فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 1465

وبالسند إلى المؤلف قال:

22 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابن أبي أويس عبد الله بن عبد الله الأصبحي المدني ابن أخت الإمام مالك، وقد وافقه على رواية هذا الحديث عبد الله بن وهب، ومعن بن عيسى عن مالك، وليس هو في (( الموطأ ) ).

قال الدارقطني: هو غريب صحيح، كذا في (( الفتح ) )، وأخرجه المؤلف أيضًا عن غيره فانجبر اللين الذي فيه، وتوفي إسماعيل هذا سنة ست أو سبع وعشرين ومائتين.

(قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) ابن أنس إمام دار الهجرة (عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى) بفتح عين عمرو بن عمارة، ووقع بخط النووي: عثمان بدل يحيى وأبو تحريف كما نبه عليه العيني (الْمَازِنِيِّ) بالزاي والنون نسبة إلى مازن بن النجار توفي عمرو سنة أربعين ومائة.

(عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن عمارة بضم العين وبهاء في آخره، ابن أبي حسن الأنصاري المدني ثقة من أوساط التابعين، وعمارة ليس بصحابي وإن وقع لابن عبد البر وأبي موسى خلافه، نعم أبوه صحابي، قاله ابن الملقن.

(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالك (الْخُدْرِيِّ) أحد المكثرين على خلاف فيه (رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنه (قَالَ: يَدْخُلُ) بضم الخاء من الثلاثي المجرد، وللدراقطني من طريق إسماعيل وغيره: (( يدخل الله ) )من باب الأفعال، وزاد من طريق معن: (( من يشاء برحمته ) )وكذا له وللإسماعيلي من طريق ابن وهب.

(أَهْلُ الْجَنَّةِ) فاعل يدخل، (( الجنة ) )مفعول به على التوسع كدخلت الدار، قال العيني: وأصله في الجنة، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الجنة محدودة، وكأن الحق أن يقال: دخلت في الجنة كما في قولك: دخلت الدار؛ لأنها محدودة إلا أنهم حذفوا حرف الجر اتساعًا، وأوصلوا الفعل إليه، ونصبوه نصب المفعول به، وذهب الجري إلى أنه فعل متعد نصب الدار كنحو بنيت الدار وقد دفعوا قوله بأن مصدره يجيء على فعول وهو من مصادر الأفعال اللازمة نحو قعد قعود، أو لأن مقابلة لازم أعني خرجت.

قلت: فيه نظر لأنه غير مطرد لأن ذهب لازم ومقابله جاء وهو متعد قال الله تعالى: {أَوْ جَآؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} [النساء:90] انتهى.

أقول: تعقب الثاني ولم يتعقب الأول مع أنه متعقب أيضًا بعدم الاطراد لأن المفعول قد يجيء مصدر الفعل المتعدي كركب الدابة ركوبًا، وعبر بالمضارع الخالي عن علامة الاستقبال المتمحض للحال عند كثيرين، والظاهر فيه عند غيرهم لتحقق وقوع الإدخال، أو لاستحضار صورة الدخول حتى كأنها مشاهدة.

(وَ) يدخل (أَهْلُ النَّارِ النَّارَ) برفع أهل ونصب النار من العطف على معمولي عامل واحد وهو مما لا خلاف في جوازه (ثُمَّ) بعد دخولهم فيها (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى) وفي رواية: ؛ أي: لبعض ملائكته، وكلمة ثم هنا واقعة في موقعها وهو الترتيب مع المهلة.

(أَخْرِجُوا) أمر من الإخراج والخطاب للملائكة، وللأصيلي زيادة: (مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ) يجوز في من أن تكون موصولة أو موصوفة

ج 1 ص 246

وهي في محل نصب مفعولًا به لأخرجوا، والجملة بعدها صفة أو صلة.

قال العيني تبعًا للكرماني: ويجوز أن يكون أُخرجوا بضم الهمزة أمرًا من الخروج، فعلى هذا يكون من منادى حذف منه حرف النداء، والتقدير اخرجوا يا من كان في قلبه مثقال حبة انتهى وهو جيد لو ساعدته الرواية، والمثقال كالمقدار لفظًا ومعنى من الثقل.

قال في (( المصباح ) ): مثقال الشيء ميزانه من مثله يقال: أعطه ثقله وزان حمل؛ أي: وزنه انتهى.

وقوله تعالى: {مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ} أي: زنة ذرة، قال: وكلًا يوافيه الجزاء بمثقال أي: بوزن، والمثقال في الفقه وزن درهم وثلاثة أسباع درهم وكل سبعة مثاقيل عشرة دراهم، ومثقال الحبة بفتح الحاء.

قال في (( الفتح ) ): هو إشارة إلى ما لا أقل منه.

قال الخطابي: هو مثل ليكون عيارًا في المعرفة لا في الوزن؛ لأن ما يشكل في المعقول يرد إلى المحسوس ليفهم.

وقال إمام الحرمين: الوزن للصحف المشتملة على الأعمال، ويقع وزنها على قدر أجور الأعمال.

وقال غيره: يجوز أن تجسد الأعراض فتوزن، وما ثبت من أمور الآخرة بالشرع لا دخل للعقل فيه.

والمراد بحبة الخردل هنا ما زاد من الأعمال على أصل التوحيد لقوله في الرواية الأخرى: (( أخرجوا من قال: لا إله إلا الله وعمل من الخير ما يزن ذرة ) )، ومحل بسط هذا يقع في الكلام على حديث الشفاعة حيث ذكره المصنف في كتاب الرقاق انتهى.

وقيل: يمثل الأعمال بجواهر فيجعل في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة، وفي كفة السيئات جواهر سود مظلمة.

وقوله: (( من خردل ) )في محل الجر صفة لحبة، والخردل بفتح الخاء المعجمة نبات معروف يشبه الشيء القليل البليغ في القلة به يعني يدخل الجنة من كان في قلبه أقل قدر من الإيمان.

وقوله: (( من إيمان ) )صفة ثانية لمحبة وهو بالتنكير للأكثر ليفيد التقليل باعتبار انتفاء الزيادة على ما يكفي في الإيمان لا لأن بعض ما يجب الإيمان به كاف؛ لأنه معلوم من الشرع أن المراد من الإيمان حقيقته المعهودة.

ولقوله في الرواية الأخرى: (( أخرجوا من قال لا إله إلا الله وعمل من الخير ما يزن ذرة ) )ليطابق الترجمة فإنها تفيد أن الإيمان موجود في أهله، وأنهم متفاوتون في العمل، وأما من لم يوجد منهم إلا أصل الإيمان فيستفاد إخراجهم من غير هذا الحديث كما أشار إليه النووي حيث قال: قال العلماء: المراد بحبة الخردل زيادة على أصل التوحيد، فقد جاء في الصحيح بيان ذلك، ففي رواية: (( أخرجوا من قال لا إله إلا الله وعمل من الخير ما يزن كذا ثم بعد هذا يخرج منها من لم يعمل خيرًا قط غير التوحيد ) ).

وفي الكرماني ما يوضح ذلك قال: فإن قلت: فيكفيه الإيمان ببعض ما يجب الإيمان به؛ لأنه إيمان ما قلت لا يكفيه؛ لأنه علم من عرف الشرع أن المراد من الإيمان هو الحقيقة المعهودة في عرف أو نكر انتهى.

فإن قيل: كيف يعلمون ما كان في قلوبهم في الدنيا من الإيمان ومقداره؟

قلنا: يجعل سبحانه وتعالى لهم علامات يعرفون ذلك كما يعلمون كونهم من أهل التوحيد انتهى.

قال حجة الإسلام الغزالي: ويستنبط من الحديث نجاة من أيقن بالإيمان وحال بينه وبين النطق به الموت قال: وأما من قدر على النطق ولم يفعل حتى مات مع إيقانه بالإيمان بقلبه، فيحتمل أن لا يخلد في النار كمن ترك الصلاة غير جاحد لها ويحتمل خلافه انتهى.

قال في (( إرشاد الساري ) ): ورجح غيره الثاني فيحتاج إلى تأويل قوله: (( في قلبه ) )فيقدر فيه محذوف تقديره منضمًا إلى النطق به مع القدرة عليه، ومنشأ الاحتمالين الخلاف في أن التلفظ بالإيمان شطر فلا يتم الإيمان إلا به، وهو مذهب جماعة من العلماء، واختاره الإمام شمس الدين وفخر الإسلام، أو شرط لإجراء الأحكام الدنيوية فقط وهو مذهب جمهور المحققين وهو اختيار الشيخ أبي منصور والنصوص معاضدة لذلك، قاله المحقق التفتازاني انتهى.

(فَيُخْرَجُونَ) بالبناء للفاعل من المجرد، أو بالبناء للمفعول من المزيد كما ضبط في نسخة معتمدة وهو المناسب لما سيأتي من قوله: فيلقون، والتعبير بالفاء في هذا واللذين بعده لإفادة التعقيب من غير تراخ بخلاف ما تقدم من قوله ثم يقول الله تعالى.

(مِنْهَا) أي: من النار حال كونهم (قَدِ اسْوَدُّوا) أي: صار سودًا كالحمم؛ أي: الفحم من تأثير النار (فَيُلْقَوْنَ) بالبناء للمفعول من الإلقاء بالقاف وهو الطرح؛ أي: يطرحون (فِي نَهَرِ الْحَيَا) بفتح الهاء من نهر وقد تسكن، والحيا بالقصر المطر (أَوِ الْحَيَاةِ) بالمثناة الفوقية آخره وهو النهر الذي يحيا من انغمس فيه وهو في طريق الجنة.

(شَكَّ مَالِكٌ) أي: في أي اللفظين الرواية، ولابن عساكر: بلفظ المضارع، وفي رواية الأصيلي من غير الفرع: بالمد.

قال في (( الفتح ) ): وبالقصر جزم الخطابي وعليه المعنى؛ لأن المراد كل ما به تحصل الحياة، والحيا بالقصر هو المطر وبه تحصل حياة النبات فهو أليق بمعنى الحياة من الحياء الممدود الذي بمعنى الخجل انتهى.

وأقول: جاء الحياء الممدود بمعنى الحيا المقصور.

قال في (( القاموس ) ): الحيا الخصب والمطر ويمد

ج 1 ص 247

انتهى.

وجملة شك مالك اعتراض بين قوله: فيلقون وبين قوله (فَيَنْبُتُونَ) ثمانيًا (كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة.

قال في (( الفتح ) ): قال أبو حنيفة الدينوري: الحبة جمع بزور النبات واحدتها حبة بالفتح، وأما الحب فهو الحنطة والشعير واحدتها حبة بالفتح أيضًا، وإنما افترقا في الجمع.

وقال أبو المعالي في (( المنتهى ) ): الحبة بالكسر بزور الصحراء مما ليس بقوت انتهى.

قال في الحبة على هذا للجنس، وقيل: للعهد، والمراد بها البقلة الحمقاء وتسمى الرجلة بكسر الراء، وسميت بالحمقاء؛ لأنها لا تنبت إلا في مجرى السيل، وفي بعض الروايات: (( في حميل السيل ) )وهو ما يحمله السيل من طين ونحوه، فإذا انتفعت فيه الحبة واستقرت على شط مجرى السيل تنبت في يوم وليلة وهي أسرع نابتة نباتًا، فالتشبيه بها في سرعة النبات وحسنه وحلاوته.

وقال الكسائي: هي حبة الرياحين.

(فِي جَانِبِ السَّيْلِ) وورد حميل بالحاء المهملة بدل جانب (أَلَمْ تَرَ) خطاب لكل من يتأتى منه الرؤية (أَنَّهَا) أي: الحبة (تَخْرُجُ) حال كونها (صَفْرَاءَ) ذكر هذا اللون؛ لأنه من أحسن ألوان الرياحين ولهذا يسر الناظرين إليه، وكان سيد رياحين الجنة الحناء وهو أصفر، قاله الكرماني.

وحال كونها (مُلْتَوِيَةً) أي: منعطفة فهي حال بعد حال متداخلة أو مترادفة، وهذا مما يزيد الريحان حسنًا باهتزازه وتميله، فمن في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان إذا ألقي في نهر الحياة يخرج ذا حسن ونضارة كخروج هذه الحبة من جانب السيل صفراء متميلة، فوجه الشبه مركب من عدة أشياء لأنه لوحظ فيه إسراع النبات، وضعف النابت، وطراوته، وحسنه، ونضارته.

قال الكرماني: وهذا مما يؤيد كون اللام في الحبة للجنس؛ لأن بقله الحمقاء ليست صفراء إلا أن يقصد به مجرد الحسن والطراوة، ثم قال: ويسمى هؤلاء بعتقاء الله والحديث حجة لأهل السنة على المرجئة حيث علم منه دخول طائفة من عصاة المؤمنين النار إذ مذهبهم أنه لا يضر مع الإيمان معصية فلا يدخل العاصي النار، وحجة على المعتزلة أيضًا، ويستدل على عدم وجوب تخليد العاصي في النار انتهى.

وقال النووي: وفي الحديث أن الأعمال من الإيمان لقوله صلى الله عليه وسلم: (( فيه خردل من إيمان ) )، والمراد ما زاد على أصل التوحيد انتهى.

وتعقبه العيني فقال: ولا دلالة فيه على ذلك أصلًا على ما لا يخفى انتهى.

وأقول: ربما يقال أن وجه الدلالة ما في (( من ) )من معنى التبعيض، فإن التبعيض لا يصح أن يصرف إلى الإيمان الذي هو التصديق فإنه لا يتجزئ، فتعين صرفه إلى ثمرات الإيمان وهي الأعمال فدل ذلك على دخولها فيه فليتأمل.

(قَالَ وُهَيْبٌ) مصغر وهب بن خالد بن عجلان البصري الباهلي، قال في (( التقريب ) ): ثقة ثبت، لكنه تغير قليلًا بآخره وهو من كبار أتباع التابعين مات سنة خمس وستين ومائة (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) بفتح العين، ابن يحيى المازني السابق قريبًا بالسند السابق.

(الْحَيَاةِ) بالجر على الحكاية، قال في (( الفتح ) ): ومراده أن وهيبًا وافق مالكًا في روايته لهذا الحديث عن عمرو بن يحيى بسنده وجزم بقوله: في نهر الحياة، ولم يشك كما شك مالك.

(وَقَالَ) وهيب أيضًا في روايته مثقال حبة من (خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ) بدل من إيمان فخالف مالكًا في هذه اللفظة أيضًا.

قال ابن الملقن: أتى البخاري بتعليق وهيب هنا لفوائد:

الأولى: ذكر فيه الحياة من غير شك بخلاف رواية مالك.

والثانية: صرح فيه بالتحديث عن عمرو، ورواية مالك أتى بعن.

والثالثة: فيها من خير بدل من إيمان انتهى، وإنما أورده المصنف تعليقًا لأنه لم يدرك وهيبًا.

قال الكرماني: المراد من الخير في هذا التعليق الإيمان إذ هو أصل الخيور ولا خير أعظم منه.

قال في (( الفتح ) ): وقد ساق المؤلف حديث وهيب هذا في كتاب الرقاق عن موسى بن إسماعيل عن وهيب، وسياقه أتم من سياق مالك لكنه قال: (( من خردل من إيمان ) )كرواية مالك فاعترض على المصنف ولا اعتراض عليه، فإن أبا بكر بن أبي شيبة أخرج هذا الحديث في (( مسنده ) )عن عفان بن مسلم عن وهيب فقال: من خردل من خير كما علقه المصنف، فتبين أنه مراده لا لفظ موسى، وقد أخرجه مسلم عن أبي بكر هذا لكن لم يسق لفظه انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت