وبالسند قال:
189 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المديني (قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) بسكون العين المهملة تقدم في باب ذهاب موسى في البحر إلى الخضر.
(قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي) إبراهيم (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهري (قَالَ: أَخْبَرَنِي) وفي رواية: بالإفراد فيهما (مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ) بفتح الراء وكسر الموحدة (قَالَ) أي: ابن شهاب (وَهُوَ) أي: محمود (الَّذِي مَجَّ) أي: رمى (رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) من فمه العطر الشريف ماء (فِي وَجْهِهِ) يداعبه ويمازحه، والمجاج: الريق الذي يمجه الشخص من فيه.
وجملة: (وَهْوَ غُلاَمٌ) حال من الضمير في وجهه، وصح مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأن المضاف هنا جزؤه على حد: {أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا} [الحجرات:12] (مِنْ بِئْرِهِمْ) أي: بئر محمود وقومه، والذي أخبر به محمود هو قوله: (( عقلت من النبي صلى الله عليه وسلم مجة مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو ) ).
(وَقَالَ عُرْوَةُ) أي: ابن الزبير مما وصله المؤلف في الشروط (عَنِ الْمِسْوَرِ) بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح الواو ابن مَخْرَمة بفتح الميم وسكون المعجمة وفتح الراء الزهري ابن بنت عبد الرحمن بن عوف، قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان سنين، وصح سماعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو صحابي صغير كمروان، كما في الكرماني.
روي له اثنان وعشرون حديثًا، روى البخاري منها ستة، مات زمن محاصرة الحجاج لمكة المشرفة بحجر أصابه من المنجنيق، وهو يصلي في الحجر، فعاش بعده خمسة أيام، ثم توفي سنة أربع وستين.
(وَغَيْرِهِ) بالجر عطفًا على المسور.
قال في (( الفتح ) ): وهو مروان بن الحكم، كما سيأتي موصولًا مطولًا في كتاب الشروط.
وقال
ج 1 ص 662
الكرماني: هذه الرواية وإن كانت عن مجهول، لكنها متابعة، ويغتفر فيها ما لا يغتفر في الأصول.
قال في (( الفتح ) ): وهذا صحيح، إلا أنه لا يعتد به هنا؛ لأن المبهم معروف، وإنما لم يسمه اختصارًا كما اختصر السند فعلقه.
وزعم الكرماني: أن قوله: (( وقال عروة ) )معطوف على قوله في السند الذي قبله: (( أخبرني محمود ) )فيكون صالح بن كيسان روى عن الزهري حديث محمود، وعطف عليه حديث عروة، فعلى هذا لا يكون حديث عروة معلقًا، بل يكون موصولًا بالسند الذي قبله، وصنيع أئمة النقل بخلاف ما زعمه.
واستمر الكرماني على هذا التجويز حتى زعم: أن الضمير في قوله: يصدق كل منهما صاحبه للمسور ومحمود، وليس كما زعم، بل هو للمسور ومروان، وهو تجويز منه بمجرد العقل، والرجوع إلى النقل في باب النقل أولى. انتهى.
(يُصَدِّقُ كُلٌّ مِنْهُمَا) أي: من المسور ومروان (صَاحِبَهُ) أي: حديث صاحبه؛ أي: يوافقه على ما حدث به، ولفظ الحديث موصولًا في كتاب الشروط كما في العيني: (( حدثني عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر قال: أخبرني الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان يصدق كل منهما صاحبه قالا: (( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية ) )الحديث وهو طويل جدًا إلى أن قالا: (( ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعينيه، قال: فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كفِّ رجل منهم، فدلَّك بها وجهه وجلده، وإذ أمرهم ابتدروا أمره ) ).
(وَإِذَا تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم كَادُوا) بالدال لأبي ذر، ولغيره: بالنون (يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ) بفتح الواو، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيمًا له إلى آخر الحديث، والمراد من قوله: ثم إن عروة هو عروة بن مسعود أرسله كفار مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية.
قال العيني: ولفظ (( وإذا توضأ ) )ليس مقولًا لكل واحد من المسور ومروان، بل هو قول عروة بن مسعود؛ لأنه هو القائل ذلك والحاكي له عند مشركي مكة.
وذكر أبو الفضل بن طاهر: أن هذا الحديث معلول، وذلك أن المسور ومروان لم يدركا هذه القصة التي كانت بالحديبية سنة ست؛ لأن مولدهما كان بعد الهجرة بسنتين على ذلك اتفق المؤرخون. انتهى.
وصوب صاحب (( الفتح ) )رواية كادوا بالدال؛ لأنه لم يقع منهم قتال، وإنما حكى ذلك عروة بن مسعود لما رجع إلى قريش.
وقال العيني: كلاهما سواء، والمراد به: المبالغة في ازدحامهم على نخامة النبي صلى الله عليه وسلم وعلى وضوئه. انتهى.