فهرس الكتاب

الصفحة 635 من 1465

وبالسند قال:

377 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المديني (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) قال في (( الفتح ) ): هو ابن عيينة (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ) هو ابن دينار (قَالَ) أي: أبو حازم (سَأَلُوا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ) بسكون الهاء والعين فيهما الساعدي (مِنْ أي شَيْءٍ الْمِنْبَرُ؟) بكسر الميم؛ أي خشب منبر مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من أي نوع من أنواع الشجر؟، ولأبي داود: (( أن رجالًا أتوا سهل بن سعد الساعدي وقد امتروا في المنبر ممَ عوده ) ).

(فَقَالَ) سهل (مَا بَقِيَ) بكسر القاف (بِالنَّاسِ) وفي رواية: ولأبوي ذر والوقت: (أَعْلَمُ مِنِّي) مفهوم هذا اللفظ بحسب أصل اللغة لا ينفي المساوي له في العلم، وإنما ينفي الأزيد منه علمًا، وهنا غير مراد، لكنه بحسب العرف يفيد نفي المساوي.

تقول: ليس في البلد أعلم من زيد؛ أي ليس فيها من يزيد عليه، ولا من يساويه.

(هُوَ) أي: المنبر (مِنْ أَثْلِ الغَابِة) بفتح الهمزة وسكون المثلثة، والغابة بالغين المعجمة والموحدة، وفي رواية أبي داود: (( من طرفاء الغابة ) ).

قال العيني: وفسر الخطابي الأثل بالطرفاء.

وقال ابن سيده: الأثل: شبه الطرفاء إلا أنه أعظم منه.

وقال أبو عمرو: هو أجود الخشب للآنية، وأجوده النضار الورسي؛ لصفرته، ومنبر النبي صلى الله عليه وسلم نضار.

والغابة: أرض على تسعة أميال من المدينة كانت إبل النبي صلى الله عليه وسلم مقيمة بها للمرعى، وبها وقعت قصة العرنيين الذين أغاروا على سرحه صلى الله عليه وسلم.

وقال ياقوت: بينها وبين المدينة أربعة أميال.

ج 2 ص 151

وقال البكري: هما غابتان عليا وسفلى.

وقال الزمخشري: والغابة: بريد من المدينة من طريق الشام، قال الواقدي: ومنها صنع المنبر. انتهى.

أقول: وبتعدد الغابة يجمع بين الأقوال المختلفة في تحديد مسافتها.

قال العيني: وفي (( الجامع ) ): كل شجر ملتف فهو غابة.

وفي (( المحكم ) ): الغابة الأجمة التي طالت، ولها أطراف مرتفعة باسقة، والطَرْفاء بفتح الطاء وسكون الراء المهملتين ممدودة شجر من شجر البادية، واحدها طَرفة بفتح الطاء مثل قصبة وقصباء.

وقال سيبويه: الطرفاء واحد وجمع. انتهى.

(عَمَلَهُ) أي: المنبر (فُلانٌ) بالصرف؛ لأنه كناية عن علم المذكر (مَولَى فُلانَةْ) بعدم الصرف للعلمية والتأنيث؛ لأنه كناية عن علم المؤنث.

قال في (( الفتح ) ): اختلف في اسم النجار المذكور كما سيأتي في الجمعة، وأقر بها ما رواه ابن سعد في (( شرف المصطفى ) )من طريق ابن لهيعة، عن عمارة بن غزية، عن عباس بن سهل، عن أبيه قال: كان بالمدينة نجار واحد، يقال له: ميمون، فذكر قصة المنبر، وأما المرأة فلا يعرف اسمها، لكنها أنصارية.

ونقل ابن التين: عن مالك: أن النجار كان مولى لسعد بن عبادة.

فيحتمل أن يكون في الأصل مولى امرأته، ونسب إليه مجازًا واسم امرأته: فكيهة بنت عبيد بن دليم، وهي ابنة عمه أسلمت وبايعت، فيحتمل أن تكون هي المرادة، لكن رواه إسحاق بن راهويه في (( مسنده ) )عن ابن عيينة فقال: مولى لبني بياضة.

وأما ما وقع في (( الذيل ) )لأبي موسى المديني نقلًا عن جعفر المستغفري أنه قال في أسماء النساء من الصحابة: علاثة بالعين المهملة وبالمثلثة ثم ساق الحديث من طريق يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، وقال فيه: أرسل إلى علاثة امرأة قد سماها سهل فقد قال أبو موسى: صحف فيه جعفر أو شيخه، وإنما هو فلانة.

ووقع عند الكرماني: قيل: اسمها عائشة، وأظنه صحف المصحف، ولو ذكر مستنده في ذلك؛ لكان أولى.

ثم وجدت في (( الأوسط ) )للطبراني من حديث جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى سارية في المسجد ويخطب إليها، ويعتمد عليها، فأمرت عائشة فصنعت له منبره هذا، فذكر الحديث، وإسناده ضعيف، ولو صح لما دل على أن عائشة هي المرادة في حديث سهل هذا إلا بتعسف. انتهى.

وتعقبه العيني فقال: هذا الطبراني روى في (( معجمه الأوسط ) )من حديث جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى سارية في المسجد ويخطب إليها، ويعتمد عليها فأمرت عائشة فصنعت له منبره هذا.

وبه يستأنس أن فلانة هي عائشة، ولاسيما قال قائله الأنصارية، ولا يستبعد وإن كان إسناد الحديث ضعيفًا في (( المصحف ) )من قال: فلانة لا من قال: عائشة الأنصارية. انتهى.

قال في (( الانتقاض ) ): فالعجب منه كيف يأخذ الفائدة من غيره ويدعيها بقوله: قلت، ولينظر في قوله، ولاسيما ماذا يتحصل منه. انتهى، فتدبره.

وفي (( المصابيح ) ): قال الزركشي: ذكر الصاغاني أنه باقوم الرومي مولى سعيد بن العاص، وقيل: غلام لسعد بن عبادة، ويقال: غلام للعباس.

قلت: لا ينبغي أن يفسر مبهم البخاري بشيء مما ذكره، فإن المبهم مولى فلانة لا مولى فلان، وقيل: هو صالح مولى التؤمة. انتهى.

أقول: ويمكن أن يجاب بما تقدم عن صاحب (( الفتح ) )في أن النجار كان مولى لسعد بن عبادة من احتمال أنه كان مولى لامرأته، فنسب إليه مجازًا، وكان عمل المنبر في السنة السابعة من الهجرة كما قال ابن سعد، ويقال: في الثامنة، وهو أول منبر عمل في الإسلام.

قال العيني: وفي (( الإكليل ) )للحاكم: عن يزيد بن رومان: كان المنبر ثلاث درجات، فزاد به معاوية، لعله قال: جعله ست درجات، وحوله عن مكانه، فكسفت الشمس يومئذ.

قال الحاكم: وقد أحرق المنبر الذي عمله معاوية، ورد منبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المكان الذي وضعه فيه.

وفي (( الطبقات ) ): كان بينه وبين الحائط ممر الشاة، قال: وقد ذكرنا عن أبي داود في حديث ابن عمر: مرقاتين، وهي تثنية مرقاة، وهي الدرجة.

فإن قلت: في الصحيح ثلاث درج فما التوفيق بينهما؟.

قلت: الذي قال: مرقاتين كأنه لم يعتبر الدرجة التي كان يجلس عليها، والذي روى ثلاثًا اعتبرها. انتهى.

(لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم) أي: لأجله (وقَامَ عَليهِ) أي: المنبر، ويروى: (رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ عُمِلَ وَوُضِعَ) بالبناء للمفعول فيهما (فَاسْتَقْبَلَ) عليه السلام (الْقِبْلَةَ كَبَّرَ) بدون واو.

قال العيني: لأنه جواب عن سؤال مقدر كأنه قيل: ما عمل بعد الاستقبال، قال: كبر، وفي بعض الأصول: بالواو، وفي بعضها: بالفاء.

(وَقَامَ النَّاسُ خَلْفَهُ، فَقَرَأَ) عليه السلام (وَرَكَعَ وَرَكَعَ النَّاسُ خَلْفَهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى) بقافين مفتوحتين مقصورًا؛ أي: رجع إلى ورائه، وهو منصوب على أنه مفعول مطلق؛ أي: رجع الرجوع الذي يعرف بهذا الاسم؛ لأن القهقرى نوع من الرجوع، فهو منصوب بفعل من غير لفظه، كقعدت جلوسًا، وإنما فعل ذلك؛ لئلا يولي

ج 2 ص 152

ظهره القبلة.

(فَسَجَدَ عَلَى الأَرْضِ) أي: سجود الصلاة (ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ) ولم يكن في عوده ولا في رجوعه ما يخل بالصلاة من حركات ونحوها (ثُمَّ قَرَأَ) ما تيسر من القرآن (ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ بِالأَرْضِ) قال الكرماني: فإن قلت: ما الفرق بين ما قال أولًا: سجد على الأرض، وقال ثانيًا: سجد بالأرض؟.

قلت: ملاحظة معنى الاستعلاء في الأول، ومعنى الإلصاق في الثاني.

(فَهَذَا) أي: ما ذكر (شَأْنُهُ) أي: عادته ودأبه في تلك الصلاة، أو إذا صلى في المنبر.

وفي الحديث كما في العيني: الدلالة على ما ترجم له، وهي الصلاة على المنبر، وقد علل صلى الله عليه وسلم صلاته وارتفاعه على المأمومين بالإتباع له والتعليم، فإذا ارتفع الإمام على المأموم، فهو مكروه إلا لحاجة؛ فيستحب، وبه قال الشافعي وأحمد والليث.

وعن مالك: المنع، وبه قال الأوزاعي، وحكى ابن حزم عن أبي حنيفة: المنع، وهو غير صحيح، بل مذهبه الجواز مع الكراهة، وعن أصحابنا عن أبي حنيفة: جوازه إذا كان الإمام مرتفعًا مقدار قامة. انتهى.

أقول: وفيه نظر لما تقدم عن (( الدرر ) )عن الطحاوي: أنه يكره في القامة، ولا يكره فيما دونها، وهو رواية عن أبي يوسف، فلعل صواب العبارة: إذا كان الإمام مرتفعًا دون مقدار قامة، ولعل ذلك سقط من قلم الناسخ على أن المعتمد مقدار ذراع كما تقدم، وفيه: أن العمل القليل في الصلاة لا يبطلها.

قال صاحب (( المحيط ) ): المشي في الصلاة خطوة لا يبطلها، وخطوتين أو أكثر يبطلها.

قال العيني: وعلى هذا، فكان ينبغي أن تفسد هذه الصلاة على هذه الكيفية، ولكنا نقول: إذا كان لمصلحة ينبغي ألا تفسد صلاته، ولا تكره أيضًا كما في مسألة من انفرد خلف الصف وحده، فإن له أن يجذب واحدًا من الصف إليه ويصطفان، فإن المجذوب لا تفسد صلاته، ولو مشى خطوتين. انتهى.

ولا يخفى ما في قوله: ينبغي أن تفسد هذه الصلاة من الغفلة عن كونه غير لائق بالمقام؛ لأنها صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وبها يستدل على صحة ما كان على كيفيتها، فكان اللائق أن يقول: وفي هذه الصلاة دليل على أن العمل الكثير إذا كان لمصلحة الصلاة لا يفسدها كمسألة من انفرد خلف الصف ... إلخ، لكن الذي اعتمده المتأخرون في مسألة الجذب أن تركه في زماننا أولى كما في (( الدرر المختار ) ).

فلذا قال في (( البحر ) ): يكره وحده إلا إذا لم يجد فرجة. انتهى.

أي: فتنتفي الكراهة عند عدم وجدان الفرجة، ولا يجر أحدًا من الصف؛ لغلبة الجهل على الناس، وفيه: استحباب اتخاذ المنبر، وكون الخطبة على مرتفع كمنبر ونحوه، وفيه: تعليم الإمام المأمومين أفعال الصلاة، ولا يقدح ذلك في صلاته، وليس من باب التشريك في العبادة، بل هو كرافع صوته بالتكبير؛ ليسمعهم.

ورواته ما بين بصري ومكي ومدني، وفيه: التحديث والإخبار والسؤال.

وأخرجه المؤلف في الصلاة، وكذا مسلم.

(قَالَ) وللأصيلي: (أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) أي: البخاري (قَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) ولأبي ذر: (سَأَلَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ) هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد يلتقي نسبه برسول الله صلى الله عليه وسلم في نزار بن معد، ولد ببغداد في ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة، وتوفي بها سنة إحدى وأربعين ومائتين، ضحوة يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الأول.

وذكر النووي وغيره: أن المتوكل أمر بمسح الأرض التي وقف الناس فيها للصلاة على أحمد بن حنبل، فبلغت مقام ألفي ألف وخمسمائة ألف، وأنه أسلم يوم وفاته عشرون ألفًا من اليهود والنصارى والمجوس.

وقال أبو زرعة: ما رأيت أحدًا أكمل من أحمد بن حنبل اجتمع فيه زهد وفقه وفضل وأشياء كثيرة.

وقال فيه أيضًا: ما رأيت من المشايخ أحفظ من أحمد بن حنبل حزرت كتبه اثني عشر حملًا وعدلًا كل ذلك كان يحفظه عن ظهر قلب.

وقال ابن راهويه: هو حجة بين الله تعالى وبين عباده، وهو ممن أخذ عن الشافعي رحمهما الله تعالى ومما قال الشافعي فيه قالوا: يزورك أحمد وتزوره؟ قلت: الفضائل لا تفارق منزله.

~إن زارني فبفضله أو زرته ف لفضله فالفضل في الحالين له

(عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ) متعلق بسألني؛ أي: عن المراد به (قَالَ) وفي نسخة: والضمير فيه راجع إلى أحمد كما ذكره في (( المنحة ) ).

(فَإِنَّمَا)

ج 2 ص 153

وللأصيلي وابن عساكر: بالواو، (أَرَدْتُ) بضم التاء (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ أَعْلَى مِنَ النَّاسِ) أي: في موقفه للصلاة إمامًا (فَلاَ) ولابن عساكر: بالواو، والأولى أنسب لإفادتها التفريع على ما قبلها (بَأْسَ) أي: لا حرج (أَنْ يَكُونَ الإِمَامُ أَعْلَى مِنَ النَّاسِ) أي: في موقفه للصلاة بهم.

(بِهَذَا الْحَدِيثِ) أي: بدلالة هذا الحديث، ومقتضاه أن يكون التفاوت بقدر درجات المنبر غير مكروه.

(قَالَ) أي: علي بن المديني (فَقُلْتُ) أي: لأحمد بن حنبل، وفي رواية: بدون فاء (إِنَّ سُفْيَانَ فيان) وللأصيلي وأبي الوقت: (بْنَ عُيَيْنَةَ كَانَ يُسْأَلُ) بالبناء للمفعول (عَنْ هَذَا) أي: الحديث المذكور (فَلَمْ) أي: أفلم بإسقاط همزة الاستفهام بدليل الجواب بلا (تَسْمَعْهُ مِنْهُ؟ قَالَ) أي: أحمد بن حنبل لابن المديني (لاَ) أي: لم أسمع هذا الحديث من سفيان.

قال العيني تبعًا لصاحب (( الفتح ) )ثم إن المنفي هو جميع الحديث لأنه صريح في ذلك، ولا يلزم من ذلك عدم سماع البعض، والدليل على ذلك أن أحمد قد أخرج في (( مسنده ) )عن ابن عيينة بهذا الإسناد من هذا الحديث قول سهل: كان المنبر من أثل الغابة فقط انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت