فهرس الكتاب

الصفحة 427 من 1465

وبالسند إلى المؤلف قال:

248 - (حدّثَنا عبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ) : التنيسي (قالَ: أَخْبَرَنا مَالكٌ عنْ هِشَامٍ) : ابن عروة (عنْ أَبيهِ) : عروة بن الزبير بن العوام (عَن عَائِشةُ، زوجُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ) : أي: إذا أراد أن يغتسل كقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة:6] (مِنَ الْجَنَابَةِ) : أي: من أجلها فمن هنا للتعليل كقوله تعالى: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا} [نوح:25] .

وقال العيني: للسببية وذكر في الحديث ثلاثة أفعال بلفظ الماضي وهي قولها: (( بدأ فغسل ثم توضأ ) )، وبقية الأفعال ذكرت بلفظ المضارع وهي: (( يدخل ) ) (( فيخلل ) ) (( ثم يصب ) ) (( ثم يفيض ) ).

فإن قلت: كيف صح عطف الفعل المضارع على الماضي وعطف الفعل على الفعل مشروط باتحاد زمانيهما؟

قلت: هذه الأفعال الماضوية لفظها ماض ومعناها مستقبل؛ لأن أداة الشرط تقلب معنى الماضي مستقبلًا فيكون من عطف مستقبل على مستقبل.

قال العيني: وأما الاختلاف في اللفظ فللإشعار بالفرق بين ما هو خارج عن الغسل وغير خارج عنه. انتهى.

وأقول: في هذا الإشعار خفاء؛ لأن الخارج عن الغسل ما عبر عنه بالماضي كما هو ظاهر، والتعبير عن المستقبل بالماضي لفظًا أبلغ لاشتماله على نكات مذكورة في علم المعاني كتحقق الوقوع كما في: {أَتَى أَمْرُ اللّهِ} [النحل:1] ، وكإبراز غير الحاصل في معرض الحاصل لقوة الأسباب المتآخذة في حصوله، وكالتفاؤل، وإظهار الرغبة في وقوعه، وغير ذلك، فلو كان الأمر بالعكس لكان للإشعار تقريب في الجملة، فليتأمل.

وهذا إذا كانت شرطية فإن كانت ظرفية فالماضي على أصله وأما المضارع فعبر به عن الماضي لاستحضار صورته كذا في العيني

(بَدَأَ) : بهمزة في آخره (فَغَسَلَ يَدَيْهِ) : أي: ثلاثًا قبل الشروع في الوضوء وإدخالهما الإناء.

قال العيني: وهذا الغسل يحتمل وجهين:

الأول: أن يكون لأجل التنظيف مما بهما من مستقذر.

والثاني: أن يكون هو الغسل المشروع عند القيام من النوم، ويشهد له ما في رواية ابن عيينة في هذا الحديث عن هشام: (( قبل أن يدخلهما في الإناء ) ). انتهى.

أقول: وهذه سنة تنوب عن الفرض كما ذكروه في سنن الوضوء. وزاد مسلم وكذا الترمذي: (( ثم يغسل فرجه ) )وهي زيادة حسنة وإن لم يكن به قذر ولأن تقديم غسله يحصل به الأمن من مسه في أثناء الغسل عند من يقول بانتقاض الوضوء بمسه

(ثُمَّ يَتَوَضَّأُ) : ولأبي ذر: (كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاَةِ) : بالبناء للفاعل. ويجوز أن يكون مبنيًا للمفعول وظاهره: أنه يغسلهما أيضًا وهو أفضل، ويجوز تركه اكتفاء بغسلهما أولًا؛ لأنها سنة تنوب عن الفرض كما تقدم.

واحترز بقوله: (( كما يتوضأ للصلاة ) ): عن الوضوء

ج 1 ص 747

اللغوي وهو غسل اليدين فقط.

قال العيني: والصحيح: أنه يمسح رأسه في هذا الوضوء، كما نص عليه في (( المبسوط ) )، ولا عبرة برواية الحسن عند عدم المسح؛ لأنها ضعيفة.

قال في (( الفتح ) ): يحتمل أن يكون الابتداء بالوضوء قبل الغسل سنة مستقلة بحيث يجب غسل أعضاء الوضوء مع بقية الجسد في الغسل، ويحتمل أنه يكتفى بغسلها في الوضوء عن إعادته، وعلى هذا فيحتاج إلى نية غسل الجنابة في أول عضو. وإنما قدم غسل أعضاء الوضوء تشريفًا لها، ولتحصل له صورة الطهارتين: الصغرى والكبرى وإلى الثاني جنح الداودي شارح (( المختصر ) )من الشافعية فقال: يقدم غسل أعضاء وضوئه على ترتيب الوضوء لكن بنية غسل الجنابة. انتهى.

وقال العيني: ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: (( كما يتوضأ للصلاة ) ): يدل على أنه لا يؤخر غسل رجليه، وهو الأصح من قولي الشافعي. والقول الثاني: أنه يؤخر عملًا بظاهر حديث ميمونة كما يأتي إن شاء الله تعالى. وله قول ثالث: إن كان الموضع نظيفًا فلا يؤخر وإن كان وسخًا والماء قليلًا أخر جمعًا بين الأحاديث. وعند أصحابنا: إن كان في مستنقع الماء يؤخر وإلا فلا، وهو مذهب مالك أيضًا. انتهى.

وقال في (( إرشاد الساري ) ): ثم إن ظاهر الحديث مشروعية التثليث في وضوء الغسل وهو كذلك، لكن قال عياض: إنه لم يأت في شيء من وضوء الجنب ذكر التكرار وقد قال بعض شيوخنا: إن التكرار في الغسل لا فضيلة فيه.

وأجيب: بأن الإحالة على وضوء الصلاة تقتضيه، ولا يلزم من أنه لا فضيلة في عمل الغسل أن لا تكون في وضوئه. ومن شيوخنا من كان يفتي سائله بالتكرار وكان غيره يفتي بتركه قاله أبو عبد الله الأبي. انتهى.

قال في (( الفتح ) ): ونقل ابن بطال الإجماع على أن الوضوء لا يجب مع الغسل وهو مردود، فقد ذهب جماعة منهم: أبو ثور وداود وغيرهما إلى أن الغسل لا ينوب عن الوضوء للمحدث. انتهى

(ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ، فَيُخَلِّلُ بِهَا) : أي: بأصابعه الشريفة (أُصُولَ شَعَرِهِ) : أي: شعر رأسه كما يدل عليه رواية حماد بن سلمة عن هشام: (( يخلل بها شق رأسه الأيمن، فيتبع بها أصول الشعر، ثم يغسل شقه الأيسر ) )، كذلك رواه البيهقي. وللمستملي وللحموي:: بالتعريف.

قال العيني: والتخليل في شعر اللحية والرأس واجب عند أصحابنا هنا سنة في الوضوء، وعند الشافعية: واجب في قول وسنة في قول. وقيل: واجب في الرأس وفي اللحية قولان للمالكية فروى ابن القاسم عدم الوجوب، ونقل ابن بطال في باب تخليل الشعر الإجماع على تخليل شعر الرأس وقاسوا اللحية عليه. انتهى.

والحكمة في ذلك: تليين الشعر وترطيبه ليسهل مرور الماء عليه ويكون أبعد عن الإسراف في الماء.

وفي (( المهذب ) ): يخلل اللحية أيضًا وأوجب المالكية والحنفية تخليل شعر المغتسل لقوله عليه السلام: (( خللوا الشعر وأنقوا البشر؛ فإن تحت كل شعرة جنابة ) )، قاله القسطلاني

(ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاَثَ غُرَفٍ [1] ) : بضم الغين المعجمة جمع غُرفة _ بالضم أيضًا _ وهي قدر ما يغرف من الماء بالكف. وفي بعض النسخ: ، والأول رواية الكشميهني وهذه هي الأصل؛ لأن مميز الثلاث ينبغي أن يكون من جموع القلة ووجه الغرف: أن جمع الكثرة يقوم مقام جمع القلة وبالعكس. وعند الكوفيين فعل _ بضم الفاء وكسرها _ من جموع القلة كقوله تعالى: {فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ} [هود:13] ، وقوله تعالى: {ثَمَانِيَ حِجَجٍ} [القصص:27]

(بِيَدَيْهِ) : بالتثنية وفي بعض النسخ: (( بيده ) ): بالإفراد وهو متعلق بـ (( يصب ) ) (ثُمَّ يُفِيضُ) : عليه الصلاة والسلام؛ أي: يسيل (الْمَاءَ عَلَى جِلْدِهِ) : أي: جسده (كُلِّهِ) : أكده بكل ليدل على أنه عمم جميع جسده بالغسل بعدما تقدم.

قال في (( الفتح ) ): والإسالة: الإفاضة واستدل به من لم يشترط الدلك وهو ظاهر. وقال المازري: لا حجة فيه؛ لأن أفاض بمعنى غسل والخلاف في الغسل قائم. قلت: ولا يخفى ما فيه. انتهى.

وأقول: لعله يشير إلى أن الإفاضة الإسالة، والدلك قدر زائد، فلو كان مرادًا لذكر مع الإفاضة، أو لذكر مكانها ما ينتظمه كالغسل مثلًا.

وقال ابن الملقن: وفي الحديث: استحباب التثليث في الرأس وباقي الجسد مثله، وخالف الماوردي من أصحابنا والقرطبي من المالكية فقالا: لا يستحب التثليث في الغسل قال القرطبي: لا يفهم من هذه الثلاث أنه غسل رأسه ثلاث مرات؛ لأن التكرار في الغسل غير مشروع لما في ذلك من المشقة، وإنما كان ذلك العدد؛ لأنه بدأ بجانب رأسه الأيمن ثم الأيسر ثم على وسط رأسه، كما في حديث عائشة. انتهى.

ولفظه _ على ما في العيني _ قالت: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من

ج 1 ص 748

الجنابة دعا بشيء نحو الحلابة فأخذ بكفه فبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه )) ، رواه البخاري وأبو داود على ما يجيء. انتهى.

وفي الحديث: جواز إدخال الأصابع في الماء ورواته الخمسة ما بين تنيسي وكوفي.

وفيه: التحديث والإخبار والعنعنة.

وأخرجه مسلم والنسائي وأبو داود.

[1] في هامش الأصل: ينظر من خرجه بهذا اللفظ. قال ابن الملقن: ورد في ذلك عدة أحاديث، وفيها مقال. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت