فهرس الكتاب

الصفحة 329 من 1465

وبالسند إلى المؤلف قال:

187 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجاج (قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ) بفتحتين ابن عُتيبة بضم العين تابعي صغير، قيل: إنه لم يسمع من أحد من الصحابة إلا من أبي جحيفة، وقيل: روى عن ابن أبي أوفى أيضًا.

(قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ) بضم الجيم وفتح الحاء المهملة وسكون التحتية، واسمه: وهب بن عبد الله السُّوائي بضم المهملة والمد الثقفي الكوفي رضي الله عنه، توفي سنة أربع وسبعين، له في البخاري سبعة أحاديث (يَقُولُ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: (صلى الله عليه وسلم بِالْهَاجِرَةِ) أي: وسط النهار عند اشتداد الحر في سفر، وكان مدة القصر، فلذلك صلى الظهر والعصر ركعتين ركعتين، وفي رواية: (( أن خروجه كان من قبة حمراء من أدم بالأبطح من مكة ) ).

(فَأُتِيَ) بالبناء للمفعول (بِوَضُوءٍ) بفتح الواو؛ أي: ما يتوضأ به (فَتَوَضَّأَ) منه (فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ) بفتح الواو وهو الماء الذي بقي بعد فراغه من الوضوء وكأنهم اقتسموه أو كانوا يتناولون ما سال من أعضاء وضوئه صلى الله عليه وسلم.

(فَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ) تبركًا به؛ لكونه مس جسده الشريف المقدس، والتمسح من باب التفعل، وهو يأتي لمعانٍ منها الدلالة على أن الفعل ينقضي شيئًا بعد شيء كتجرعته؛ أي: شربته جرعة بعد جرعة، والمعنى هنا كذلك؛ لأن كل واحد منهم يمسح به وجهه ويديه مرة بعد أخرى، ويأتي للتكلف، ويجوز أن يكون مرادًا هنا؛ لأن كل واحد منهم؛ لشدة الازدحام على فضل وضوئه كأنه يتعنى لتحصيله كتشجع وتصبر، وفيه دلالة ظاهرة على طهارة الماء المستعمل إذا كان المراد أنهم يأخذون ما سال من أعضائه صلى الله عليه وسلم، وإن كان المراد أنهم يأخذون ما فضل من وضوئه صلى الله عليه وسلم في الإناء، فيكون المراد منه: التبرك بذلك والماء طاهر، فازداد طهارة ببركة وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده المباركة فيه، كذا في العيني.

أقول:

ج 1 ص 661

لكن هذا الاحتمال الأخير لا يلائم غرض البخاري، إذ غرضه الاستدلال على طهارة الماء المستعمل ردًا على من زعم نجاسته، والماء الفاضل من الوضوء ليس محلًا للنزاع، ولا خلاف في طهارته وطهوريته أيضًا، فليتأمل.

(فَصَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ) قصرًا للرباعية في السفر (وَبَيْنَ يَدَيْهِ) أي: أمامه (عَنَزَةٌ) بفتحات وهي دون الرمح وفوق العصا في الطول، وفيها زج كزج الرمح، وإنما صلى إليها؛ لأنه كان في الصحراء فجعلها سترة.

188 - (وقَالَ أَبُو مُوسى) عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه مما أخرجه المؤلف في المغازي بلفظ: (( كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة ومعه بلال، فأتاه أعرابي فقال له: ألا تنجز لي ما وعدتني، قال: أبشر ) )الحديث.

واقتصر منه هاهنا على موضع الاستشهاد بقوله: (دَعَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ، وَمَجَّ فيهِ) أي: أفرغ ما تناوله من الماء بفيه في الإناء (ثُمَّ قالَ لَهُمَا) أي: لبلال وأبي موسى (اشْرَبَا مِنْهُ، وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا) بالنون جمع نحر، وهو موضع القلادة من الصدر.

قال ابن بطال: فيه دليل على أن لعاب البشر ليس بنجس، ولا بقية شربه، وذلك يدل على أن نهيه عن النفخ في الطعام والشراب ليس على سبيل أن ما تطاير فيه من اللعاب نجس، وإنما هو خشية أن يتعذره الأكل منه، فأمر بالتأدب في ذلك، وهذا المحذور منتفٍ في حقه عليه الصلاة والسلام؛ لأن لعابه أطيب من المسك، وكان أصحابه رضي الله تعالى عنهم يتدافعون على نخامته، ويدلكون بها وجوههم؛ لبركتها وطيبها وخلوفه ما كان يشابه خلوف غيره، وذلك لمناجاته الملائكة، فطيب الله تعالى نكهته وخلوف فمه وجميع رائحته.

وقال العيني: وقال ابن بطال أيضًا: وحديث أبي موسى يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالشرب من الذي مج فيه، والإفراغ على الوجوه والنحور من أجل مرض، أو شيء أصابهما.

قال الكرماني: لم يكن ذلك من أجل ما ذكره، بل كان لمجرد التيمن والتبرك به، وهذا هو الظاهر.

قلت: فعلى هذا لا تطابق بينه وبين ترجمة الباب. انتهى.

وقال القسطلاني: ومطابقة الحديث للترجمة من حيث استعماله عليه الصلاة والسلام الماء في غسل يديه ووجهه، وأمره لهما بشربه وإفراغه على وجوههما ونحورهما، فلو لم يكن طاهرًا لما أمرهما به. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت