وبالسند قال:
223 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التنيسي (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بصيغة التصغير في الأول (بْنِ عُتْبَةَ) بضم العين وسكون الفوقية ابن مسعود (عَنْ أُمِّ قَيْسٍ) بفتح القاف وسكون التحتية قد ذكرها الذهبي في (( الكنى ) )ولم يذكر لها اسمًا، وعند ابن عبد البر اسمها: جذامة بالجيم والذال المعجمة، وعند السهيلي: آمنة (بِنْتِ) ولأبي الوقت والأصيلي: (مِحْصَنٍ) بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين وهي أخت عكاشة، أسلمت قديمًا وهاجرت، وهي من المعمرات، روي لها في الصحيحين حديثان هذا أحدهما.
(أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ، لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ) لعدم قدرته
ج 1 ص 698
على مضغه ودفعه لمعدته، والمعنى: أنه لم يتغذَّ به ولم يستغن به عن الرضاع.
قال في (( الفتح ) ): المراد بالطعام ما عدا اللبن الذي يرتضعه، والتمر الذي يحنك به، والعسل الذي يلعقه للمداواة وغيرها، فكأن المراد أنه لم يحصل له الاغتذاء بغير اللبن على الاستقلال هذا مقتضى كلام النووي في (( شرح مسلم ) )و (( شرح المهذب ) )، وأطلق في (( الروضة ) )أنه لم يطعم ولم يشرب غير اللبن. انتهى.
وتعقبه العيني فقال: لا يحتاج إلى هذه التقديرات، فإنها صادرة عن غير روية ولا تحقيق، بل المراد من قوله: لم يأكل الطعام لم يقدر على مضغ الطعام ولا على دفعه إلى باطنه؛ لأنه رضيع لا يقدر على ذلك، أما اللبن؛ فلأنه مشروب غير مأكول فلا يحتاج إلى استثنائه؛ لعدم دخوله في لم يأكل الطعام، وأما التمر والعسل الذي يحنك به ويداوى به، فليس باختياره فلا حاجة إلى استثنائه، ثم قال: وكذلك لا يحتاج إلى سؤال الكرماني وجوابه. انتهى ملخصًا.
(إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) متعلق بأتت، ولعل إتيانها به كان ليبارك عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
قال في (( الفتح ) ): مات وهو صغير في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم أقف على اسمه (فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي حِجْرِهِ) بكسر الحاء وقد تفتح.
قال في (( الفتح ) ): أجلسه؛ أي: وضعه إن قلنا: أنه كان كما ولد، ويحتمل أن يكون الجلوس منه على العادة إن قلنا أنه كان فيمن يحبو كما في قصة الحسن. انتهى.
وتعقبه العيني فقال: ليس المعنى كذلك؛ لأن الجلوس يكون عن نوم أو اضطجاع، وإذا حصل كانت الحال التي تخالفه القعود، والمعنى هاهنا: أقامه عن مضجعه؛ لأن الظاهر أن أم قيس أتت به وهو في قماط مضطجع، فأجلسه النبي صلى الله عليه وسلم؛ أي: أقامه في حجره، وإن كانت أتت به وهو في يدها، فإن كان عمره كان مقدار سنة أو جاوزها قليلًا، والحال أنه رضيع يكون المعنى تناوله منها وأجلسه في حجره وهو يمسكه لعدم مسكته؛ لأن أصل تركيب هذه المادة يدل على ارتفاع في الشيء. انتهى.
(فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ) أي: ثوب النبي صلى الله عليه وسلم (فَدَعَا بِمَاءٍ، فَنَضَحَهُ) بالحاء المهملة؛ أي: رشه بماء عمه من غير سيلان.
قال في (( الفتح ) ): ولمسلم من طريق الليث عن ابن شهاب فلم يزد على أن نضح بالماء وله من طريق ابن عيينة عن ابن شهاب فرشه.
زاد أبو عوانة في (( صحيحه ) )عليه ولا تخالف بين الروايتين؛ أي: بين نضح ورش؛ لأن المراد به أن الابتداء كان بالرش وهو تنقيط الماء فانتهى إلى النضح وهو صب الماء.
ويؤيده: رواية مسلم في حديث عائشة من طريق جرير عن هشام: (( فدعا بماء فصبه عليه ) )ولأبي عوانة: (( فصبه على البول يتبعه إياه ) ). انتهى.
(وَلَمْ يَغْسِلْهُ) هذا دليل على أن المراد بالنضح والرش الغمر؛ لأن الغسل يعتبر فيه إسالة الماء على المغسول.
قال في (( الفتح ) ): ادعى الأصيلي: أن هذه الجملة من كلام ابن شهاب راوي الحديث وأن المرفوع انتهى عند قوله: فنضحه.
قال: وكذلك روى معمر عن ابن شهاب، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة قال: (( فرشه ولم يزد على ذلك ) ). انتهى.
وليس في سياق معمر ما يدل على ما ادعاه من الإدراج، وقد أخرجه عبد الرزاق عنه بنحو سياق مالك، لكنه لم يقل ولم يغسله وقد قالها مع مالك الليث وعمرو بن الحارث ويونس بن يزيد كلهم عن ابن شهاب أخرجه ابن خزيمة والإسماعيلي وغيرهما من طريق ابن وهب عنهم، وهو لمسلم عن يونس وحده زاد معمر في روايته قال: قال ابن شهاب: فمضت السنة على أن يرش بول الصبي ويغسل بول الجارية، فلو كانت هذه الزيادة هي التي زادها مالك ومن تبعه لأمكن دعوى الإدراج، لكنها غيرها فلا إدراج. انتهى.
وملخص القول في ذلك: أن الشافعية احتجوا على أن بول الصبي يكتفي فيه بإتباع الماء إياه من غير احتياج إلى إسالة الماء بظاهر قوله: ولم يغسله.
قال العيني: وعن هذا قال بعضهم بطهارة بوله.
وقال النووي: الخلاف في كيفية تطهير الشيء الذي يبول عليه الصبي، ولا خلاف في نجاسة بوله، وقد نقل بعض أصحابنا إجماع العلماء على نجاسة بول الصبي، وأنه لم يخالف فيه إلا داود، وأما ما حكاه الحسن بن بطال: ثم قال القاضي عياض عن الشافعي وغيره أنهم قالوا: بول الصبي طاهر وينضح فحكاية باطلة.
قلت: هذا إنكار من غير برهان، ولم ينقل هذا عن الشافعي وحده، بل نقل عن مالك أيضًا أن بول الصبي الذي لم يأكل الطعام طاهر، وكذا نقل
ج 1 ص 699
عن الأوزاعي وداود الظاهري.
ثم قال النووي: وكيفية طهارة بول الصبي والجارية على ثلاثة مذاهب، وهي ثلاثة أوجه لأصحابنا الصحيح المشهور والمختار: أنه يكفي النضح في بول الصبي ولا يكفي في بول الجارية، بل لا بد من غسله كغيره من النجاسات.
والثاني: أنه يكفي النضح فيهما.
والثالث: أنه لا يكفي النضح فيهما وهما شاذان ضعيفان، وممن قال بالفرق؛ علي بن أبي طالب، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وابن وهب من أصحاب مالك، وروي عن أبي حنيفة. انتهى.
وذهب أبو حنيفة ومالك إلى عدم الفرق بين الذكر والأنثى، بل قالا بالغسل فيهما مطلقًا سواء أكل الطعام أم لا، واستدل لهما بأنه عليه الصلاة والسلام نضح.
والنضح: هو الغسل لقوله عليه الصلاة في المذي: (( فلينضح فرجه ) ). رواه أبو داود وغيره من حديث المقداد.
والمراد به: الغسل كما وقع التصريح به في مسلم والقصة واحدة كالراوي، ولحديث أسماء في غسل الدم: (( وانضحيه ) ).
وقد ورد الرش، وأريد به الغسل كما في حديث ابن عباس في الصحيح؛ لما حكى الوضوء النبوي: (( أخذ غرفة من ماء ورش على رجله اليمنى حتى غسلها، وأراد بالرش هنا الصب قليلًا قليلًا ) ).
وتأولوا قوله: (( ولم يغسله ) )أي: غسلًا مبالغًا بالعصر ونحوه كما تغسل الثياب.
قال في (( الفتح ) ): وهو خلاف الظاهر، ويبعده ما ورد في الأحاديث الأخر يعني التي قدمناها من التفرقة بين بول الصبي والصبية، فإنهم لا يفرقون بينهما.
قال: وقد ذكر في التفرقة بينهما أوجه:
منها ما هو ركيك وأقوى ذلك ما قيل: إن النفوس أعلق بالذكور منها بالإناث يعني: فحصلت الرخصة في الذكور؛ لكثرة المشقة.
وفي الحديث من الفوائد: الندب إلى حسن المعاشرة، والتواضع، والرفق بالصغار، وتحنيك المولود، والتبرك بأهل الفضل بحمل الأطفال إليهم حال الولادة وبعدها، وحكم بول الغلام والجارية قبل أن يطعما، وهو مقصود الباب.
فائدة: مجموع الصغار الذين حصل منهم بول على ثياب النبي صلى الله عليه وسلم خمسة: الحسن، والحسين، وعبد الله بن الزبير، وابن أم محصن، وسلمان بن هشام رضي الله تعالى عنهم، قاله الذهبي.