وبالسند قال:
23 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ) بالتصغير ابن محمد بن زيد بن أبي زيد القرشي الأموي مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه أبو ثابت المدني سمع جمعًا من الكبار، وعنه البخاري والنسائي عن رجل عنه وغيرهما من الأعلام، قال أبو حاتم: صدوق.
(قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين المهملة، ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب، سمع أباه والزهري وهشام بن عروة وغيرهم، روى عنه شعبة، وعبد الرحمن
ج 1 ص 248
بن مهدي، وابناه يعقوب ومحمد وخلق كثير.
قال أحمد ويحيى وأبو حاتم وأبو زرعة: ثقة، وقال أبو زرعة: كثير الحديث وربما أخطأ في أحاديث، وقدم بغداد على هارون الرشيد فأكرمه وولاه بيت المال، وكان مولده سنة عشر ومائة، وتوفي ببغداد سنة ثلاث وثمانين ومائة روى له الجماعة.
وقال في (( التقريب ) ): ثقة حجة تكلم فيه بلا قادح وهو من الطبقة الصغرى من أتباع التابعين.
(عَنْ صَالِحٍ) أبي محمد بن كيسان الغفاري، المدني، التابعي، تلمذ للزهري وتلقن منه العلم وابتدأ بالتعلم وهو ابن تسعين سنة ومات وهو ابن مائة وسنتين سنة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهري (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) بضم الهمزة وبميمين بينهما ألف وهاء في آخره أسعد (بْنِ سَهْلٍ) وللأصيلي وأبي الوقت: زيادة بضم المهملة مصغرًا، قال في (( الفتح ) ): وأبو أمامة مختلف في صحبته ولم يصح له سماع، وإنما ذكر في الصحابة لشرف الرؤية ومن حيث الرواية يكون في الإسناد ثلاثة من التابعين أو تابعيان وصحابيان انتهى.
توفي سنة مائة عن نيف وتسعين سنة.
(أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالك (الْخُدْرِيَّ) رضي الله عنه حال كونه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: بَيْنَا) بغير ميم هي بين أشبعت فتحتها فصارت ألفًا قال: فبينا نحن نرقبه أتانا؛ أي بين أوقات رقبتنا إياه والجمل مما يضاف إليها اسما الزمان نحو أتيتك زمن الحجاج أمير، ثم حذف المضاف الذي هو أوقات وولي الظرف الذي هو بين الجملة التي أقيمت مقام المضاف، والأصمعي يستفصح طرق إذا وإذ من جوابه والآخرون يقولون: بينا أنا قائم إذ جاء وإذا جاء فلان؛ أي: بين أوقات.
(أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ علي) قال العيني: رأيت الناس جواب بينا من الرؤية بمعنى الإبصار فيقتضي مفعولًا واحدًا وهو قوله: الناس، فعلى هذا يكون قوله: يعرضون علي جملة حالية، ويجوز أن يكون من الرؤيا بمعنى العلم فيقتضي حينئذ مفعولين وهما قوله: الناس يعرضون علي، ويجوز رفع الناس على أنه مبتدأ وخبره قوله يعرضون علي، والجملة مفعول قوله رأيت كما في قول الشاعر:
~رأيت الناس ينجعون غيثًا فقلت لصيدح: انتجعي بلالًا
برفع الناس ويروى سمعت الناس، والقائل ذو الرمة الشاعر المشهور، وصيدح علم لناقته وينتجعون من انتجعت فلانًا إذا أتيته تطلب معروفه انتهى.
وقد تبع في ذلك الكرماني، لكنه قصر عنه وفاته الوجه الوجيه الذي استظهره الكرماني، ونص عبارته: رأيت مشتق من الرؤيا أو من الرؤية بمعنى الإبصار فيعرضون حال أو من الرواية بمعنى العلم فهو مفعول ثان والأول هو الظاهر انتهى.
ففي كلامه احتمالات ثلاث:
الأول: كون رأيت حلمية.
والثاني: كونها بصرية.
والثالث: كونها علمية.
وكلام العيني خال عن الاحتمال الأول المتبادر بل المتعين إرادته، لكن في كلام الكرماني مؤاخذة حيث جعل يعرضون على الاحتمالين الأولين جملة حالية مع أنه على الأول منهما تكون مفعولًا ثانيًا لا حالًا؛ لأن رأى الحلمية تنصب مفعولين كما هو مقرر في كتب العربية على أن احتمال غير الحلمية ساقط هنا لتصريحه صلى الله عليه وسلم بأن ذلك منامًا بقوله: (( بينا أنا نائم ) )ولقول الصحابة رضي الله تعالى عنهم فما أولت ذلك يا رسول الله؟
ومن العجب خفاء هذا على هذين المحققين، واقتفى القسطلاني لهما في ذلك، نعم احتمال أن تكون رأيت هنا علمية له وجه في الجملة؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام تنام عيناه ولا ينام قلبه، والرؤيا العلمية من وظائف القلب.
فإن قلت: قوله صلى الله عليه وسلم (وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ ... إلخ) جملة حالية من الضمير في يعرضون، والحال قيد في عاملها وهي لا يصح أن تكون متعلق العلم؛ لأن كون القمص إلى الثدي أو دونها غير واقع بل هو أمر تمثيلي.
قلت: الأمر التمثيلي يصح أن يكون متعلق العلم لا لذاته بل للانتقال منه إلى المعنى الذي هو ماله وتعبيره كما في البقرات السمان والعجاف في قصة رؤيا الملك التي عبرها يوسف عليه السلام بسني الخصب وسني الجدب فليتأمل.
والقمص بضم القاف والميم وقد تسكن جمع قميص وهو ما يلبس يقال: قمصه تقميصًا فتقمصه؛ أي: لبسه ويجمع أيضًا على أقمصة وقمصان.
وقوله: (مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ) صفة لقمص، والثدي بضم المثلثة وكسر الدال المهملة وتشديد التحتية جمع ثدي كفلس وفلوس ثم أعل بقلب الضمة كسرة والواو ياء وإدغامها في الياء، وهذه رواية الأكثر، ولأبي ذر: بالإفراد وتخفيف الياء وتجمع أيضًا على أثدٍ كما دل.
قال في (( الفتح ) ): وهو مذكر عند معظم أهل اللغة، وحكي أنه مؤنث، والمشهور أنه يطلق في الرجل والمرأة، وقيل: يختص بالمرأة وهذا الحديث يرده، ولعل قائل هذا يدعي أنه أطلق في الحديث مجازًا انتهى.
(وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ) أي: ومن القمص التي عرضت فيها الناس قمص دون ذلك؛ أي: أقصر من الذي يبلغ الثدي فيكون فوق الثدي لم ينزل إليه فما نكرة موصوفة أو موصولة، والظرف صفة أو صلة والأول أولى.
(وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) رضي الله تعالى عنه (وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ)
ج 1 ص 249
جملة يجره صفة لقميص أو حال من عمر أو من ضميره فهي مترادفة على الأول متداخلة على الثاني، ومعنى يجره يسحبه على الأرض لطوله وهذا القسم هو ثالث الأقسام.
(قَالُوا) أي: الصحابة رضي الله عنهم، ولابن عساكر: أي: عمر أو أبو بكر رضي الله عنهما (فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ) أي: فما عبرت هذا المذكور من الأقسام (يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (الدِّينَ) بالنصب على أنه مفعول به لأولت مقدرًا.
قال القاضي زكريا تبعًا للزركشي: الدين بالنصب مفعول ثان لأولت مقدرًا، ويجوز الرفع مشاكلة للمبتدأ انتهى.
أقول: مراده بالمبتدأ ما الواقعة في السؤال والتشاكل بكون كل من جملتي السؤال والجواب اسمية وفيه نظر، إذ بعد جعله الدين مفعولًا ثانيًا لأولت مقدرًا يكون أولت مما ينصب مفعولين فتصير ما الواقعة في السؤال أحد مفعولي أولت مقدمًا، فكيف يكون مبتدأ؟
ووقع مثل ذلك للعلامة البدر الدماميني في شرحه (( المصابيح ) )فقال في قولهم: فما أولت ذلك يحتمل أن تكون جملة فعلية أو اسمية، وبحسب ذلك يختلف الضبط في قوله: قال الدين فإن جعلنا السؤال جملة فعلية فالنصب، وإن جعلناه اسمية فالرفع؛ أي: الذي أولته الدين ليحصل المطابقة انتهى.
والذي يظهر أن قولهم: ما أولت ذلك لا يحتمل غير الجملة الفعلية بدليل أنك لو جعلت مكان أولت فعلًا غيره ينصب مفعولين لما كانت الجملة إلا فعلية كقولك: ما جعلت ذلك أو ما ظننت ذلك، وكأنه سرى إليه الوهم من نظير هذا التركيب كقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة:219] فإنه قرئ العفو بالرفع والنصب، فالرفع على جعل جملة السؤال اسمية، والنصب على جعلها فعلية، لكن الفرق بين التركيبين ظاهر فإنه على تقدير الرفع تكون ما الاستفهامية مبتدأ، وذا الموصولة بعدها خبر لها، والعائد إلى الموصول ضمير محذوف منصوب بينفقون تقديره ينفقونه، وعلى تقدير نصب العفو تركب ذا مع ما ويجعلان اسمًا واحدًا مرادًا به الاستفهام، فيصير التركيب حينئذ نظير ما نحن فيه هذا ما سنح لهذا العبد الضعيف في هذا المقام بتوفيق ذي الجلال والإكرام فعلى الناظر فيه التأمل التام.
ووجه تأويل القميص بالدين أن القميص يقي لابسه الحر والبرد، ويستر عورته، وما يكره اطلاع الناس عليه من بدنه، وكذلك الدين يقي المتصف به النار ويحميه عن كل مكروه وعار.
ووجه مطابقة الحديث للترجمة من جهة تأويل القمص بالدين، وذكر أنهم يتفاضلون في لبسها فدل على تفاضلهم في الإيمان.
قال الإمام النووي: في الحديث فوائد منها: أن الأعمال من الإيمان وأن الإيمان والدين بمعنى واحد، وفيه تفاضل أهل الإيمان، وفيه بيان عظيم لفضل عمر رضي الله عنه، وفيه تعبير الرؤيا وسؤال العالم بها عنها، وفيه إفشاء العالم الثناء على الفاضل من أصحابه إذا لم يخشى فتنة بإعجاب ونحوه، ويكون الغرض التنبيه على فضله لتعلم منزلته ويعامل بمقتضاها ويرغب في الاقتداء به والتخلق بأخلاقه.
وقال أهل العبارة: القميص في النوم معناه الدين وجره يدل على بقاء آثاره الجميلة وسعيه الحسن في المسلمين بعد وفاته ليقتدي به انتهى.
وقال ابن المنير: وجه الرؤيا فيه أن الله تعالى فتح على يدي عمر الفتوح ومصر كثيرًا من الأمصار، ونشر الدين في الأقطار فكان ذلك مصداقًا لهذه الرؤيا انتهى.
وقد روى البخاري هذا الحديث في المناقب والتعبير وفيه مغايرة في بعض الألفاظ.
وقال الكرماني: فإن قلت: يلزم من الحديث أن يكون عمر أفضل من أبي بكر؛ لأن المراد بالأفضل الأكثر ثوابًا، والأعمال علامات للثواب فمن كان دينه أكثر فثوابه أكثر وهو خلاف الإجماع.
قلت: لا يلزم إذ القسمة غير حاصرة لجواز قسم رابع سلمنا انحصار القسمة، لكن ما خصص القسم الثالث بعمر ولم يحصره عليه سلمنا التخصص به، لكنه معارض بالأحاديث الدالة على أفضلية الصديق بحيث تواتر القدر المشترك منها ومثله يسمى بالتواتر من جهة المعنى فدليلكم آحاد، ودليلنا متواتر سلمنا التساوي بين الدليلين، لكن الإجماع منعقد على أفضليته وهذا ظني والظني لا يعارض القطعي، وهذا الجواب يستفاد من نفس تقرير الدليل وهذه قاعدة كلية عند أهل المناظرة في أمثال هذه الإيرادات بأن يقال: ما أوردته إما مجمع عليه أو لا، فإن كان فالدليل مخصوص بالإجماع وإلا فلا يتم الإيراد إذ لا إلزام إلا بالمجمع عليه انتهى.
وهذا الحديث رجاله كلهم مدنيون كالسابق، وفيه رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض، أو رواية تابعيين وصحابيين.
وأخرجه المصنف أيضًا في التعبير، وفي فضل عمر، ورواه مسلم في الفضائل، والترمذي، والنسائي.