فهرس الكتاب

الصفحة 636 من 1465

وبالسند قال:

378 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) هو الحافظ الملقب بصاعقة (قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) الواسطي (قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ) بصيغة التصغير (الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ) وفي رواية: وفي رواية أبي داود: (( فصرع عنه ) )ومعناه سقط أيضًا، وكان ذلك في ذي الحجة سنة خمس من الهجرة.

(فَجُحِشَتْ) بضم الجيم وكسر الحاء وبالشين المعجمة (سَاقُهُ) أي: خدشت أو كان ذلك أشد من الخدش قليلًا (أَوْ كَتِفُهُ) شك من الراوي، ويمكن الجمع بوقوع الأمرين، ويدل له ما في رواية بالواو، وفي رواية بشر بن الفضل، عن حميد عند الإسماعيلي: انفكت قدمه، وفي رواية الزهري، عن أنس في (( الصحيحين ) ): (( فجحش شقه الأيمن، وهي أشمل مما قبلها لشمولها بجحش الساق والكتف وانفكاك القدم.

(وَآلَى) بمد الهمزة عطف على سقط.

(مِنْ نِسَائِهِ) أي: حلف أن لا يدخل عليهن (شَهْرًا) وليس هذا إيلاءً شرعيًا فإنه الحلف أن لا يقرب زوجته أربعة أشهر فصاعدًا، وعند الشافعية والمالكية: فوق أربعة أشهر، وأما لحلف على الأربعة أشهر فقط فليس بإيلاء.

قال الكرماني: وعداه بمن وهو معدى بعلى لأنه ضمنه معنى البعد كأنه قيل: أبعد من نسائه موليًا، ويجوز أن تكون من للابتداء أو للسببية؛ أي: بسبب نسائه، ومن أجلهن فجلس صلى الله عليه وسلم (فِي مَشْرُبَةٍ) بفتح الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الراء وتضم، وهي الغرفة، ويقال: هي أعلى البيت، وقيل: الخزانة، وهي بمنزلة السطح لما تحتها (لَهُ) في موضع النعت لمشربة.

(دَرَجَتُهَا مِنْ جُذُوعٍ) بالتنوين، لغير الكشمهيني وله: (( من جذوع النخل ) )جمع جِذع بكسر الجيم، ويجمع في القلة على أجذاع.

قال في (( المحكم ) )الجذع: ساق النخلة، فإن قلت: هل كان للمشربة درجة واحدة كما هو ظاهر التعبير بالإفراد أو كان لها درجات متعددة؟ فيكون المراد بها الجنس أو هي مفرد مضاف.

نعم لم أر أحدًا من الشراح تعرض لذلك، والظاهر الثاني إذ يبعد أن تكون غرفة هي سقف لما تحتها أن يكون لها درجة واحدة، ويمكن أخذ التعدد، من كلام صاحب (( الفتح ) )في قوله.

والغرض من هذا الحديث هنا صلاته صلى الله عليه وسلم في المشربة، وهي معمولة من الخشب قاله ابن بطال، وتعقب بأنه لا يلزم من كون درجها خشبًا أن تكون كلها خشبًا، فيحتمل أن يكون الغرض منه بيان الصلاة على السطح إذ هي سقف في الجملة انتهى.

فإن درجها وقع في النسخة التي رأيناها بدون تاء، فلولا أنه وقف على كونها متعددة لما عبر بلفظ الدرج بدون تاء فليتأمل.

(فَأَتَاهُ أَصْحَابُهُ) رضي الله عنهم (يَعُودُونَهُ) بالدال المهملة من العيادة، وهي زيارة المريض (فَصَلَّى بِهِمْ جَالِسًا) حال من ضمير صلى، وقوله: (وَهُمْ قِيَامٌ) جملة حالية من ضمير بهم، وقيام جمع قائم، أو مصدر بمعنى اسم الفاعل، قاله العيني.

(فَلَمَّا سَلَّمَ) من صلاته (قَالَ: إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ) بالبناء للمفعول، والإمام نائب الفاعل، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني محذوف تقديره إمامًا (لِيُؤْتَمَّ بِهِ) أي: ليُقتَدى به، وتُتَبع أفعاله (فَإِذَا كَبَّرَ) أي: الإمام، تكبيرة الافتتاح أو غيرها من تكبيرات الانتقال (فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا) عبر بالفاء المفيدة للتعقيب إشارة إلى أنه ينبغي عدم التراخي في المتابعة.

قال العيني: الفاء في قوله: فاركعوا، وفي قوله: فاسجدوا، يدل على التعقيب، ويدل على أن المقتدي لا يجوز له أن يسبق الإمام بالركوع والسجود حتى إذا سبقه فيهما ولم يلحقه الإمام فسدت صلاته.

قال العيني: واحتج أبو حنيفة بقوله:

ج 2 ص 154

فكبروا، على أن المقتدي يكبر مقارنًا لتكبير الإمام لا يتقدم الإمام ولا يتأخر عنه لأن الفاء للحال، وقال أبو يوسف ومحمد: الأفضل أن يكبر بعد فراغ الإمام من التكبير؛ لأن الفاء للتعقيب وإن كبر مع الإمام أجزأه عند محمد رواية واحدة وقد أساء، وكذلك في أصح الروايتين عن أبي يوسف، وفي رواية: لا يصير شارعًا ثم ينبغي أن يكون اقترانهما في التكبير على قوله كاقتران حركة الخاتم والإصبع والبعدية على قولهما أن يوصل ألف الله براء أكبر.

وقال شيخ الإسلام خواهر زاده: قول أبي حنيفة أدق وأجود، وقولهما أوفق وأحوط وقال الشافعي كقولهما انتهى.

وأقول: في قوله لأن الفاء للحال نظر لأنا لم نسمع أحدًا من أهل العربية ذكر ذلك، وقد جعلها دليلًا على قول أبي حنيفة بالمقارنة، وعلى قولهما بالتعقيب فكيف يكون الدليل الواحد دليلًا على أمرين متنافيين، اللهم إلا أن يقال أن استعمالها في الحال مجاز كما استعملت في المهلة مجازًا في قوله تعالى: {أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى} [الأعلى:4 - 5] وكما استعملت ثم مكانها مجازًا في قوله:

~كهذا الرديني تحت العجاج جرى في الأنابيب ثم اضطرب

ثم رأيت الشرنبلالي في (( نور الإيضاح وشرحه ) )بين ذلك بيانًا شافيًا حيث قال: ويسن مقارنة إحرام المقتدي لإحرام إمامه عند الإمام لأنه عليه الصلاة والسلام أمر المؤتمين بالتكبير في زمان يكبر فيه الإمام بقوله: إذا كبر فكبروا، لأن إذا للوقت حقيقة كالحين، فيكون تقديره فكبروا في زمان تكبير الإمام، والفاء وإن كانت للتعقيب فقد تستعمل للقرآن كقوله عليه السلام: (( إذا قرأ فأنصتوا ) )، وقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف:204] فيجب الاستماع والإنصات في زمان القراءة لا بعده.

وقال أبو يوسف ومحمد: يكبر للتحرمة بعد ما أحرم الإمام لما رويناه آنفًا للتعقيب، وقد علمت الجواب بأن إذا للوقت، والفاء تكون للقرآن، ولا خلاف في الجواز على الصحيح، وإنما الخلاف في الأولوية انتهى المقصود منه.

وقال في (( الدرر ) )الأفضل عند أبي حنيفة أن يكبر المقتدي مع الإمام لأنه شريكه في الصلاة، وحقيقة المشاركة في المقارنة وعندهما الأفضل أن يكبر بعده لأنه تبع للإمام، وفي التسليم عنه روايتان كذا في (( الكافي ) )انتهى.

فظهر بذلك دقة نظر الإمام، وأن الشيء الواحد قد يدل على أمرين متباينين باعتبارين مختلفين فليتأمل.

(وَإِنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا) وللأصيلي: .

قال العيني وغيره: مفهومه إن صلى قاعدًا يصلي المأموم أيضًا قاعدًا، وهو غير جائز ولا يعمل به لأنه منسوخ لما ثبت أنه صلى الله عليه وسلم في آخر عمره صلى قاعدًا، وصلى القوم قائمين فإن قلت جاء في بعض الروايات فإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا.

قلت: معناه فصلوا قعودًا إذا كنتم عاجزين عن القيام مثل الإمام فهو من باب التخصيص أو هو منسوخ كما ذكرنا انتهى.

وذهب أحمد بن حنبل في جماعة أن حديث إمامته صلى الله عليه وسلم في مرضه مختلف فيه هل كان الإمام رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أبو بكر.

قال الكرماني: والنسخ أصح، والأصول تشهد أن كل من أطاق عبادة بالصفة التي وجبت عليه في الأصل لم يجز له تركها إلا أن يعجز عنها انتهى.

(وَنَزَلَ) صلى الله عليه وسلم من المشربة إلى بيوت أزواجه.

(لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ) يومًا (فَقَالُوا) قيل القائل عائشة، ونسب القول للجمع لموافقتهم إياها على ذلك (يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ آلَيْتَ شَهْرًا؟) أي: فكيف تنزل قبل تمامه لتسع وعشرين (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم مجيبًا لهم (إِنَّ الشَّهْرَ) اللام فيه للعهد؛ أي: الشهر الذي وقع عليه الحلف (تِسْعٌ وَعِشْرُونَ) فلو وقع الحلف على شهر مطلق لا يبر إلا بالثلاثين.

قال في (( المصابيح ) )وأنث العدد إما لتغليب الليالي لدخولها في مسمى الشهر، وإما لأن المميز محذوف على رأي من يقول يجوز تأنيثه عند حذف المميز المذكر انتهى.

وجاء في رواية: (( تسعة وعشرون ) )على القاعدة.

وفي الحديث من الفوائد ما ترجم له المصنف:

وهو: جواز الصلاة على السطح والخشب لأن المشربة كالسطح لما تحتها.

ومنها: أن الشهر قد يكون تسعًا وعشرين وقد يكون تمامًا.

ومنها: ما استدل به أحمد ومن وافقه على أن الإمام إذا صلى قاعدًا لعذر يصلي خلفه المأمومون قعودًا، ولو لم يكن لهم عذر خلافًا للأئمة الثلاث.

ومنها: جواز الحلف على عدم قربان امرأته دون أربعة أشهر لأنه ليس بإيلاء.

ومنها: استحباب عيادة المريض، ولو حصل ذلك من خدشة ونحوها.

ومنها: وجوب متابعة الإمام وامتناع التراخي عنه أخذًا من العطف بالفاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت