وبالسند قال:
399 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ) بفتح الراء وتخفيف الجيم ممدودًا، الغُدَّاني بضم الغين المعجمة وتخفيف الدال المهملة وبالنون بعد الألف (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق (عَنْ) جده (أَبِي إِسْحَاقَ) واسم أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي (عَنِ الْبَرَاءِ) بفتح الموحدة وتخفيف الراء والمد (ابْنِ عَازِبٍ) سقط: (( ابن عازب ) )لغير أبي ذر والمستملي.
(قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ) وللأصيلي: (صلى الله عليه وسلم صَلَّى) أي: بالمدينة، وفي نسخة: (نَحْوَ) ؛ أي: جهة (بَيْتِ الْمَقْدِسِ) بفتح الميم وكسر الدال وبضم الميم وتشديد الدال مفتوحة (سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا) ؛ أي: من الهجرة إلى المدينة.
قال الكرماني: والشك المستفاد من أو الظاهر أنه من البراء، وذلك لأنه كان في مكة مستقبلًا لبيت المقدس أيضًا على الصحيح فقد أخرج أحمد عن ابن عباس: (( كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بمكة نحو بيت المقدس، ويجعل الكعبة بين يديه ) ).
لكن أخرج الطبري عن ابن عباس أيضًا من وجه آخر قال: (( لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة واليهود أكثر أهلها يستقبلون بيت المقدس أمره الله أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود فاستقبلها سبعة عشر شهرًا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يستقبل قبلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فكان يدعو وينظر إلى السماء، فنزلت: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} [البقرة:144] ) ).
قال في (( الفتح ) )ومن طريق مجاهد قال: إنما كان يحب أن يتحول إلى الكعبة؛ لأن اليهود قالوا: يخالفنا محمد ويتبع قدوتنا فنزلت.
وأخرج الطبري من طريق ابن جريج قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما صلى إلى الكعبة ثم صرف إلى بيت المقدس وهو بمكة فصلى ثلاث حجج ثم هاجر فصلى إليه بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرًا، ثم وجهه الله إلى الكعبة. انتهى.
وقوله في حديث ابن عباس: (( أمره الله ) )يرد قول من قال: أنه صلى إلى بيت المقدس بالاجتهاد، وأما حديث أبي العالية: (( أنه صلى إلى بيت المقدس ) )يتألف أهل الكتاب فليس منافيًا لكونه بتوقيف.
(وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ) بالبناء للمفعول؛ أي: أن يؤمر بالتوجه (إِلَى الْكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} ) أي: تردده في جهة السماء انتظارًا للوحي.
قال البيضاوي: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع في روعه ويتوقع من ربه أن يحول إلى الكعبة؛ لأنها قبلة أبيه إبراهيم، وأقدم القبلتين، وأدْعَى للعرب إلى الإيمان، ولمخالفة اليهود، وذلك يدل على كمال أدبه حيث انتظر ولم يسأل، وكان التحويل في صلاة الظهر في نصف شهر رجب بعد الزوال في السنة الثانية على الصحيح.
(فَتَوَجَّهَ) صلى الله عليه وسلم بعد نزول الآية (نَحْوَ الْكَعْبَةِ. وَقَالَ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ) جمع: سفيه، وهم الذين خفت أحلامهم واستمهنوها بالتقليد والإعراض (وَهُمُ الْيَهُودُ) أو رد الجملة في صورة الحصر في اليهود باعتبار أنهم الأكثر والأغلب، وإلا فقد قال البيضاوي: يريد المنكرين لتغيير القبلة من المنافقين واليهود والمشركين.
( {مَا وَلَّاهُمْ} ) أي: صرفهم ( {عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} ) يعني صخرة بيت المقدس والقبلة في الأصل الحال التي عليها الإنسان من الاستقبال فصارت عرفًا للمكان المتوجه إليه للصلاة ( {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} ) لا يتخصص به مكان دون مكان بخاصة ذاتية تمنع إقامة غيره مقامه، وإنما العبرة
ج 2 ص 176
بارتسام أمره لا بخصوص المكان، والله يحكم لا معقب لحكمه.
( {يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} ) وهو ما ترتضيه الحكمة وتقتضيه المصلحة من التوجه إلى بيت المقدس تارة وإلى الكعبة أخرى (فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ) بالإفراد للأكثر، وهو عباد بن بشر أو ابن نَهِيك بفتح النون وكسر الهاء، وللحموي والمستملي: بالجمع، والصلاة قيل: هي الظهر، وقيل: هي العصر.
(ثُمَّ خَرَجَ) أي: الرجل أو بعض القوم على رواية الجمع (بَعْدَمَا صَلَّى) ما إما موصول حرفي، وهو الظاهر؛ أي: بعد صلاته وإما موصول اسمي أو نكرة موصوفة والعائد محذوف؛ أي: بعد الذي صلاه أو بعد صلاة صلاها (فَمَرَّ) أي: الرجل أو الخارج (عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ فِي صَلاَةِ الْعَصْرِ، نَحْوَ) أي: جهة (بَيْتِ الْمَقْدِسِ) وللكشميهني: وفيه إفصاح بالمراد، وفي رواية الأكثر: (( يقدر مصليين أو متوجهين ) ).
قال في (( الفتح ) ): وفي تفسير ابن أبي حاتم من طريق نويلة بنت أسلم: (( صليت الظهر والعصر في مسجد بني حارثة فاستقبلنا مسجد إيلياء فصلينا سجدتين؛ أي: ركعتين، ثم جاءنا من يخبرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد استقبل البيت الحرام ) ).
واختلفت الروايات في الصلاة التي تحولت القبلة عندها، وكذا في المسجد، فظاهر حديث البراء هذا أنها الظهر.
وذكر محمد بن سعد في (( الطبقات ) )قال: يقال: إنه صلى ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، ثم أمر أن يوجه إلى المسجد الحرام، فاستدار إليه ودار معه المسلمون، ويقال: زار النبي صلى الله عليه وسلم أم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة، فصنعت له طعامًا، وحالت الظهر فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين، ثم أمر فاستدار إلى الكعبة، واستقبل الميزاب، فسمي مسجد القبلتين.
قال ابن سعد: قال الواقدي: هذا أثبت عندنا.
وأخرج ابن أبي داود بسند ضعيف عن عمارة بن رؤيبة قال: (( كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشي حين صرفت القبلة فدار ودرنا معه في ركعتين ) ).
وأخرج البزار من حديث أنس: (( انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيت المقدس وهو يصلي الظهر بوجهه إلى الكعبة ) ).
وللطبراني نحوه من وجه آخر عن أنس، وفي كل منهما ضعف. انتهى.
قال العيني: جاء في رواية أخرى عن ابن عمر في البخاري ومسلم والنسائي: (( صلاة الصبح ) ).
والتوفيق بين الروايات: أن هذا الخبر وصل إلى قوم كانوا يصلون في نفس المدينة صلاة العصر، ثم وصل إلى أهل قباء في صبح اليوم الثاني؛ لأنهم كانوا خارجين عن المدينة؛ لأن قباء من جملة سوادها، وفي حكم رساتيقها انتهى.
وقد ذكر البيضاوي: أنه كان في مسجد بني سلمة، وتعقبه الحافظ السيوطي على ما نقله عنه الخفاجي فقال هذا تحريف للحديث فإن قصة بني سالم لم يكن فيها النبي إمامًا ولا هو الذي تحول في الصلاة بل أنزلت عليه الآية فتلاها على المنبر، ثم نزل فصلى بالناس الظهر نحو الكعبة كما أخرجه النسائي عن أبي سعيد بن المعلى.
وروي عن أنس من طريق أبي داود ثم إنه مر رجل من بني سلمة والناس ركوع في الفجر نحو بيت المقدس فناداهم ألا إن الصلاة قد حولت إلى الكعبة فمالوا كما هم ركوعًا إلى الكعبة.
ثم روي عن ابن عمر من طريق الشيخين مثل ذلك أنه كان بقباء فلم يتحول النبي في صلاته والذين تحولوا كانوا في صلاة الفجر انتهى.
(فَقَالَ) أي: الرجل (هُوَ يَشْهَدُ)
ج 2 ص 177
قال العيني: أراد ب (( هو ) )نفسه، ولكنه عبر عنها بلفظ الغيبة على سبيل التجريد أو على طريقة الالتفات أو نقل كلامه بالمعنى ويؤيده الرواية المذكورة في باب الإيمان بلفظ أشهد.
(أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَنَّهُ) عليه الصلاة والسلام (تَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ) وسقط للأربعة لفظ: (( توجه ) ) (فَتَحَرَّفَ الْقَوْمُ) من باب التفعل.
(حَتَّى تَوَجَّهُوا نَحْوَ الْكَعْبَةِ) وفيه كما قال النووي جواز النسخ ووقوعه وأنه لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه وقبول خبر الواحد العدل وجواز الصلاة الواحدة إلى جهتين.
وقال الخطابي: فيه من الفقه أن ما مضى من صلاتهم نحو بيت المقدس قبل أن يعلموا بنسخها وبناء الباقي منها نحو الكعبة صحيح وهذا أصل في كل أمر مأذون فيه قد جرى العمل به ثم لحقه نسخ فإن الماضي منه صحيح إلى أن يعلم رفعه ونسخه وقد يستدل به في الوكالات وفيما يتصرف فيه الوكيل من أمر مأذون له فيه ثم يأتيه الخبر بعزله وقد باع واشترى فإنه ماض على الموكل وفيه حجة لمن أجاز تأخير البيان عن وقت مورده في الحالة الراهنة إلى الحالة الثانية. انتهى.