وبه قال:
203 - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) بفتح العين بن فَرُّوخ بالفاء المفتوحة وضم الراء المشددة وفي آخره معجمة (الْحَرَّانِيُّ) بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء وبعد الألف نون نسبة إلى حران، وهي بلدة قديمة بين دجلة والفرات، كانت تعدل مصر، واليوم خراب (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) ابن سعد إمام أهل مصر (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) بالمثناة التحتية الأنصاري (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بسكون العين بن عبد الرحمن بن عوف (عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ) بن شعبة (عَنْ أَبِيهِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) رضي الله عنه (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَنَّهُ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ) في غزوة تبوك عند صلاة الفجر كما في (( الموطأ ) )و (( مسند أحمد ) )و (( سنن أبي داود ) )من طريق عباد بن زياد عن عروة بن المغيرة.
(فَاتَّبَعَهُ) بتشديد الفوقية (الْمُغِيرَةُ) فيه التفات على مذهب السكاكي، ومقتضى الظاهر: فاتبعته بتاء المتكلم (بِإِدَاوَةٍ) بكسر الهمزة وقد تفتح (فِيهَا مَاءٌ) وللمصنف في الجهاد وغيره: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أمره أن يتبعه بالإداوة ) )وزاد: (( فانطلق حتى توارى عني، فقضى حاجته ثم أقبل فتوضأ ) ).
وعند أحمد من طريق أخرى عن المغيرة: أن الماء الذي توضأ به أخذه المغيرة من أعرابية صبته له من قربة كانت جلد ميتة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (( سلها إن كانت دبغتها، فهو طهورها ) )وأنها قالت: أيْ والله لقد دبغتها.
(فَصَبَّ) المغيرة (عَلَيْهِ) صلى الله عليه وسلم (حِينَ فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ، فَتَوَضَّأَ) .
قال في (( الفتح ) ): زاد في الجهاد: (( وعليه جبة شامية ) )، ولأبي داود: (( من صوف من جباب الروم ) )، وزاد المصنف في الطريق الذي في باب الرجل يوضئ صاحبه: (( فغسل وجهه ويديه ) )والفاء في فغسل تفصيلية، وتبين من ذلك أن المراد بقوله: توضأ؛ أي: بالكيفية المذكورة لا أنه غسل رجليه.
واستدل به القرطبي على الاقتصار على فروض الوضوء دون سننه، لاسيما في حال مظنة قلة الماء كالسفر.
قال: ويحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها، فلم يذكرها المغيرة.
قال: والظاهر خلافه.
قلت: بل فعلها وذكرها المغيرة؛ ففي رواية أحمد من طريق عباد بن زياد المذكورة: (( أنه غسل كفيه ) )، وله من وجه آخر قوي: (( فغسلهما فأحسن غسلهما ) )قال: وأشك أقال: دلكهما بتراب أم لا؟.
وللمصنف في الجهاد: (( أنه تمضمض
ج 1 ص 677
واستنشق وغسل وجهه )) زاد أحمد: (( ثلاث مرات فذهب يخرج يديه من كميه فكانا ضيقين فأخرجهما من تحت الجبة ) ).
ولمسلم من وجه آخر: (( وألقى الجبة على منكبيه ) )، ولأحمد: (( فغسل يده اليمنى ثلاث مرات ) )، وللمصنف: (( ومسح برأسه ) )، وفي رواية لمسلم: (( ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين ) ). انتهى.
(وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ) أي: بدلًا عن غسل الرجلين، ويفهم من (( على ) )عدم جواز المسح على أسفلهما، وهو كذلك عند الجمهور، ومحله من رؤوس أصابعه إلى مقعد الشراك، وفرضه العملي قدر ثلاث أصابع اليد أصغرها طولًا وعرضًا من كل رجل عند أبي حنيفة، وعند الشافعية: ما يسمى مسحًا وإن قل.
وفي الحديث فوائد:
منها: الإبعاد عند قضاء الحاجة، والتواري عن الأعين، واستحباب الدوام على الطهارة؛ لأمره صلى الله عليه وسلم المغيرة أن يتبعه بالماء مع أنه لم يستنج به، وإنما توضأ به حين رجع، وفيه: جواز الاستعانة في الطهارة، وغسل ما يصيب اليدين من الأذى عند الاستجمار، وفيه: جواز الانتفاع بجلود الميتة إذا دبغت، والانتفاع بثياب الكفار حتى نتحقق نجاستها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لبس الجبة الرومية ولم يستفصل.
قال في (( الفتح ) ): واستدل به القرطبي على أن الصوف لا ينجس بالموت؛ لأن الجبة كانت شامية، وكانت الشام إذ ذاك دار كفر، ومأكول أهلها الميتات كذا قال. انتهى.
أقول: إنما ذكر هذه الصيغة التي تستعمل غالبًا في التبرئ مما في قوله: ومأكول أهلها الميتات من النظر؛ لأنه مبني على أن ذبيحتهم ميتة، وهو غير مسلم؛ لأنهم كانوا أهل كتاب، ولا منافاة بين ما وقع في الأحاديث كما تقدم في كلام صاحب (( الفتح ) )من كون الجبة رومية، وكونها شامية؛ لأن الشام إذ ذاك كانت دار ملك الروم.
وقال في (( الفتح ) ): وفيه: الرد على من زعم أن المسح على الخفين منسوخ بآية الوضوء التي في المائدة؛ لأنها نزلت في غزوة المريسيع، وكانت هذه في غزوة تبوك وهي بعدها باتفاق، وفيه: التشمير في السفر، ولبس الثياب الضيقة فيه؛ لكونها أعون على ذلك، وفيه: المواظبة على سنن الوضوء حتى في السفر، وفيه: قبول خبر الواحد في الأحكام، ولو كانت امرأة سواء كان ذلك فيما تعم به البلوى أم لا؟.
لأنه صلى الله عليه وسلم قبل خبر الأعرابية كما تقدم، وفيه: أن الاقتصار على غسل معظم المفروض غسله لا يكفي؛ لإخراجه صلى الله عليه وسلم يديه من تحت الجبة، ولم يكتف فيما بقي تحتها بالمسح عليه. انتهى.
ورواة هذا الحديث السبعة ما بين حراني وبصري ومدني، وفيهم أربعة من التابعين على الولاء من يحيى إلى عروة.