فهرس الكتاب

الصفحة 619 من 1465

وبه قال:

369 - (حَدَّثنا إِسحاقٌ) ابن راهويه واسمه إبراهيم أو ابن منصور وقع التردد فيه لأنهما يرويان عن يعقوب، لكن جزم في (( الفتح ) )بأنه الأول، قال: ووقع في نسختي من طريق أبي ذر إسحاق بن إبراهيم فتعين أنه ابن راهويه إذ لم يرو البخاري عن إسحاق بن أبي إسرائيل واسمه إبراهيم شيئًا ولا عن الصواف وهو دونهما في الطبقة انتهى.

ورده العيني فقال: إنما علم أنه ابن راهويه من جهة أبي ذر لا من جهة نسخته، وأيضًا قال أولًا، وردوه الحفاظ بين ابن منصور وبين ابن راهويه فكيف يقال بعد هذا بقوله: إذ لم يرو البخاري عن إسحاق بن أبي إسرائيل انتهى.

أقول: لم يتعرض في (( الانتقاض ) )لهذا الاعتراض، ويمكن الجواب عنه بأن قول العيني إنما علم أنه ابن راهويه ... إلخ صحيح لو كان أبو ذر حيًا في زمان صاحب (( الفتح ) )وحيث لم يكن كذلك فلا سبيل إلى العلم بذلك إلا بما ثبت في النسخ المقابلة.

وأما قوله: فكيف يقال بعد هذا ... إلخ فالجواب عنه أنه إنما ذكر إسحاق بن أبي إسرائيل لكون أبي إسرائيل اسمه إبراهيم، فربما يتوهم أن إسحاق بن إبراهيم هذا فدفعه بقوله: إن مشرك البخاري لم يروعه شيئًا فتعين أن مراد البخاري بإسحاق بن إبراهيم الثابت من طريق أبي ذر إسحاق بن راهويه تعليل بالتأمل للإلصاق.

(قَالَ: حَدَّثَنا) وللأصيلي: (يَعْقُوبُ بنُ إِبرَاهِيمَ) ابن سعد سبط عبد الرحمن بن عوف (قَالَ: حَدَّثَنا ابْنُ أَخِي ابن شِهابٍ) هو محمد بن عبد الله بن أخي ابن شهاب محمد بن مسلم (عَنْ عَمِّهِ) محمد بن مسلم الزهري (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حُمَيدٌ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضم الحاء المهملة وفتح الميم (بْنِ عَوْفٍ) التابعي، ورواة هذا الإسناد سوى صحابيه وشيخ المؤلف كلهم زهريون.

(أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ) الصديق رضي الله عنه (فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ) المعهودة التي حجها بالناس قبل حجة الوداع بسنة، وإنما كان الباعث له أبا بكر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعله فيها أميرًا على الحاج (فِي مُؤَذِّنِينَ) أي: معهم جمع مؤذن، والمراد بالأذان هنا الأذان اللغوي وهو الإعلام وهو مقتبس من قوله تعالى: {وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ} [التوبة:3] أي: في رهط يؤذنون في الناس.

(يَوْمَ النَّحْرِ، نُؤَذِّنُ) بنون مضمومة وذال معجمة مشددة وهي نون المتكلم معه غيره وهو أبو هريرة ومن معه، وليس فيه التفات كما قد يتوهم (بِمِنًى) بكسر الميم (أَلا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ) بنصب يحج بأن المصدرية المدغمة نونها في لا النافية، ومن الوهم قول بعضهم: أن لا يحج بإدغام النون في لا النافية فالفعل مرفوع، أو الناهية فالفعل مجزوم أو منصوب، وكيف يكون مجزومًا والمعطوف عليه وهو قوله:

(وَلاَ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ) منصوب ولا وجه له إلا العطف على يحج.

فإن قلت: يمكن أن يكون نصب يطوف بأن مضمرة في جواب النهي على تقدير كونها ناهية كقولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن.

قلت: لا يصح ذلك لفساد المعنى؛ لأن النهي حينئذ يتوجه إلى الجمع بين حج المشرك وطواف العريان فيقتضي عدم النهي عن كل واحد منهما على الانفراد، ثم رأيت الدماميني صرح بعدم جواز ذلك.

فقال في (( المصابيح ) ): ولا يجوز أن تكون لا ناهية؛ لأن بعده ولا يطوف انتهى.

يعني والرواية بالنصب نعم يمكن إن لم تثبت الرواية بالنصب أن تكون جملة أن لا يحج تفسيرية لقوله: نؤذن لأن أذن فيه معنى القول دون حروفه، فيصح الرفع في الفعلين فتأمل.

قال صاحب (( الفتح ) ): وللكشميهني: بأداة استفتاح قبل حرف النفي انتهى.

وتعقبه العيني فقال: قال بعضهم: قبل حرف النهي، قلت: ليس كذلك بل هو حرف النفي انتهى.

فكأن نسخته كانت قبل حرف النهي ولو كانت ناهية لكان ولا يطوف مجزومًا.

وقال الكرماني: وهذا موافق لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة:28] ثم قال: هل يكون ذلك العام داخلًا في هذا الحكم أم لا؟.

قلت: الظاهر أن المراد بعد خروج هذا العام لا بعد دخوله انتهى.

وقال العيني: ينبغي أن يدخل هذا العام أيضًا بالنظر إلى التعليل انتهى.

أقول: المتبادر من الآية ما قاله الكرماني، وفي النهي عن طواف العريان إبطال لما كانت عليه الجاهلية من الطواف عراة، وفيه دليل على أن الطواف يشترط له ستر العورة، ويؤخذ منه المطابقة للترجمة لأن الصلاة كالطواف.

(قَالَ حُمَيْدُ) مصغرًا (بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف، قال الكرماني: لفظ قال حميد وقال أبو هريرة يحتمل أن يكون كل منهما تعليقًا من البخاري، وأن يكونا داخلين تحت الإسناد المذكور لكن ظاهر أن مسألة الإرداف لم يسندها حميد وليس بصحابي حتى يقال شاهدها بنفسه فهو من قبيل مراسيل التابعي انتهى.

وأقول: في الاحتجاج بمراسيل التابعي خلاف، فلعل مذهب البخاري صحة الاحتجاج به.

(ثُمَّ أَرْدَفَ) أي: أرسل (رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلِيًّا) ابن عمه وراء أبي بكر (فَأَمَرَهُ) أي: أمر النبي صلى الله عليه وسلم عليًا (أَنْ يُؤَذِّنَ) أي: يعلم (بِبَرَاءَةَ) بالرفع والتنوين على الحكاية كما في اليونينية وبالنصب غير منصرف للعلمية والتأنيث؛ لأنها اسم للسدرة وبالجر على اعتبار تنكيرها بتأويل بالمسمى بهذا الاسم، والحكمة في تخصيص علي بذلك أن براءة تتضمن نقض العهد، وكان من عادة

ج 2 ص 134

العرب الغير المنكرة أن لا يحل العقد إلا الذي عقده أو رجل من أهل بيته.

(قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (فَأَذَّنَ) بتشديد الذال (مَعَنَا) بفتح العين ويجوز إسكانها (عَلِيٌّ) رضي الله عنه.

قال الكرماني: فإن قلت: علي رضي الله عنه كان مأمورًا بالتأذين ببراءة فكيف قال أبو هريرة: (( فأذن معنا لا يحج ... إلخ ) )؟.

قلت: إما لأن ذلك داخل في سورة براءة، وإما أن معناه أنه أذن فيه أيضًا معنا بعد أن أذن ببراءة انتهى.

(فِي أَهْلِ مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ: لاَ يَحُجُّ) بالرفع على أن لا نافية مرادًا بها النهي (بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلاَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ) وفي هذا الحديث رواية تابعي عن تابعي، والتحديث، والعنعنة.

وأخرجه المؤلف في الجزية والمغازي والحج والتفسير، ومسلم في الحج، وأبو داود، والنسائي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت