فهرس الكتاب

الصفحة 498 من 1465

وبالسند قال:

293 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) : ابن مسرهد (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) : القطان (عَنْ هِشَامِ) : بن عروة (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي) : عروة بن الزبير (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو أَيُّوبَ) : خالد بن زيد الأنصاري (قَالَ: أَخْبَرَنِي) : بالإفراد في الثلاثة (أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) رضي الله عنه

(أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ) : في الرواية السابقة أن أبا أيوب سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا واسطة ولا منافاة بينهما؛ لإمكان الجمع بأنه سمعه مرة من النبي صلى الله عليه وسلم ومرة من أبي فذكر أبيًا للتثبت أو التقوية أو لغرض آخر. ويدل على التعدد اختلاف الحديثين في بعض الألفاظ واتفاقهما في بعض آخر

(إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ) : ولغير أبوي ذر والوقت والأصيلي: (فَلَمْ يُنْزِلْ؟) : بضم الياء وسكون النون وفي السابقة: فلم يمن وهما بمعنى واحد.

(قَالَ) : عليه الصلاة والسلام (يَغْسِلُ مَا مَسَّ الْمَرْأَةَ مِنْهُ) : أي: يغسل الرجل العضو الذي مس فرج المرأة من أعضائه وهو من إطلاق اللزوم وإرادة اللازم؛ لأن المراد: رطوبة فرجها، كذا في (( الفتح ) ).

وقال الكرماني: فاعل (( مس ) )ضمير يرجع إلى (( ما ) ). فإن قلت: المقصود منه بيان ما أصابه من رطوبة فرج المرأة وكيف يدل عليه وظاهر أن ما مس المرأة مطلقًا من يد ورجل ونحوه لا يجب غسله؟

قلت: فيه إما إضمار أو [1] كناية؛ لأن تقديره: يغسل عضوًا مس فرج المرأة وهو من باب إطلاق اللازم وهو مس المرأة وإرادة الملزوم وهو إصابة رطوبة فرجها. انتهى.

وانظر قوله: من إطلاق اللازم ... إلخ مع قول صاحب (( الفتح ) ): من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم وقد يقال: لا خلل في التعبيرين؛ لأن الملازمة إذا كانت من الطرفين صح إطلاق الملزوم على اللازم وبالعكس

(ثُمَّ يَتَوَضَّأُ) : (( وضوءه للصلاة ) ): كما زاد فيه عبد الرزاق عن الثوري عن هشام. وفيه: التصريح بتأخير الوضوء عن غسل ما يصيبه من المرأة (وَيُصَلِّي) : وهذا أصرح في الدلالة على ترك الغسل من الحديث السابق.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) : أي: المؤلف وقائل ذلك الراوي عنه قاله صاحب (( الفتح ) )وغيره. ويجوز أن يكون القائل المؤلف نفسه على سبيل التجريد وله نظائر في هذا الكتاب

(الْغَسْلُ) : بضم الغين وفي الفرع مضبوط بفتح الغين؛ أي: استيعاب جميع البدن بالماء من الجماع الذي لا إنزال فيه (أَحْوَطُ) : أي: أكثر احتياطًا في أمر الدين من الاكتفاء بغسل الفرج والوضوء المذكورين في أحاديث

ج 1 ص 799

هذا الباب المروية عمن تقدم من الصحابة فينبغي العمل به.

وعلى هذا معنى قول عطاء: لا تطيب نفسي إذا لم أنزل حتى أغتسل؛ أي: من الجماع الذي لا إنزال فيه مراعاة للخلاف فالأخذ بالأحوط أخذ بالعروة الوثقى

(وَذَاكَ) : وفي بعض النسخ: (( وذلك ) ): باللام والإشارة إلى الحديث الدال على لزوم غسل جميع البدن (الأَخِيْرُ) : بمثناة تحتية من غير مد ولغير أبي ذر:: بالمد وكسر الخاء من غير ياء؛ أي: آخر الأمرين من الشارع أو من اجتهاد الأئمة.

وقال ابن التين: ضبطناه بفتح الخاء فعلى هذه الإشارة في قوله: (( وذلك ) )إلى حديث الباب، كذا في (( الفتح ) )

(إِنَّمَا بَيَّنَّا لاِخْتِلاَفِهِمْ) : وفي رواية كريمة: وللأصيلي: وفي نسخة الصغاني: (( إنما بينا الحديث الآخر لاختلافهم ) ): واللام تعليلية؛ أي: حتى لا يظن أن في ذلك إجماعًا.

وقد اختلف الشراح في بيان مقصود المصنف بهذا الكلام.

قال في (( الفتح ) ): واستشكل ابن العربي كلام البخاري فقال: إيجاب الغسل أطبق عليه الصحابة ومن بعدهم وما خالف فيه إلا داود ولا عبرة بخلافه وإنما الأمر الصعب مخالفة البخاري وحكمه بأن الغسل مستحب وهو أحد أئمة الدين وأجلَّة علماء المسلمين. ثم أخذ يتكلم في حديث الباب بما لا يقبل منه وقد أشرنا إلى بعضه. ثم قال: ويحتمل أن يكون مراد البخاري بقوله: (( الغسل أحوط ) ): أي: في الدين وهو باب مشهور في الأصول قال: وهو أشبه بإمامة الرجل وعلمه.

قلت: وهذا هو الظاهر من تصرفه؛ فإنه لم يترجم بجواز ترك الغسل وإنما ترجم ببعض ما يستفاد من الحديث كما استدل به على إيجاب الوضوء فيما تقدم. انتهى.

وتعقبه العيني فقال: من ترجمته يفهم جواز ترك الغسل؛ فإنه اقتصر على غسل ما يصيب الرجل من المرأة.

وأجاب في (( الانتقاض ) ): بأن هذا إنما يفهم من جواب السؤال وأما غسل الذكر _ وهو المترجم به _ فمقصود من يترجم به أنه مشروع أعم من أن يكون غسل جميع البدن واجبًا أم لا. وهذا على رأي من لا يرى اندراج إزالة النجاسة في غسل جميع الجسد بل يشترط لها غسلًا آخر. انتهى.

ثم قال في (( الفتح ) ): وأما نفي ابن العربي الخلاف _ أي: في عدم وجوب الغسل _ فمعترض؛ فإنه مشهور بين الصحابة ثبت عن جماعة منهم لكن ادعى ابن القصار أن الخلاف ارتفع بين التابعين وهو معترض أيضًا فقد قال الخطابي: إنه قال به من الصحابة جماعة فسمى بعضهم قال: ومن التابعين: الأعمش وتبعه عياض لكن قال: لم يقل به أحد بعد الصحابة غيره.

وهو معترض أيضًا فقد ثبت ذلك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وهو في (( سنن أبي داود ) )بإسناد صحيح وعن هشام بن عروة عند عبد الرزاق بإسناد صحيح وقال عبد الرزاق أيضًا: عن ابن جريج عن عطاء أنه قال: لا تطيب نفسي إذا لم أنزل حتى أغتسل من أجل اختلاف الناس لأخذنا بالعروة الوثقى.

وقال الشافعي في (( اختلاف الحديث ) ): حديث: (( الماء من الماء ) ): ثابت لكنه منسوخ إلى أن قال: فخالفنا بعض أهل ناحيتنا _ يعني: من الحجازيين _ فقالوا: لا يجب الغسل حتى ينزل. انتهى.

فعرف بهذا أن الخلاف كان مشهورًا بين التابعين ومن بعدهم لكن الجمهور على إيجاب الغسل وهو الصواب. انتهى بحروفه.

وقال العيني: لقائل أن يقول: انعقد الإجماع عليه فارتفع الخلاف وبيان ذلك ما رواه الطحاوي بسند جيد قال: تذاكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه الغسل من الجنابة فقال بعضهم: إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل، وقال بعضهم: إنما الماء من الماء. قال عمر: قد اختلفتم وأنتم أهل بدر الأخيار فكيف الناس من بعدكم؟

فقال علي رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين إن أردت أن تعلم ذلك فأرسل إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فسلهن عن ذلك. فأرسل إلى عائشة رضي الله عنها فقالت: إذا جاوز الختان الختانَ فقد وجب الغسل فقال عمر رضي الله عنه ذلك: لا أسمع أحدًا يقول: الماء من الماء إلا جعلته نكالًا.

قال الطحاوي: فهذا عمر قد حمل الناس على هذا بحضرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينكر ذلك عليه منكر. انتهى.

وأقول: ما ذكره من انعقاد الإجماع لا ينافي ما نقله صاحب (( الفتح ) )من الخلاف غاية ما فيه: أن الإجماع أبطل حكم الخلاف فصار وجوده كالعدم ولم يرفعه، كيف لا والبخاري يقول: (( إنما بينا لاختلافهم ) )؟ فليتأمل.

خاتمة:

قال في (( الفتح ) ): اشتمل

ج 1 ص 800

كتاب الغسل وما معه من أحكام الجنابة من الأحاديث المرفوعة على ثلاثة وستين حديثًا المكرر منها فيه وفيما مضى: خمسة وثلاثون حديثًا الموصول: أحد وعشرون والبقية تعليق ومتابعة والخالص: ثمانية وعشرون منها واحد معلق وهو حديث بهز عن أبيه وقد وافقه مسلم على تخريجها سواه وسوى حديث جابر في الاكتفاء في الغسل بصاع وثلاث أحاديث أخر ذكرها.

ثم قال: وفيه من الآثار الموقوفة على الصحابة والتابعين عشرة: المعلق منها سبعة والموصول منها ثلاثة ذكرها أيضًا. انتهى ملخصًا.

وقد انتهى الكلام على كتاب الغسل والطهارات بفضل باري المخلوقات، والله تعالى هو المرغوب إليه في أن يغسل ذنوبنا بسحائب غفرانه، ويطهر ظواهرنا وبواطننا بفيض عفوه ورضوانه، وأن يشغلنا فيما بقي من أعمارنا بخدمة كتابه الحكيم وسنة نبيه الرؤوف الرحيم، وأن يجعلنا في ذلك من المخلصين، وأن يدخلنا برحمته في عباده الصالحين.

اللهم فكما مننت علي بابتداء هذا الشرح فاجعله خالصًا لوجهك الكريم ووفقني لإتمامه وأمدني بالإسعاف والإسعاد والسداد في ترصيفه وإحكامه فقد أطمعتني في فضلك حيث أهلتني لابتدائه وأعنتني مع عجزي وقصوري ويسرت لي القيام بأعبائه فأرجو منك الإحسان بإتمامه قبل نفاد العمر وانتهائه، إنك خير مسؤول وأكرم مأمول ولا حول ولا قوة إلا بك يا أرحم الراحمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.

قال جامعه عبد الله أحمد بن علي بن عمر بن صالح بن أحمد بن عمر العدوي العثماني

الشهير بالمنيني، غفر الله ذنوبه وملأ بزلال الرضوان ذَنوبه: قد وقع الفراغ من تحرير الجلد

من الشرح الموسوم بـ (( إضاءة الدراري شرح صحيح البخاري ) )في نهار الخميس

تاسع شهر ربيع الأول سنة 1167 سبع وستين ومائة وألف

أحسن الله ختامها وبر بمشيئته ولطفه إلى خير تمامها

ويليه في الجلد الثاني: كتاب الحيض

ج 1 ص 801

ج 1 ص 802

ج 2 ص 1

[1] في هامش الأصل: (( أقول: عبارة الكرماني بأو وعلى أنه من باب الحذف تحصل المطابقة ومن الكناية أيضًا تحصل. والحاصل: أنها تحصل بأحد التقديرين ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت