وبالسند قال:
352 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) الكوفي نسبه إلى جده لشهرته به وإلا فأبوه عبد الله توفي بالكوفة سنة سبع وعشرين ومائتين (قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ) ابن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم.
(قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بالقاف المكسورة والدال المهملة، القرشي العدوي المدني أخو عاصم بن محمد الراوي عنه (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ)
ج 2 ص 118
التابعي المشهور (قَالَ: صَلَّى جَابِرٌ) هو ابن عبد الله (فِي إِزَارٍ قَدْ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ) بكسر القاف وفتح الموحدة؛ أي: جهة (قَفَاهُ) .
وقوله: (وَثِيَابُهُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْمِشْجَبِ) جملة حالية، والمشجب بكسر الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الجيم وبالموحدة.
قال في (( الفتح ) ): هو عيدان تضم رؤوسها ويفرج بين قوائمها توضع عليها الثياب وغيرها.
وقال ابن سيده: المشجب والشجاب خشبات ثلاث يعلق عليها الراعي دلوه وسقاءه، ويقال في المثل: فلان كالمشجب من حيث قصدته وجدته.
(قَالَ) وللأربعة: بفاء العطف له أي: لجابر (قَائِلٌ) .
قال في (( الفتح ) ): وقع في مسلم أنه عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، وسيأتي قريبًا أن سعيد بن الحارث سأله عن هذه المسألة ولعلهما جميعًا سألاه، وسيأتي عند المصنف في باب الصلاة بغير رداء من طريق ابن المنكدر أيضًا فقلنا: يا أبا عبد الله فلعل السؤال تعدد انتهى.
(تُصَلِّي) بتقدير همزة للإنكار (فِي إِزَارٍ وَاحِدٍ؟ فَقَالَ) أي: جابر، وسقطت الفاء من بعض الأصول إنما صنعت ذلك باللام، وسقطت للحموي والكشميهني وللمستملي: بدل ذلك؛ أي: هذا الذي فعله من صلاته، وإزاره معقود على قفاه، وثيابه موضوعة على المشجب (لِيَرَانِي أَحْمَقُ) أي: جاهل يدل عليه ما جاء في حديث آخر: (( أحببت أن يراني الجهّال ) )مثلكم فجعل الحمق كناية عن الجهل، والحمق كما في (( النهاية ) ): وضع الشيء في غير موضعه مع العلم بقبحه.
قال في (( الفتح ) ): والغرض بيان جواز الصلاة في الثوب الواحد، ولو كانت الصلاة في الثوبين أفضل فكأنه قال: صنعته عمدًا لبيان الجواز إما ليقتدي به الجاهل ابتداءًا أو ينكر فيعلمه أن ذلك جائز، وإنما أغلظ لهم في الخطاب زجرًا عن الإنكار على العلماء، وليحثهم على البحث عن الأمور الشرعية انتهى.
(مِثْلُكَ) نعت لأحمق وجاز جعله صفة للنكرة؛ لأنه لا يتعرف بالإضافة لتوغله في الإبهام (وَأَيُّنَا) بتشديد الياء اسم استفهام، والاستفهام هنا مراد به الإنكار فيفيد النفي (كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ) وللأصيلي رسول الله صلى الله عليه وسلم وغرضه من ذلك أن يفيد أن الصلاة في ثوب واحد كان أمرًا مقررًا في عهده صلى الله عليه وسلم.
قال في (( الفتح ) ): أي: كان أكثرنا في عهده صلى الله عليه وسلم لا يملك إلا الثوب الواحد، ومع ذلك فلم يكلف تحصيل ثوب ثان ليصلي فيه فدل على الجواز، وعقب المصنف حديثه هذا بالرواية المصرحة بأن ذلك وقع من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ليكون بيان الجواز به أوقع في النفس لكونه أصرح في الرفع من الذي قبله، وخفي ذلك على الكرماني فقال: دلالته؛ أي: الحديث الأخير على الترجمة وهي عقد الإزار على القفا إما لأنه مخروم من الحديث السابق؛ أي: هو طرف من الذي قبله، وإما أنه يدل عليه بحسب الغالب إذ لولا عقده على القفا لما ستر العورة غالبًا انتهى.
ولو تأمل لفظه وسياقه بعد ثمانية أبواب لعرف اندفاع احتماليه فإنه طرف من الحديث المذكور هناك لا من السابق، ولا ضرورة إلى ما ادعاه من الغلبة فإن لفظه وهي يصلي في ثوب ملتحفًا به، وهي قصة أخرى فيما يظهر كان الثوب فيها واسعًا فالتحف به، وكان في الصورة الأولى ضيقًا فعقده، وسيأتي ما يؤيد هذا التفصيل قريبًا انتهى.
وأقول: يؤخذ من كلامه أنه لا يشترط في كل حديث من أحاديث الأبواب المذكورة في هذا الكتاب أن يكون مطابقًا للترجمة، بل إما أن يكون مطابقًا لها أو يكون له نطق بالحديث الذي فيه مطابقتها، وحينئذ يستغنى عن كثير من التكلفات في أحاديث خفيت فيها المطابقة للترجمة، وفي الحديث الأخذ بالأيسر مع القدرة على غيره توسعة على العامة ليقتدى به، وأن للعالم أن يصف بالحمق من جهل دينه، وأنكر على العلماء ما لم يحط هو بعلمه من الكتاب أو السنة.