فهرس الكتاب

الصفحة 581 من 1465

وبالسند قال:

346 - (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) بضم العين (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياث (عن الأَعْمَشُ) ولغير أبوي ذر والوقت: (قَالَ: سَمِعْتُ شَقِيقَ) بفتح الشين المعجمة.

(بْنَ سَلَمَةَ) وهو أبو وائل السابق، وأفادت رواية حفص التصريح بسماع الأعمش من شقيق (قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ) أي: ابن مسعود (وَأَبِي مُوسَى) الأشعري رضي الله عنهما (فَقَالَ لَهُ) أي: لابن مسعود (أَبُو مُوسَى) الأشعري.

(أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني (يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هي كنية ابن مسعود، وألف (( أبا ) )يجوز إثباتها وحذفها تخفيفًا (إِذَا أَجْنَبَ) أي: الشخص (فَلَمْ يَجِدْ مَاءً، كَيْفَ يَصْنَعُ؟) ولابن عساكر: (( فلم يجد الماء ) )، وفي رواية: (( إذا أجنبت ولم تجد ماء كيف تصنع ) )بتاء الخطاب في الثلاثة.

(فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود (لاَ يُصَلِّي) أي: الشخص (حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ) (( لا ) )نافية و (( حتى ) )للغاية أو استئنافية؛ أي: إلى أن يجد أو إلا أن يجد الماء، وسقط للأصيلي وابن عساكر لفظ: (( الماء ) )واقتصرا على (( حتى تجد ) )، لكن بتاء الخطاب للأصيلي، وبياء الغيبة لابن عساكر، كذا حققه العجيمي من بعض فروع اليونينية، وعبارة القسطلاني في ذلك غير محررة.

(فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِقَوْلِ عَمَّارٍ، حِينَ قَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: كَانَ يَكْفِيكَ) أي: مسح الوجه والكفين (قَالَ) ابن مسعود في جوابه (أَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِذَلِكَ؟) زاد في رواية أبي ذر عن المستملي والأصيلي وابن عساكر: أي: من عمار (فَقَالَ أَبُو مُوسَى) له.

(فَدَعْنَا) أي: اتركنا (مِنْ قَوْلِ عَمَّارٍ) أي: اقطع النظر عنه كأنه لم يكن لكن (كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟) أي: قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ} [النساء:43] .

قال في (( الفتح ) ): فيه جواز الانتقال من دليل إلى دليل أوضح منه، ومما فيه الاختلاف إلى ما فيه الاتفاق؛ أي: تعجيلًا لقطع النزاع وإظهارًا للحق، وهذا كقول سيدنا إبراهيم عليه السلام في محاجة نمروذ لما قال له: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} [البقرة:258] .

(فَمَا دَرَى) أي: فما عرف (عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود (مَا يَقُولُ) لأبي موسى في تطبيق الآية الكريمة على ما ذهب إليه.

قال الكرماني وتبعه العيني: ولعل المجلس ما كان يقتضي تطويل المناظرة وإلا فكان لعبد الله أن يقول: المراد من الملامسة في الآية تلاقي البشرتين فيما دون الجماع، وجعل التيمم بدلًا عن الوضوء فقط فلا تدل على جواز التيمم للجنب انتهى.

وأقول: لعل ابن مسعود يرى أن الملامسة في الآية كناية عن الجماع كما ذهب إليه أبو حنيفة، فالجواب: بأن المراد بالملامسة: ما دون الجماع لا يوافق اجتهاده ثم رأيت صاحب (( الفتح ) )نقل ذلك عن الخطابي في الباب الآتي فقال: قال الخطابي وغيره: فيه دليل على أن عبد الله كان يرى أن المراد بالملامسة الجماع فلهذا لم يدفع دليل أبي موسى وإلا لكان بقول المراد من الملامسة: التقاء البشرتين فيما دون الجماع وجعل التيمم بدلًا من الوضوء لا يستلزم جعله بدلًا من الغسل

ج 2 ص 97

لكن هذه أن ابن الملقن صرح بأن رأي ابن مسعود أن الملامسة في الآية ما دون الجماع حيث قال: وإنما استراب عمر في قول عمار؛ لأنه كان حاضرًا معه فلم يتذكر القصة فارتاب ولم يقنع بقوله: وكان عمر وابن مسعود لما كان من رأييهما أن الملامسة في الآية دون الجماع، وكان التيمم في الآية عقب الملامسة منعا الجنب من التيمم، ورأيا أن التيمم إنما جعل بدلًا عن الوضوء لا الغسل بل أوجب تعالى في الغسل الاغتسال لقوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة:6] ولقوله: {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء:43] .

ولما كان من رأي ابن عباس وأبي موسى: أن الملامسة الجماع رأيا جواز التيمم للجنب، ولذلك حاج أبو موسى بن مسعود بآية النساء، فإن الملامسة فيهما الجماع فلم يدفعه ابن مسعود عن ذلك، ولا قدر أن يخالفه في تأويل الآية فلجأ إلى قوله: لو رخص لهم في هذا كان أحدهم إذا برد عليه الماء تيمم.

وقد ذكر ابن أبي شيبة بسنده إلى الضحاك أنه قال: (( رجع عبد الله عن قوله في تيمم الجنب ) )ولم يتعلق أحد من فقهاء الأمصار من قال بأن الملامسة الجماع، ومن قال بأنها دونه بقول عمر وابن مسعود وصاروا إلى حديث عمار وعمران بن حصين في ذلك إلا أنهم اختلفوا فمن قال: الملامسة الجماع أوجب التيمم للجنب بالقرآن، وهو قول الكوفيين، ومن قال إنها ما دون الجماع أوجبه بحديث عمار وعمران وهو قول مالك انتهى.

(فَقَالَ) أي: ابن مسعود (إِنَّا لَوْ رَخَّصْنَا لَهُمْ فِي هَذَا) أي: في التيمم للجنب (لأَوْشَكَ) أي: قرب (إِذَا بَرَدَ) بفتح الراء وضمها كما ضبطه في الفرع كأصله، لكن قال الجوهري: الفتح أشهر (عَلَى أَحَدِهِمُ الْمَاءُ أَنْ يَدَعَهُ) أي: يتركه (وَيَتَيَمَّمَ) قال الأعمش: (فَقُلْتُ لِشَقِيقٍ: فَإِنَّمَا كَرِهَ عَبْدُ اللَّهِ) ابن مسعود التيمم للجنب (لِهَذَا؟) أي: لأجل احتمال أن يتيمم جنب دفعًا لمشقة البرد.

(قَالَ) ولأبوي ذر والوقت: (نَعَمْ كرهه لذلك) قال الكرماني: فإن قلت: الواو لا تدخل بين القول ومقوله فلم قال: وإنما كره؟.

قلت: هو عطف على سائر مقولاته المقدرة؛ أي: قلت كذا وكذا أيضًا.

قال العيني: كأنه اعتمد على نسخة فيها وإنما بواو العطف والنسخ المشهورة فإنما بالفاء انتهى.

أقول: وعلى النسخ المشهورة يرد مثل هذا السؤال ويحتاج إلى ما قاله من الجواب، وقال الكرماني أيضًا: فإن قلت: ما وجه الملازمة بين الرخصة في تيمم الجنب وتيمم المتبرد حتى صح أن يقال لو رخصنا لهم في ذلك لكان إذا وجد أحدهم البرد تيمم؟.

قلت: الجهة الجامعة بينهما اشتراكهما في عدم القدرة على استعمال الماء؛ لأن عدم القدرة إما بفقد الماء، وإما بتعذر الاستعمال، وظاهر هذا الكلام أن ابن مسعود لم يجوز للجنب التيمم خوفًا من البرد لما جوزه من ذكره هنا وهو مشكل بحسب الظاهر، ولذا قال الخطابي: هذه مناظرة والظاهر منها يأتي على إهمال حكم الآية، وأي عذر لمن ترك العمل بما في هذه الآية من أخل أن بعض الناس عساه يستعملها على وجهها وفي غير وجهها؟.

فالجواب: أن عبد الله لم يذهب هذا المذهب الذي ظنه القائل، وإنما كان يؤول الملامسة المذكورة في الآية على غير الجماع وقد تقدم ذلك قريبًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت