وبالسند قال:
401 - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ) بن أبي شيبة (قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) بن المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن يزيد النخعي (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيس النخعي (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود ولأبي ذر عن عبد الله لكن ضبب عليه في (( الفرع ) ) (صَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) الظهر أو العصر لكن سيأتي في الباب الآتي أنها الظهر بالجزم وكذا عينها الحاكم ووقع في الطبراني أنها العصر وما في الصحيح أحق بالترجيح.
(قَالَ إِبْرَاهِيمُ) النخعي (لاَ أَدْرِي زَادَ) أي: النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته ولابن عساكر أزاد بالهمزة (أَوْ نَقَصَ) من نقص المتعدي لا من نقص اللازم وهذا مدرج من منصور، قاله الكرماني.
والمراد أن إبراهيم شك في سبب سجود السهو الآتي قريبًا هل كان للزيادة أو النقص، لكن سيأتي عن إبراهيم في الباب الآتي أنه صلى الظهر خمسًا بالجزم ولعله شك لما حدث منصورًا وتيقن لما حدث الحاكم ويدل أنه للزيادة أنه لم يأتي بركعة إذ لو أتى بها لنقل.
(فَلَمَّا سَلَّمَ) صلى الله عليه وسلم (قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَدَثَ) بهمزة الاستفهام وفتح الحاء والدال المهملتين والمثلثة آخره، أو ما حدث بضم الدال فلا يستعمل إلا في قولهم أخذني ما قدم وما حدث للازدواج؛ أي: أعرض (فِي الصَّلاَةِ شَيْءٌ) من الوحي يوجب تغييرها بزيادة أو نقص وفيه دلالة على جواز النسخ عنده.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (وَمَا ذَاكَ) سؤال من لم يشعر بما وقع منه، وأفرد كاف الخطاب إما لأن المخاطب كان واحدًا وإما على لغة من يلزم اسم الإشارة الإفراد والتذكير مطلقًا وهو المتبادر لقوله: (قَالُوا: صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا) وهو كناية عما وقع زائدًا عن المعهود أو ناقصًا (فَثَنَى) عليه الصلاة والسلام بتخفيف النون؛ أي: عطف رجله بالإفراد وللأصيلي والكشمهيني (رِجْلَيْهِ) بالتثنية، والمراد أنه جلس كهيئة قعود المتشهد (وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ) وهذا موضع المطابقة للترجمة.
(وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) للسهو الذي حصل له (ثُمَّ سَلَّمَ) أي: للخروج من الصلاة؛ لأنه بسجوده للسهو عاد إليها.
قال في (( الفتح ) ): واستدل به على رجوع الإمام إلى قول المأمومين لكن يحتمل أن يكون تذكر عند ذلك أو أن سؤالهم أحدث عنده شكًا فسجد لوجود الشك الذي طرأ لا لمجرد قولهم. انتهى.
(فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ) الشريف (قَالَ: (( إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلاَةِ شَيْءٌ) ؛ أي: وحي يوجب تغييرًا (لَنَبَّأْتُكُمْ) بتشديد الموحدة؛ أي: لأخبرتكم (بِهِ) ؛ أي: بالحدوث أو بالحادث.
قال العيني وهذا من باب نبأ بتشديد الباء وهو مما ينصب ثلاث مفاعيل وكذلك أنبأ من باب أفعل والثلاثي نبأ والمصدر النبأ ومعناه الخبر تقول نبأ وأنبأ ونبأ؛ أي: أخبر ومنه أخذ النبي لأنه أنبأ عن الله تعالى واللام فيه لام الجواب وتفيد التأكيد أيضًا وزعم بعضهم أن اللام بعد لو جواب قسم مقدر.
فإن قلت: أين المفاعيل الثلاثة هاهنا؟.
قلت: الأول ضمير المخاطبين والثاني الجار والمجرور أعني لفظة به والضمير فيه يرجع إلى الحدوث الذي يدل عليه قوله لو حدث في الصلاة شيء كما في {اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة:8] والثالث محذوف. انتهى.
وأقول: فيه نظر لا يخفى لأن قوله والثاني الجار والمجرور غير صحيح لأن الثاني في باب أعلم وما ضمن معناها مبتدأ في الأصل بمنزلة الأول في باب علم فكيف يقع جارًا ومجرورًا.
قال في (( الكافية ) )وهذه الأفعال؛ أي: المتعدية إلى ثلاثة مفعولها الأول كمفعول باب أعطيت والثاني والثالث كمفعولي علمت. انتهى.
وليت شعري: ما الداعي هنا إلى جعلها متعدية إلى ثلاثة مع أنه خلاف الأصل، والأصل فيها أن تتعدى إلى اثنين الثاني منهما بحرف الجر كما هنا وكما في قوله تعالى: {أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ} [يوسف:45] .
قال الراوي: ولها ثلاث استعمالات أحدها تعديتها إلى اثنين:
أحدهما: بحرف الجر نبأت زيدًا عن حال عمر.
ثانيهما: إلى اثنين من أنبأك هذا.
ثالثها: إلى ثلاثة. انتهى.
وقد تبع القسطلاني العيني في ذلك وأصله للكرماني فإنه قال: فإن قلت أين مفعولاه الثاني والثالث؟.
قلت: محذوفان ومن خصائصهما أنهما لا يتفارقان حذفًا وإثباتًا. انتهى.
فجعلها متعدية لثلاثة، لكن لم يجعل به المفعول الثاني وإن كان في تقديرهما تكلفًا، فالوجه أنها من قبيل أنا أنبئكم بتأويله الذي هو الأصل فيها مع ظهوره وخلوه عن التكلف كما يعلم بالتأمل وقوله أنهما لا يتفارقان حذفًا وإثباتًا مبني على ما ذهب إليه ابن الحاجب، والصحيح الذي عليه الجمهور أن حذفهما وحذف أحدهما اختصارًا؛ أي: لدليل جائز.
قال في (( الأوضح ) ): ويجوز بالإجماع حذف المفعولين اختصارًا؛ أي: لدليل وأما حذفهما اقتصارًا؛ أي: لغير دليل فعن سيبويه والأخفش المنع مطلقًا وعن الأكثرين الإجازة مطلقًا وعن الأعلم يجوز في أفعال الظن دون أفعال العلم ويمتنع بالإجماع حذف أحدهما اقتصارًا، وأما اختصارًا فمنعه ابن ملكون وأجازه الجمهور انتهى.
ج 2 ص 179
(وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) الحصر بالنسبة لما يجوز عليه من الأعراض البشرية كالنسيان هنا في الفعل وكعدم الاطلاع على بواطن المخاطبين لا بالنسبة إلى كل شيء فإن للرسول صلى الله عليه وسلم أوصافًا أخر.
(أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ) : بفتح الهمزة وسكون النون وفتح السين مخففة.
وقال في (( التنقيح ) ): من قيده بضم أوله وتشديد ثالثه لم يناسب التشبيه المستفاد من كما تنسون.
وأقول: عدم المناسبة مسلم على ثبوت تَنْسون بفتح التاء وسكون النون فقط.
وأما على تقدير رواية تُنَسّون: بضم التاء وفتح النون وبتشديد السين فالمناسبة ظاهرة.
والنسيان في اللغة خلاف الذكر والحفظ، وفي الاصطلاح غفلة القلب عن الشيء ويجيء النسيان بمعنى الترك كما في قوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة:67] {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة:237] . قاله العيني.
وهو جائز على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولكن لا يقرون عليه، بل يعلمهم الله تعالى به.
وقال الأكثرون: شرطه في حقه صلى الله عليه وسلم تنبيهه على الفوت متصلًا بالحادثة وجوزت طائفة تأخيره مدة حياته والفرق بين السهو والنسيان أن النسيان كما نقله العيني، غفلة القلب عن الشيء والسهو غفلة الشيء عن القلب وعن هذا قال قوم: كان النبي صلى الله عليه وسلم يسهو ولا ينسى، فلذلك دفع عن نفسه النسيان في حديث ذي اليدين لقوله لم أنس لأن فيه غفلة ولم يغفل.
وقال القرطبي: لا نسلم الفرق ولئن سلم فقد أضاف صلى الله عليه وسلم النسيان إلى نفسه في غير ما موضع كقوله: (( إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني ) ). انتهى.
وقال بعضهم: السهو ذهاب الشيء من المخيلة مع بقائه في الحافظة فيتذكر بأدنى تذكر بخلاف النسيان فإنه ذهابه منهما معًا فلذا يجوز على الأنبياء السهو دون النسيان. انتهى.
(فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي) : ففي الصلاة بالتسبيح وفي غيرها بالإشارة أو التصريح وحذف مفعول نسيت للعموم (وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ) : قال العيني: والشك في اللغة خلاف اليقين، وفي الاصطلاح ما يستوي فيه طرف العلم والجهل وهو الوقوف بين الشيئين بحيث لا يميل إلى أحدهما فإذا قوي أحدهما وترجح على الآخر ولم يأخذ بما رجح ولم يطرح الآخر فهو الظن وإذا عقد القلب على أحدهما وترك الآخر فهو أكبر الظن وغالب الرأي فيكون الظن أحد طرفي الشك لصفة الرجحان. انتهى.
(فَلْيَتَحَرَّى الصَّوَابَ) : التحري القصد والاجتهاد في الطلب والعزم على تخصيص الشيء بالفعل والقول، وفي رواية لمسلم: (( فلينظر ) )أقرب ذلك إلى الصواب.
وفي رواية: (( فليتحر ) )أقرب ذلك إلى الصواب. وفي رواية: (( فليتحر ) )الذي يرى أنه صواب ويعلم من هذا أن التحري طلب أحد الأمرين وأولاهما بالصواب.
(فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ) : أي: بانيًا عليه فضمن فليتم معنى فليبن ولولا ذلك لما جاز استعماله بكلمة على والتحري عند أبي حنيفة البناء على غالب الظن وعند الشافعي الأخذ باليقين.
(ثُمَّ يُسَلِّمُ) : وجوبًا (ثُمَّ يَسْجُدْ) : للسهو (سَجْدَتَيْنِ) : وهو أي: سجود السهو واجب عند أبي حنيفة وسنة عند الشافعي وعبر بلفظ الخبر في هاذين الفعلين وبلفظ الأمر في السابقين، وهما: فليتحر وليتم لأنهما كانا ثابتين يومئذ بخلاف التحري والإتمام فإنهما ثبتا بهذا الأمر، ولأبي ذر: (( يسلم ) )بغير لام الأمر، وللأصيلي: (( وليسجد ) )بلام الأمر.
قال القسطلاني: وهو محمول على الندب وعليه الإجماع في المسألتين. انتهى.
وفي حكايته للإجماع نظر فإنه عند أبي حنيفة واجب واللام في ليسجد عنده للوجوب لا للندب.
وفي هذا الحديث دليل على أن السجود بعد السلام، وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وذهب الشافعية إلى أنه قبل السلام استدلالًا بالحديث المتقدم وهو قوله: فثنى رجليه واستقبل القبلة وسجد سجدتين ثم سلم.
وقال النووي: لا خلاف بين العلماء أنه لو سجد قبل السلام أو بعده لزيادة أو نقص أنه يجزئه، لكن الأفضل عند الحنفية بعده مطلقًا.
وقال الشافعية: الأفضل قبله مطلقًا. انتهى.
والصحيح عند الشافعية أنه لا يجزئ بعده وأما عند الحنفية فقد قال في البحر:
ج 2 ص 180
وهذا الخلاف في الأولوية حتى لو سجد قبل السلام لا يعيد. انتهى.
وعند الحنابلة إن شاء قبله وإن شاء بعده قالوا: إن كان لزيادة فبعد السلام والأفضلية، ومحله عند الحنفية في غير من عرض له السهو أول أمره وأما إذا كان أول سهو عرض له فيستأنف الصلاة من أولها.
وفي الحديث من الأحكام جواز النسخ ووقوعه ووجوب تبليغه صلى الله عليه وسلم إلى الأمة.
وفيه: أن كلام الناسي لا يبطل الصلاة.
قال أبو عمر: ذهب الشافعي وأصحابه إلى أن الكلام والسلام ساهيًا في الصلاة لا يبطلها كقول مالك وأصحابه سواء وإنما الخلاف بينهما أن مالكًا يقول: لا يفسد الصلاة تعمد الكلام فيها إذا كان في شأنها وإصلاحها وهو قول رواه أثرم عن أحمد، لكن عدم البطلان في الناسي ونحوه مقيد عند الشافعي بما لم يزد على ست كلمات عرفية.
وعند أبي حنيفة تفسد بالكلام مطلقًا وإن كان ناسيًا فإن تكلم بغير ذلك فسدت.
وذكر الخرقي أن مذهبه فيمن تكلم عامدًا أو ساهيًا بطلت صلاته إلا الإمام خاصة إذا تكلم لمصلحة صلاته.
ورواة الحديث الستة كلهم كوفيون أجلاء وإسناده من أصح الأسانيد.
وفيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين والعنعنة في ثلاثة مواضع والقول.
وأخرجه المؤلف في النذور ومسلم والنسائي وأبو داود وابن ماجة.