وبالسند قال:
299 -300 - 301 - (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف وكسر الموحدة وفتح الصاد المهملة، الكوفي (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثوري (عَنْ مَنْصُورٍ) بن المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النخعي (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد.
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها، أنها (قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) هذا العطف عند ابن مالك والمحققين من عطف الجمل؛ أي: كنت أغتسل أنا ويغتسل النبي، على حد قوله تعالى: {اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ} [البقرة:35] ؛ أي: وليسكن زوجك؛ لأنه الفعل المضارع المبدوء بالهمزة لا يرفع الظاهر، وفي عطف المفردات العامل في التابع
ج 2 ص 13
هو العامل في المتبوع.
وعند كثير من النحاة مثل هذا من عطف المفردات ولكن يغتفر في التابع ما لم يغتفر في المتبوع.
وقال العيني وتبعه القسطلاني: قوله: (( أنا والنبي ) )بالرفع والنصب أما الرفع فبالعطف على الضمير المرفوع في (( كنت ) )، وأما النصب: فعلى أن الواو بمعنى المصاحبة.
وقوله: (( أنا ) )ذكر لأن في عطف الظاهر على الضمير المستكن بدون التأكيد؛ خلافًا كما ذكر في موضعه، انتهى.
وأقول: فيه نظر من وجوه:
الأول: جعله العطف على الضمير المرفوع في (( كنت ) )، وإنما العطف على الضمير المستتر في (( أغتسل ) )، ولو كان العطف على البارز في (( كنت ) )لكان الواجب أن يقال: كنت أنا والنبي نغتسل.
والثاني: (( أن ) )في قوله: لأن العطف على الضمير المستكن ... إلخ قصورًا؛ لأن العطف على الضمير المتصل مطلقًا بارزًا كان أو مستترًا بلا تأكيد ولا فاصل ضعيف.
الثالث: اقتصاره على التأكيد بالضمير مع أن حسن العطف في هذه الصورة لا يتوقف على خصوص التأكيد بالضمير المنفصل بلا ما عليه أو على فاصل ما، كقوله تعالى: {يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ} [الرعد:23] {مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا} [الأنعام:148] .
(مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ) تقدم الكلام عليه في كتاب الغسل وقولها: و (كِلاَنَا جُنُبٌ) جملة حالية، وتقدم أن الأفصح في جنب أن يستوي فيه المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث.
(وَكَانَ) أي: النبي صلى الله عليه وسلم وللأصيلي: بالفاء (يَأْمُرُنِي) أي: بالاتزار بدليل قولها: (فَأَتَّزِرُ) بتشديد المثناة الفوقية.
قال في (( الفتح ) ): كذا في روايتنا وغيرها بتشديد المثناة بعد الهمزة وأصله: فأتزر، بهمزة ساكنة بعد الهمزة المفتوحة ثم المثناة بوزن أفتعل، وأنكر أكثر النحاة الإدغام حتى قال صاحب (( المفصل ) ): إنه خطأ.
لكن نقل غيره: أنه مذهب الكوفيين، وحكاه الصغاني في (( مجمع البحرين ) ).
وقال ابن مالك: إنه مقصورًا على السماع، ومنه قراءة ابن محيصن: {فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} [اليقرة:283] بالتشديد، وقطع الزمخشري بخطأ الإدغام، وعلى تقدير أن يكون خطأ فهو من الرواة عن عائشة، فإنه لو صح عنها لكان حجة فإنها من فصحاء العرب المحتج بكلامهم غاية ما فيه أن يكون شاذًا مخالفًا للقياس كالقراءة المتقدمة.
(فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ) وقال الكرماني: قال صاحب (( المفصل ) ): وقول من قال: أتزر، خطأ قلت: قول عائشة وهي من فصحاء العرب حجة في جوازه فالمخطئ مخطئ، انتهى.
وتعقبه العيني فقال: إنما يصح ما ادعاه إذا ثبت عن عائشة أنها قالت: بالإدغام فلم لا يجوز أن يكون هذا خطأ مثلما قال معظم أئمة هذا الشأن، ويكون الخطأ من بعض الرواة أو من عوام المحدثين لا من عائشة انتهى.
وأقول: إن هذا غير ما رواه أبو حيان على ابن مالك في استدلاله على الأحكام النحوية بالأحاديث النبوية لتطرق احتمال الرواية بالمعنى، فلا يوثق بأن ذلك المحتج به لفظه عليه الصلاة والسلام.
قال الدماميني في (( شرحه على التسهيل ) ): وقد أجريت ذلك لبعض شيوخنا، فصوب رأي ابن مالك فيما فعله من ذلك بناءً على أن اليقين ليس بمطلوب في هذا الباب، وإنما المطلوب غلبة الظن الذي هو مناط الأحكام الشرعية، وكذا ما تتوقف عليه من نقل مفردات الألفاظ وقوانين الإعراب فالظن في ذلك كله كاف.
ولا يخفى أنه يغلب على الظن أن ذلك المنقول المحتج به لم يبدل؛ لأن الأصل عدم التبديل لاسيما والتشديد في الضبط والتحري في نقل الأحاديث شائع بين النقلة والمحدثين إلى آخر ما أطال به فراجعه إن شئت في باب الفاعل.
أي: تلامس بشرته بشرتي ما عدا ما بين السرة والركبة، وقد ترد المباشرة بمعنى المجامعة وليست مرادة هنا بالإجماع.
قال العيني: ثم اعلم أن مباشرة الحائض على أقسام:
أحدها: حرام بالإجماع ولو اعتقد حله يكفر، وهو أن يباشرها في الفرج عامدًا فإن فعله غير مستحل يستغفر الله ولا يعود إليه، وهل يجب عليه الكفارة أو لا؟ فيه خلاف، فذهب جماعة إلى وجوب الكفارة منهم: قتادة والأوزاعي، وأحمد وإسحاق، والشافعي في القديم.
وقال في الجديد: لا شيء ولا ينكر أن يكون عليه كفارة؛ لأنه وطئ محظور كالوطئ في رمضان، وقال أكثر العلماء: لا شيء عليه سوى الاستغفار، وهو قول أصحابنا أيضًا.
وقال النووي: ولو فعله غير معتقد حله وكان ناسيًا أو جاهلًا بوجود الحيض، أو جاهلًا بتحريمه، أو مكرهًا فلا إثم عليه ولا كفارة، وإن كان عالمًا بالحيض وبالتحريم مختارًا عامدًا فقد ارتكب معصية.
نص الشافعي: على أنها كبيرة ويجب عليه التوبة، وفي وجوب الكفارة قولان: أصحهما وهو قول الأئمة الثلاث: لا كفارة عليه، انتهى.
ثم ذكر الاختلاف بين القائلين بالكفارة هل هي عتق رقبة أو دينار ونصف إلى آخر ما أطال به، وقوله: ولو اعتقد حله يكفر من غير حكاية خلاف ليس بسديد إذ المعتمد من مذهبه: أنه لا يكفر.
ففي (( الملتقى ) )وشرحه العلائي: ويكفر مستحل وطئها، كما في (( الفتح ) )وغيره، لكن في (( الخلاصة ) )الصحيح أنه لا يكفر، وفي (( التنوير ) ): وعليه المعول، انتهى.
ثم قال العيني: النوع الثاني: من المباشرة فيما فوق السرة وتحت الركبة بالذكر أو بالقبلة أو بالمعانقة أو اللمس أو غير ذلك فهذا حلال بالإجماع، إلا ما حكي عن عبيدة السلماني وغيره: من أنه لا يباشر شيئًا منها وهو شاذ منكر مردود بالأحاديث الصحيحة المذكورة في (( الصحيحين ) )وغيرهما من مباشرة النبي صلى الله عليه وسلم فوق الإزار انتهى.
وأقول: لعبيدة ومن وافقه: أن يمنع صحة قياس مباشرة غيره على مباشرته لقول عائشة في الحديث الآتي: (( وأيكم يملك إربه كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يملك إربه ) )، فخرجت هذه الأحاديث عن أن تكون صالحة للرد عليه، فالأولى في الاستدلال عليه حديث أنس الآتي: (( اصنعوا كل شيء إلا النكاح ) )فليتأمل.
ثم قال: النوع الثالث: المباشرة فيما بين السرة والركبة في غير القبل والدبر، فعند
ج 2 ص 14
أبي حنيفة: حرام وهو رواية عن أبي يوسف وهو الوجه الصحيح عند الشافعية، وقول مالك وقول أكثر العلماء منهم: سعيد بن المسيب، وشريح وطاووس، وعطاء وسليمان بن يسار، وقتادة، وعند محمد بن الحسن وأبي يوسف في رواية يجتنب شعار الدم فقط، وممن ذهب إليه عكرمة ومجاهد والشعبي والنخعي والحكم والثوري والأوزاعي وأحمد وأصبغ وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وابن المنذر وداود، وهذا أقوى دليلًا لحديث أنس رضي الله عنه (( اصنعوا كل شيء إلا النكاح ) ).
واقتصار النبي صلى الله عليه وسلم في مباشرته على ما فوق الإزار محمول على الاستحباب، وقول محمد هو المنقول عن علي وابن عباس وأبي طلحة، انتهى ملخصًا.
(وَكَانَ) عليه السلام (يُخْرِجُ رَأْسَهُ) من المسجد (إِلَيَّ) ضمير المتكلم لعائشة؛ أي: إلى حجرتي وأنا فيها (وَهُوَ مُعْتَكِفٌ) في مسجده الشريف.
(فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ) جملة حالية، وفي الحديث جواز مباشرة الحائض فيما عدا ما بين السرة والركبة، أو فيما عدا الفرج على الخلاف المتقدم.
وفيه: جواز استخدام الزوجة، وفيه: طهارة عرق الحائض وأن إخراج المعتكف عضوًا من أعضائه من المسجد لا يبطل الاعتكاف، ورواة هذا الحديث إلى عائشة كلهم كوفيون.
وفيه التحديث والعنعنة، ورواية تابعي عن تابعي، وأخرجه المؤلف في آخر الصوم ومسلم في الطهارة، وكذا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.