فهرس الكتاب

الصفحة 523 من 1465

وبالسند قال:

309 - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) ابن شاهين، ولابن عساكر: أبو بشر المعمر جاوز المائة (قَالَ: حَدَّثَنَا) وللأصيلي وابن عساكر: (خَالَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) الطحان أبو الهيثم المشتري نفسه من الله تعالى بالتصدق بزنته فضة ثلاث مرات (عَنْ خالِدٍ) هو ابن مهران الحذاء، بالمهملة ثم المعجمة المثقلة.

(عَنْ عِكْرِمَةَ) بن عبد الله مولى ابن عباس، أصله بربري ثقة ثبت عالم بالتفسير لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا ثبت عنه بدعة، واحتج به البخاري وأرباب السنن وأثنى عليه غير واحد من أبناء عصره وهلم جرا.

(عَنْ عائِشَةَ) رضي الله عنها (أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اعْتَكَفَ مَعَهُ) في مسجده (بَعْضُ نِسَائِهِ) قال في (( الفتح ) ): قال ابن الجوزي: ما عرفنا من أزواج النبي

ج 2 ص 25

صلى الله عليه وسلم من كانت مستحاضة.

قال: والظاهر أن عائشة أنكرت بقولها: من نسائه؛ أي: من النساء المتعلقات به وهي أم حبيبة بنت جحش أخت زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم.

قلت: يرد هذا التأويل قوله في الرواية الثانية: امرأة من أزواجه، وهذه قد ذكرها الحميدي عقب الرواية الأولى، فما أدري كيف غفل عنها ابن الجوزي.

وفي الرواية الثالثة: بعض أمهات المؤمنين، ومن المستبعد أن يعتكف معه صلى الله عليه وسلم امرأة غير زوجاته وإن كان لها به تعلق.

وقد حكى ابن عبد البر أن بنات جحش الثلاث كن مستحاضات زينب أم المؤمنين، وحمنة زوج طلحة، وأم حبيبة زوج عبد الرحمن بن عوف، وهي الشهيرة منهن بذلك، وسيأتي حديثها في ذلك.

ثم ذكر ما أخرجه أبو داود بسنده إلى عائشة: (( استحيضت زينب بنت جحش فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: اغتسلي لكل صلاة ) )، وكذا وقع في (( الموطأ ) ): أن زينب بنت جحش استحيضت.

وجزم ابن عبد البر بأنه خطأ؛ لأنه ذكر أنها كانت تحت عبد الرحمن بن عوف والتي كانت تحت عبد الرحمن إنما هي أم حبيبة أختها.

وقال شيخنا البلقيني: يحمل على أن زينب بنت جحش استحيضت وقتًا؛ بخلاف أختها فإن استحاضتها دامت، قلت: وكذا يحمل ما ذكره في حق سودة وأم سلمة، انتهى.

وأقول: أنت خبير بأن هذا الحمل لا يدفع الخطأ الذي حكم به ابن عبد البر؛ لأنه إنما جاء من قوله: إنها كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وزينب بنت جحش كانت قبل النبي صلى الله عليه وسلم تحت زيد بن حارثة مولاه فليتأمل.

وفي بعض نسخ (( الفتح ) )عن بعض المالكية: أن اسم كل واحدة من بنات جحش زينب، واشتهرت كل واحدة منهن بعد ذلك بما اشتهرت، انتهى.

وهذا لا يدفع الإشكال أيضًا؛ لأنه إن حمل على حمنة فلا يصح؛ لأنها لم تكن زوجًا للنبي صلى الله عليه وسلم وإن حمل على زينب أم المؤمنين فلا يصح أيضًا؛ لأنها لم تكن تحت عبد الرحمن بن عوف.

وقال العيني: وذكروا في هذه المبهمة وهي قولها: (( بعض نسائه ) )ثلاثة أقوال، فقيل: هي سودة بنت زمعة، وقيل: رملة أم حبيبة بنت أبي سفيان، وقيل: زينب بنت جحش انتهى.

أقول وهذا الأخير قد رده في (( المصابيح ) )فقال: وهذا غير صحيح وإنما المستحاضة أختاها حمنة وأم حبيبة، انتهى.

وقال القسطلاني: بعد ما نقل رد صاحب (( الفتح ) )كلام ابن الجوزي ما نصه، ثم رجح؛ أي: صاحب (( الفتح ) )أنها أم سلمة بحديث في (( سنن سعيد منصور ) )ولفظه: (( أم سلمة كانت عاكفة وهي مستحاضة، وربما جعلت الطست تحتها ) )وحينئذٍ فسلمت رواية المؤلف من المعارض ولله الحمد، انتهى.

وأقول: ليس في الحديث المذكور في (( الفتح ) )التصريح باسم أم سلمة، ونص عبارته وقرأت في (( السنن ) )لسعيد بن منصور: (( حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا خالد هو الحذاء، عن عكرمة: أن امرأة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كانت معتكفة وهي مستحاضة وربما جعلت الطست تحتها ) ).

قلت: وهذا أولى ما فسرت به هذه المرأة لاتحاد المخرج، وقد أرسله إسماعيل بن علية عن عكرمة، ووصله خالد الطحان ويزيد بن زريع وغيرهما بذكر عائشة فيه.

ورجح البخاري الموصول فأخرجه، وقد أخرج ابن أبي شيبة عن إسماعيل بن علية هذا الحديث كما أخرجه سعيد بن منصور بدون تسمية أم سلمة، انتهى.

وهذا كما ترى ليس فيه ذكر أم سلمة، بل أن امرأة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فلعل ذلك ثبت في النسخة التي وقعت للقسطلاني، ويدل لذلك قوله: وقد أخرج ابن أبي شيبة ... الخ.

فإن قوله بدون تسمية أم سلمة، يقتضي أنها في حديث سعيد ذكرت مسماة.

(وَهْيَ مُسْتَحاضَةٌ تَرَى الدَّمَ) جملتان حاليتان مرتبطة أولاهما بالواو والضمير، والثانية بالضمير فقط، وأتى بتاء التأنيث في المستحاضة، وإن كانت الاستحاضة من خصائص النساء للإشعار بأن الاستحاضة حاصلة لها بالفعل لا بالقوة، وضمير (( هي ) )راجع إلى بعض وإن كان مذكرًا لاكتسابه التأنيث من الإضافة إلى المؤنث كقولهم: قطعت بعض أصابعه، ولا يقال في المستحاضة مستحيضة لالتزامهم في فعلها البناء للمجهول، فلا يقال: استحاضت وتستحيض، بل: استحيضت وتستحاض كما التزموا في جن ووعك وزكم مثل ذلك.

(فَرُبَّما) بالفاء، وفي بعض النسخ: بالواو

ج 2 ص 26

(وضَعَتِ الطَّسْتَ) بفتح الطاء وسكون السين المهملة وبالتاء آخره، أصله الطسس، فأبدل أحد السينين تاء لتخفيف ثقل التضعيف، فإذا صغر أو جمع رد إلى أصله، فتقول: طسيس وطساس، ويجمع على طسوس على الأصل وعلى طسوت أيضًا على اللفظ.

قال العيني: وفي اللغة البلدية بالشين المعجمة.

وفي (( المصباح ) ): قال السجستاني: هي أعجمية معربة، ولهذا قال الأزهري: هي دخيلة في كلام العرب انتهى.

أقول: وحينئذ فلا وصمة في استعماله بالشين؛ لأن المعرب تتصرف فيه العرب كيف شاؤوا، وهي مؤنثة، ونقل عن بعضهم فيها التذكير والتأنيث.

وقال الزجاج: التأنيث أكثر في كلام العرب وجمعها: طسات على لفظها.

(تَحْتَهَا مِنَ الدَّمِ) الظرفان متعلقان بـ (( وضعت ) (( من ) )للتعليل؛ أي: لأجل حفظ المسجد من تقاطر الدم.

قال خالد بن مهران: (وَزَعَمَ) أي: عكرمة وهو معطوف بحسب المعنى على ما يستفاد من العنعنة؛ أي: قال خالد: حدثني عكرمة وزعم، فهو موصول.

قال في (( الفتح ) ): وأبعد من زعم أنه معلق انتهى.

وتعقبه العيني فقال: هذا القائل يريد بذلك الرد على الكرماني والوجه مع الكرماني فلا وجه لرده.

قال في (( الانتقاض ) ): وأي رد هنا إنما قلنا: أبعد؛ لأن الأول أظهر فهو أقرب ولم تنف الاحتمال، فانظر إلى من يأخذ كلام من تقدمه بألفاظه وبنسبه لنفسه انتهى المقصود منه.

قال الكرماني: فإن قلت لم عبر بلفظ: زعم، قلت: جاء زعم بمعنى قال، أو لأنه ما ثبت صريح القول عن عكرمة بذلك بل علم من قرائن الأحوال منه، فلهذا لم يسند القول إليه صريحًا، انتهى.

(أَنَّ عَائِشَةَ رَأَتْ مَاءَ الْعُصْفُرِ) بضم العين والفاء بينهما صاد ساكنة مهملة، وهو زهر القرطم (فَقَالَتْ: كَأَنَّ) بتشديد النون، وهي هنا للتشبيه لا للظنِّ كما توهم، إذ لا مساغ له هنا كما لا يخفى، وللأصيلي: بتخفيف النون فعل ماض ناقص، وشيئًا بالنصب خبرها، وعلى هذه الرواية لابد من تقدير مضاف قبل الخبر؛ أي: كان هذا مثل شيء ... الخ، لظهور أن ليس ماء العصفر عين ما تجده فلانة.

(هَذَا) أي: ماء العصفر (شَيْءٌ كَانَتْ فُلاَنَةُ تَجِدُهُ) في زمان استحاضتها، و (( فلانة ) )ممنوع من الصرف؛ لأنه كناية عن علم امرأة مخصوصة المعبر عنها في الحديث ببعض نسائه، وقد مر الخلاف في تعيينها.

وفي الحديث: جواز اعتكاف المستحاضة عند أمن تلويث المسجد ومثلها صاحب كل حدث دائم، ورواته الخمسة ما بين واسطي وبصري ومدني.

وأخرجه المؤلف في الصوم وأبو داود وابن ماجه والنسائي في الاعتكاف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت