وبه قال:
198 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة الحمصي (عَنِ الزُّهْرِيّ) محمد بن مسلم (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللَّهِ) بالتصغير (ابنُ عَبْدِ اللَّهِ) بصيغة التكبير (ابْنِ عُتْبَةَ) بضم العين وسكون الفوقية، زاد في رواية الأصيلي: (أَنَّ عَائِشَةَ) رضي الله تعالى عنها (قَالَتْ: لَمَّا) بتشديد الميم (ثَقُلَ) بضم الميم [1] (النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) أي: أثقله المرض.
قال في (( الفتح ) )في (( الصحاح ) ): ثقل بوزن صغر.
وفي (( القاموس ) )لشيخنا: ثقل كفرح فهو ثاقل وثقيل اشتد مرضه، فلعل في النسخة سقطًا. انتهى.
قال العيني: هذا يحتاج إلى مستند من أحد أئمة اللغة. انتهى.
(وَاشْتَدَّ [بِهِ] وَجَعُهُ) أي: ألمه (اسْتَأْذَنَ عليه السلام أَزْوَاجَهُ) رضي الله عنهنَّ وكُنَّ إذ ذاك تسعًا، وقد نظم أسماءهنَّ الحافظ أبو الحسن بن المفضل المقدسي بقوله:
~توفي رسول الله عن تسع نسوة إليهن تعزى المكرمات وتنسب
~فعائشة ميمونة وصفية وحفصة تتلوهن هند وزينب
~جويرية مع رملة ثم سودة ثلاث وست ذكرهن مهذب
أي: طلب منهن ترك القسم تطييبًا لخواطرهن، وإن لم يكن واجبًا عليه.
(فِي أَنْ يُمَرَّضَ) متعلق باستأذن، ويُمَرَّض بضم المثناة التحتية وفتح الراء المشددة؛ أي: يخدم في مرضه.
قال الكرماني: ولعله من باب الإزالة والسلب نحو: جلدت البعير ومرضت الضعيف؛ أي: أزلت عنه الجلد والمرض. انتهى.
(فِي بَيْتِي) متعلق بيمرض (فَأَذِنَّ) بتشديد النون؛ أي: أزواجه له صلى الله عليه وسلم أن يمرض في بيت عائشة (فَخَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) من بيت ميمونة على المعتمد، وقيل: من بيت زينب بنت جحش، وقيل: من بيت ريحانة (بَيْنَ رَجُلَيْنِ) حال من فاعل خرج متعلق بمحذوف وجوبًا تقديره بحسب القرينة يمشي.
وقوله: (تَخُطُّ) بضم الخاء المعجمة (رِجْلاَهُ فِي الأَرْضِ) جملة وقعت حالًا من فاعل تخط أيضًا فهي مترادفه؛ أي: تؤثر رجلاه في الأرض لضعفه عن أن يرفعهما (بَيْنَ عَبَّاسٍ) عمه رضي الله عنه (وَرَجُلٍ آخَرَ) بدل من بين رجلين (قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ) الراوي عن عائشة، وهذا مدرج من كلام الزهري الراوي عنه، لكن بالإسناد السابق بغير عاطف (فَأَخْبَرْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما بقول عائشة رضي الله عنها (فَقَالَ: أَتَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الآخَرُ؟) الذي لم تسمه وأبهمته عائشة (قُلْتُ: لاَ) أدري.
(قَالَ) عبد الله، قال في (( الفتح ) ): هو الراوي له عن عائشة، وهو بالإسناد المذكور بغير عطف. انتهى.
(هُوَ عَلِيٌّ) وفي رواية: (( ابن أبي طالب ) )، وفي رواية مسلم: (( وبين الفضل بن عباس ) )، وفي أخرى: (( بين رجلين أحدهما أسامة ) )وعلى هذا فكأن العباس كان أدومهم لأخذه بيده الكريمة إكرامًا له واختصاصًا به، والثلاثة يتناوبون الأخذ بيده الأخرى، ومن ثم صرحت عائشة بالعباس وأبهمت الآخر.
وقيل: لم تصرح بعلي لما كان عندها منه مما يعرض للبشر حيث قال للنبي صلى الله عليه وسلم في قصة الإفك: (( إن الله لم يضيِّق عليك، والنساء سواها كثير ) )وهو بعيد على مثلها رضي الله عنها مع علمها، ووفور عقلها، وتخلقها بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم.
(وَكَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا)
ج 1 ص 671
قال في (( الفتح ) ): هو معطوف أيضًا بالإسناد المذكور.
قال الكرماني: هو مقول عبيد الله، لا مقول عبد الله، ويحتمل أن يكون ما سمع عبيد الله من عائشة، فيكون مسندًا، وأن يكون تعليقًا من عبيد الله.
(تُحَدِّثُ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ بَعْدَ مَا دَخَلَ بَيْتَهُ) ولابن عساكر: أي: عائشة، وأضيف إليها مجازًا لملابسة السكنى فيه (وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ) وللأصيلي: (هَرِيقُوا) من هراق الماء يهريقه، وللأصيلي وأبوي ذر والوقت وابن عساكر: بفتح الهمزة.
قال في (( الفتح ) ): وللأصيلي: بزيادة الهمزة.
قال ابن التين: هو بإسكان الهاء، ونقل عن سيبويه أنه قال: أهراق يهريق اهرياقًا، مثل: أسطاع يسطيع اسطياعًا بقطع الألف وفتحها في الماضي وضم الياء في المستقبل وهي لغة في أطاع يطيع، فجعلت السين عوضًا من ذهاب حركة عين الفعل.
قال: وروي بفتح الهاء واستشكله.
ويوجه: بأن الهاء مبدلة من الهمزة؛ لأن أصل هراق أراق، ثم اجتلبت الهمزة، فتحريك الهاء على إبقاء البدل والمبدل منه، وله نظائر، وذكر له توجيهًا آخر، وأن أصله: أأريقه فأبدلت الهمزة الثانية هاء للتخفيف.
وجزم ثعلب في (( الفصيح ) ): بأن أهَريقه بفتح الهاء. انتهى.
وقال في (( المصابيح ) ): وفي رواية: (( أَهريقوا ) )بهمزة مفتوحة، وجوز السفاقسي فتح الهاء وإسكانها، واستشكل الجمع بين الهمزة والهاء. انتهى.
(عَلَيَّ) بتشديد الياء (مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ) بكسر القاف وفتح الراء جمع قِربة بكسر القاف، وهي ما يستقى به، وهو جمع كثرة، وجمع القلة: قرْبات بسكون الراء وفتحها (لَمْ تُحْلَلْ) بالبناء للمفعول (أَوْكِيَتُهُنَّ) جمع وكاء، وهو ما يربط به فم القربة (لَعَلِّي أَعْهَدُ) بفتح الهمزة والهاء (إِلَى النَّاسِ) أي: أوصيهم، يقال: عهدت إليه؛ أي: أوصيته (وَأُجْلِسَ) وفي رواية: (( فأجلس ) )بالفاء، وكلاهما بالبناء للمفعول، وفيه إشارة إلى أنه لم يقدر على الجلوس بنفسه (فِي مِخْضَبٍ) بكسر الميم وفتح الضاد المعجمة من نحاس، كما في رواية ابن خزيمة.
قال في (( الفتح ) ): وفيه: إشارة إلى الرد على من كره الاغتسال فيه، كما ثبت ذلك عن ابن عمر، وقال عطاء: إنما كره من النحاس ريحه.
(لِحَفْصَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ طَفِقْنَا) بكسر الفاء، وقد تفتح؛ أي: جعلنا وشرعنا (نَصُبُّ) بضم الصاد المهملة عليه (عَلَيْهِ من تِلْكَ) القرب السبع (حَتَّى طَفِقَ) أي: جعل صلى الله عليه وسلم (يُشِيرُ إِلَيْنَا: أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ) أن هي التفسيرية؛ لأن قبلها جملة فيها معنى القول دون حروفه وهي: يشير؛ أي: أتيتن بما أمرتكن به.
قال الكرماني: وإنما طلب ذلك صلى الله عليه وسلم منهن؛ لأن المريض إذا صب عليه الماء البارد ثابت إليه قوته في بعض الأمراض، ويشبه أن يكون ما اشترطه في القرب من أن لم تكن حلت أوكيتهن طهارة الماء، وذلك لأن أول الماء أطهره وأصفاه؛ لأن الأيدي لم تخالطه ولم تدنسه بعد.
وقد يحتمل: أن تخصيص السبع للتبرك، ففي عدد السبع بركة، ولها شأن لوقوعها في كثير من معالجاتهم الخلقية، وبعض الأمور الشرعية والأواني والقرب إنما توكى وتحل على ذكر الله تعالى، فاشترط أن يكون صب الماء عليه من الأسقية التي لم تحلل؛ لتكون قد جمعت بركة الذكر في شدها وحلها معًا، والله أعلم بحقيقة ما أراد من ذلك. انتهى.
(ثُمَّ خَرَجَ) صلى الله عليه وسلم من بيت عائشة (إِلَى النَّاسِ) الذين في المسجد، فصلى بهم وخطبهم، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الوفاة النبوية مع ما في الحديث من المباحث بحول الله تعالى وقوته.
وفي الحديث دلالة لمن يقول: بأن القسم كان واجبًا عليه، وإلا لم يحتج إلى استئذانهن، وهو قول الجمهور، ولمن يقول بعدم الوجوب أن يجيب: بأنه إنما فعل ذلك تطييبًا لخواطرهن، وفيه: أن لبعض ضرات المرأة أن تهب نوبتها لها، وفيه: جواز الإجلاس في المخضب وإن كان من نحاس، وفيه: مشروعية إراقة الماء على المريض بنية التداوي وقصد الشفاء.
وفيه: دلالة على فضل عائشة رضي الله عنها لاختياره صلى الله عليه وسلم التمريض في بيتها، وفيه: أنه صلى الله عليه وسلم كان يشتد به المرض ليعظم الله تعالى له الأجر بذلك، وفيه: جواز الأخذ بالإشارة، وفيه: ندب الوصية.
ورواته ما بين حمصي ومدني، وفيه: التحديث
ج 1 ص 672
والإخبار بصيغة الجمع والإفراد.
وأخرجه المؤلف في ستة مواضع غير هذا في الصلاة في موضعين، وفي الهبة، والخمس، والمغازي، وفي مرضه، والطب، ومسلم في الصلاة، والنسائي في عشرة النساء وفي الوفاة، والترمذي في الجنائز.
[1] كذا في المخطوط، ولعل الصواب: (( القاف ) ).