد، ورواته ما بين بصري وكوفي، وفيه رواية: الابن عن الأب، وقرينين من أتباع التابعين

ج 1 ص 629

أشعث وشعبة، وآخرين من التابعين سليم ومسروق، والتحديث والإخبار والعنعنة.

وأخرجه المؤلف في الصلوات واللباس، ومسلم في الطهارة، وأبو داود في اللباس آخر الصلاة، وقال: حسن صحيح، والنسائي في الطهارة والزينة، وابن ماجه في الطهارة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت