وبه قال:
357 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) بضم الهمزة وفتح الواو (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) وسقط: (( ابن أنس ) )لابن عساكر (عَنْ أَبِي النَّضْرِ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، سالم بن أبي أمية.
(مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ) بضم العين منهما القرشي التيمي، المتوفى سنة تسع وعشرين ومائة (أَنَّ أَبَا مُرَّةَ) بضم الميم وتشديد الراء، يزيد (مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ) بالهمزة، فاختة (بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ، أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ) رضي الله عنها.
(تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَامَ الْفَتْحِ) في رمضان سنة ثمان (فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ) أي: لدخول مكة شرفها الله تعالى أو لغير ذلك (وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ) رضي الله عنها (تَسْتُرُهُ) في محل النصب كجملة يغتسل إما على الحالية أو على أنها مفعول ثان لوجدته.
(قَالَتْ) أم هانئ (فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ) عليه السلام (مَنْ هَذِهِ؟ فَقُلْتُ: أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ) يحتمل أن تكون المجيبة له فاطمة رضي الله عنها، ويحتمل أن تكون أم هانئ لما سمعت استفهامه أجابت عن نفسها.
(فَقَالَ) عليه السلام (مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ) بباء الجر، ولابن عساكر: بياء النداء؛ أي: لقيت مكانًا رحبًا وسعة.
ج 2 ص 121
(فَلَمَّا فَرَغَ) أي: النبي صلى الله عليه وسلم (مِنْ غُسْلِهِ) بضم الغين (قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) ثمانِيَ، بكسر النون وفتح الياء، مفعول مطلق لصلى، وكلام القسطلاني يوهم أنه مفعول به وليس كذلك.
وقال العيني: ثمانِيَ بكسر النون وفتح الياء.
وقال الكرماني: ثمانَ ركعات بفتح النون.
قلت: حينئذ يكون منصوبًا بقوله: فصلى. انتهى.
ولينظر في وجه تخصيصه النصب بصلّى بحذف الياء فإنه يفهم منه أنه على رواية إثبات الياء لا يكون منصوبًا به، وليس هنا ما يصلح أن يكون عاملًا فيه سواه.
وقال الجوهري: هو في الأصل منسوب إلى الثمن؛ لأنه الجزء الذي صير السبعة ثمانية فهو ثمنها ثم إنهم فتحوا أوله؛ لأنهم يغيرون في النسب، وحذفوا منه إحدى يائي النسب، وعوضوا منها الألف كما فعلوا في المنسوب إلى اليمن فتثبت ياؤه عند الإضافة كما تثبت ياء القاضي تقول: ثماني نسوة وتسقط مع التنوين عند الرفع والجر، وتثبت عند النصب؛ لأنه ليس بجمع. انتهى.
وهذه الثمان ركعات هي صلاة الضحى كما يؤخذ مما سيأتي.
(فَلَمَّا انْصَرَفَ) عليه السلام، من صلاته (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ ابْنُ أُمِّي) أي: قال: أو ادعى، وأصل الزعم للباطل، وللقول الذي لا دليل عليه، وقد يستعمل في الحق كقول أبي طالب يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم:
~ودعوتني وزعمت أنك ناصحي
بدليل قوله في تتمة البيت:
~ولقد صدقت وكنت ثم أمينًا
ومرادها بابن أمها: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، إذ هي شقيقته وأمهما فاطمة بنت أسد بن هاشم، وإنما خصت الأم لكونها آكد في القرابة كما قال يا ابن أمي ويا شقيق نفسي أنت حلفتني لو هو شديد ولأنه أدخل في الاستعطاف كما قال هارون عليه السلام لأخيه موسى عليه السلام: {يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي} [طه:94] .
وادعى لقبول الشكاية في إخفار ذمتها فذكرت ما بعثها على الشكوى حيث جاءها البلاء من مكان تتوقع منه الرأفة والرحمة لما جرت به العادة أن الأخوة من جهة الأم أشد في اقتضاء الحنان والرعاية من غيرها، وجاء في رواية الحموي: (( زعم ابن أبي ) ).
(أَنَّهُ قَاتِلٌ) بلفظ اسم الفاعل المستقبل، ولذا عمل في قولها: (رَجُلًا) أي: عازم على قتل رجل، وقولها: (قَدْ أَجَرْتُهُ) صفة لرجلًا، وهو بفتح الهمزة بلا مد، والمد فيه خطأ.
قال العيني: لأنه إما من الجور فتكون الهمزة فيه للسلب والإزالة نحو أشكيته؛ أي: أزلت شكايته، وإما من الجوار بمعنى المجاورة. انتهى، ومعناه: أمنته.
(فُلاَنَ بْنَ هُبَيْرَةَ) برفع فلان خبر لمبتدأ محذوف، وبنصبه بدلًا من رجلًا أو من الضمير المنصوب.
وهُبَيرة: بضم الهاء وفتح الباء مصغرًا، ابن عمر المخزومي زوج أم هانئ ولدت منه أولادًا منهم هانئ الذي كنيت به مكة عام الفتح لما أسلمت هي ولم يزل مشركًا حتى هلك وترك عندها ولدها منه بعده، وهو ممن له رواية ولم تصح له صحبة، وقد ذكره من حيث الرواية في التابعين البخاري وابن حبان وغيرهما.
وقال الكرماني: ولعلها أرادت بقولها: فلان ابنها من هبيرة أو ربيبها كما أن الإيهام فيه يحتمل أن يكون من أم هانئ وأن يكون الراوي نسي اسمه فذكره بلفظ فلان. انتهى.
وقد وقع في تعيين من إجارته أم هانئ اختلاف بين الشراح واضطراب في الروايات.
قال العيني: ثم قولها فلان بن هبيرة فيه اختلاف كثير من جهة الرواية ومن جهة التفسير؛ ففي (( التمهيد ) )من حديث محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي مرة، عن أم هانئ قالت: (( أتاني يوم الفتح حموان لي فأجرتهما فجاء علي يريد قتلهما، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبة بالأبطح بأعلى مكة ) )الحديث، وفيه: (( أجرنا من أجرت، وأمنا من أمنت ) ).
وفي (( معجم الطبراني ) ): (( إني أجرت حموي ) )، وفي رواية: (( حموي ابن هبيرة ) )، وفي رواية: حموي: (( ابني هبيرة ) ).
وقال أبو عمر: في حديث النضر ما يدل على أن الذي أجارته كان واحدًا وفي هذا اثنين وأما من جهة التفسير، فقال أبو العباس بن سريج: الرجلان هما جعدة بن هبيرة ورجل آخر وكانا من الشرذمة الذين قاتلوا خالدًا رضي الله عنه ولم يقبلوا الأمان ولا ألقوا السلاح فأجارتهما أم هانئ وكانا من أحمائها.
وروى الأزرقي بسند فيه الواقدي في حديث أم هانئ: هذا أنهما الحارث بن هشام وهبيرة بن أبي وهب.
وجزم ابن هشام في (( تهذيب السيرة ) ): بأن اللذين أجارتهما
ج 2 ص 122
أم هانئ هما الحارث بن هشام وزهير بن أمية المخزوميان، ثم نقل عبارة الكرماني المتقدمة آنفًا. انتهى.
وقال في (( الفتح ) )بعد أن نقل الروايات المتقدمة: والذي يظهر لي أن في رواية الباب حذفًا كأنه كان فيه فلان ابن عم هبيرة فسقط لفظ عم أو كان فلان قريب هبيرة فتغير لفظ قريب بلفظ ابن وكل من الحارث بن هشام وزهير بن أمية وعبد الله بن ربيعة يصح وصفه بأنه ابن عم هبيرة وقريبه؛ لكون الجميع من بني مخزوم.
وقال العيني عقب نقله لهذه العبارة عنه: قلت: الأصوب والأقرب: أن نقول في توجيه عبارة إلى النضر فلان بن هبيرة أن يكون المراد من فلان هو ابن هبيرة من غير أم هانئ فنسي الراوي اسمه، وذكره بلفظ فلان ويدل على صحة هذا رواية ابن عجلان في (( التمهيد ) )، ورواية الطبراني، فإنها تدل على أن الذي أجارته أم هانئ هو حموها.
فإن قلت: المذكور في رواية أبي النضر واحد، وفي هذه الروايات اثنان؟ ….
قلت: لا يضر ذلك؛ لأنه يحتمل أن يكون الراوي اقتصر على ذكر واحد منهما نسيانًا كما أبهم اسمه نسيانًا.
وقال ابن الجوزي: إن كان ابن هبيرة منها فهو جعدة.
وجوز أبو عمر: أن يكون من غيرها وهو الأصوب لما ذكرنا.
قال بعضهم: نقل أبو عمر عن أهل النسب أنهم لم يذكروا لهبيرة ولدًا من غيرها.
قلت: لا يلزم من عدم ذكرهم ذلك أن لا يكون له ولد من غيرها.
قلت: قال هذا القائل: جعدة معدود فيمن له رواية ولم يصح له صحبة وقد ذكره من حيث الرواية في التابعين البخاري وابن حبان وغيرهما، فكيف يتهيأ لمن هذه سبيله في صغر السن أن يكون في عام الفتح مقاتلًا حتى يحتاج إلى الأمان، ثم لو كان ولد أم هانئ لم يهم علي رضي الله عنه بقتله؛ لأنها كانت قد أسلمت وهرب زوجها وترك ولدها عندها.
قلت: كونه تابعيًا أو صحابيًا على ما فيه من الاختلاف لا ينافي ما ذكرناه فيما قبل ذلك.
وقوله: (( فكيف يتهيأ ... إلخ ) )مجرد دعوى فيحتاج إلى برهان فظهر مما ذكرنا أن قول الكرماني: أرادت أم هانئ ابنها من هبيرة أو ربيبها أقرب إلى الصواب وأوجه.
وقول بعضهم: والذي يظهر لي ... إلخ بعيد في ذلك، وتصرف من عنده بغير وجه؛ لأن فيه ارتكاب الحذف والمجاز والتقدير بشيء بعيد غير مناسب ومخالف لما ذكره هؤلاء المذكورون آنفًا، وهذا كله خلاف الأصل ومما يمجد من له تصرف في الكلام. انتهى.
ولم يتعرض في (( الانتقاض ) )لجواب هذا الاعتراض، ولا يخفى ما فيه من التكلف.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ) وللأصيلي: (صلى الله عليه وسلم قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ) بقصر الهمزة فيهما يعني قد أمنا من أمنته.
قال الكرماني: أو المعنى أن إيمانك لذلك الرجل كإيماننا له فلا يصح لعلي قتله، وفيه: أن لكل فرد من أفراد المسلمين ذكرًا أو أنثى إيمان الكافر وإجارته، لكن بالشروط المذكورة في كتب الفقه.
(يَا أُمَّ هَانِئٍ) نداؤها مع كونها حاضرة لزيادة إيناسها والتعطف بها (وَذَاكَ) وللأصيلي: باللام، والمشار إليه صلاته الثمان ركعات، وجاء على لغة من يشير بذا للمذكر والمؤنث والمفرد والجمع، أو بتأويل الصلاة بالمذكور، أو الإشارة إلى القيام المفهوم من قام.
(ضُحًى) أي: وقت ضحى أو صلاة ضحى، ويدل للتقدير الأول رواية أحمد وذلك يوم فتح مكة ضحى، ويدل للثاني رواية ابن شاهين: أن أم هانئ قالت: يا رسول الله ما هذه الصلاة؟ قال: (( الضحى ) )، ورواية ابن أبي شيبة: (( ثم صلى الضحى ثمان ركعات ) )، ورواية مسلم: (( ثم صلى ثمان ركعات سبحة الضحى ) ).
قال العيني: وهذا الوجه هو الأصح، وهذا أيضًا يمنع التحرص في ذلك بأن قال بعضهم: هي صلاة الفتح، وبعضهم قال: صلاة الإشراق، والدليل على ذلك ما في رواية مسلم؛ أي: المتقدمة آنفًا.