وبالسند إلى المؤلف قال:
228 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) غير منسوب عند الأكثر، ولأبي الوقت وابن عساكر: ، وللأصيلي: ، ولأبي ذر: وهو بتخفيف اللام البيكندي (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم بمعجمتين الضرير (قال: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير (عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها أنها (قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: (أَبِي حُبَيْشٍ) بضم الحاء المهملة وفتح الموحدة وسكون المثناة التحتية آخره شين معجمة قيس بن المطلب وهي قرشية أسدية.
قال في (( الفتح ) ): وهي غير فاطمة بنت قيس التي طلقت ثلاثًا.
(إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ) بضم الهمزة مضارع مبني للمفعول، يقال: استحيضت المرأة إذا استمر بها الدم بعد أيامها المعتادة فهي مستحاضة،
ج 1 ص 705
والاستحاضة: جريان الدم من فرج المرأة في غير أوانه، كذا في (( الفتح ) ).
أقول: وفي قوله: بعد أيامها المعتادة نظر؛ لأن مجاوزة العادة في الحيض لا تعد استحاضة إلا إذا تجاوزت أكثر الحيض، وأما إذا تجاوز الدم العادة وانقطع على أكثر الحيض فهو حيض كما في كتب الفروع، فالأولى: ما في العيني من أن الاستحاضة اسم لما نقص عن أقل الحيض، أو زاد على أكثره.
(فَلاَ أَطْهُرُ) بضم الهاء؛ أي: لا ينقطع دمي على العادة، بل يستمر، والسين في أُستحاض للتحول؛ لأن دم الحيض تحول من الحيض أو النفاس إلى الاستحاضة، كما في استحجر الطين، وبني الفعل في الاستحاضة للمفعول، فيقال: استحيضت بخلافه في الحيض، فيقال: استحاضت بالبناء للفاعل وحاضت؛ لأن دم الحيض لما كان معتادًا معروف الوقت نسب إليها، والآخر لما كان نادرًا ومجهول الوقت، وكان منسوبًا إلى الشيطان كما في الحديث: (( أنها ركضة الشيطان ) )بني للمفعول وتأكيدها بأن لتحقيق القضية لندور وقوعها، لا لأن النبي صلى الله عليه وسلم متردد أو منكر.
(أَفَأَدَعُ) أي: أترك (الصَّلاَةَ) والعطف هنا على مقدر بعد الهمزة؛ لأن لها صدر الكلام عند الزمخشري ومن وافقه؛ أي: أيكون لي حكم الحائض فأترك الصلاة وعند الجمهور الهمزة مقدمة من تأخير للدلالة على عراقتها في الصدارة من بين سائر أدوات الاستفهام.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لاَ) تدعي الصلاة أيام استحاضتك (إِنَّمَا ذَاكِ) بكسر الكاف (عِرْقٌ) أي: دم عِرق بكسر العين ويقال له: العاذل بالعين المهملة والذال المعجمة (وَلَيْسَ) دم ذلك العرق (بِحَيْضٍ) لأن دم الحيض يخرج من قعر الرحم.
(فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ) بفتح الحاء للمرة وبكسرها للهيئة والحالة، وقد تسمى بها الخرقة التي تستثفر بها المرأة حال الدم، وصوب الخطابي: الكسر؛ لأن المراد بها الحالة ورده القاضي عياض وغيره وقالوا: الأظهر الفتح وهو الموجود في فرع اليونينية؛ لأن المراد إذا أقبل الحيض (فَدَعِي الصَّلاَةَ) أي: اتركيها فهو أمر يتضمن نهي الحائض عن الصلاة فيقتضي الفساد وهو كذلك إجماعًا (وَإِذَا أَدْبَرَتْ) أي: انقطعت (فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي) .
قال العيني: ظاهره مشكل؛ لأنه لم يذكر الغسل، ولا بد بعد انقضاء الحيض من الغسل وأجيب عنه بأن الغسل وإن لم يذكر في هذه الرواية فقد ذكر في رواية أخرى صحيحة قال فيها: (( فاغتسلي ) ).
والحديث يفسر بعضه بعضًا وأما قول بعضهم فاغسلي عنك الدم؛ أي: واغتسلي فغير موجه أصلًا. انتهى.
وأقول: لا يخفى أن مستند ذلك البعض في تقديره واغتسلي الرواية التي ذكرها العيني فقوله غير موجه والمراد بقوله ثم صلي؛ أي: أول صلاة تدركينها وقال مالك في رواية تستظهر بالإمساك عن الصلاة ونحوها بثلاثة أيام على عادتها.
(قَالَ) هشام بالإسناد المذكور عن محمد عن أبي معاوية عن هشام فهو موصول كما بينه الترمذي في روايته (وَقَالَ أَبِي) أي: عروة بن الزبير (ثُمَّ تَوَضَّئِي) بصيغة الأمر (لِكُلِّ صَلاَةٍ، حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ) أي: وقت إقبال الحيض وكاف ذلكِ مكسورة كما في اليونينية وصحح عليه.
قال في (( الفتح ) ): وادعى بعضهم أن هذا معلق وليس بصواب بل هو بالإسناد المذكور عن محمد عن أبي معاوية عن هشام وادعى آخر أن قوله ثم توضئي من كلام عروة موقوفًا عليه، وفيه نظر؛ لأنه لو كان كلامه لقال ثم تتوضأ بصيغة الإخبار فلما أتى بصيغة الأمر شاكل الأمر الذي في المرفوع وهو قوله فاغسلي. انتهى.
وتعقبه العيني فقال: هذا احتمال فلا يقع به القطع ولا يلزم من مشاكلة الصيغتين. انتهى.
وفيه: أن الظن والاحتمال الراجح كافٍ هنا فليتأمل.
وفي الحديث من الفوائد جواز استفتاء المرأة بنفسها ومشافهتها الرجال فيما يتعلق بأمر من أمور الدين، وفيه: جواز استماع صوت المرأة عند الحاجة الشرعية وأنه ليس بعورة، وفيه: نهي الحائض عن الصلاة أيام حيضها ويستوي في ذلك الفرض والنفل والطواف وصلاة الجنازة وسجدة التلاوة والشكر، وفيه: دليل على نجاسة الدم.
وفيه: أن الصلاة تجب بمجرد انقطاع دم الحائض فيجب عليها أن تغتسل في الحال لأول صلاة تدركها خلافًا لمالك فعنه ثلاث روايات الأولى ما تقدم من أنها تغتسل في الحال والثانية تستظهر بثلاثة أيام وما بعد ذلك استحاضة والثالثة تترك الصلاة إلى خمسة عشر يومًا التي هي أكثر مدة الحيض
ج 1 ص 706
عنده، وفيه: دليل للحنفية على نقض الوضوء بخروج الدم من غير السبيلين؛ لأنه صلى الله عليه وسلم علل نقض الطهارة بخروج الدم من العرق وكل دم يبرز من البدن فإنما يبرز من عرق؛ لأن العروق هي مجاري الدم من الجسد.
وقال الخطابي: ليس معنى الحديث ما ذهب إليه هؤلاء ولا مراد الرسول صلى الله عليه وسلم ما توهموه وإنما أراد أن هذه العلة إنما حدثت من تصدع العرق وتصدع العرق علة معروفة عند الأطباء يحدث ذلك عند غلبة الدم فتتصدع العروق إذا امتلأت تلك الأوعية. انتهى.
وتعقبه العيني فقال: ليس معنى الحديث ما ذهب إليه الخطابي؛ لأنه قيد إطلاق الحديث وخصص عمومه من غير مخصص وهو ترجيح بلا مرجح وهو باطل. انتهى.