وبالسند قال:
428 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) : ابن مسرهد (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) : ابن أبي سعيد التيمي (عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) : بفتح المثناة الفوقية وتشديد التحتية فألف فحاء مهملة، هو: يزيد بن حميد الضبعي (عَنْ أَنَسٍ) : وللأصيلي زيادة: .
(قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ، فَنَزَلَ أَعْلَى) : وللأصيلي: (الْمَدِينَةِ) : قال العيني: وفي رواية أبي داود: (( فنزل في عُلو المدينة ) )بالضم، وهي العالية (فِي حَيٍّ) : بتشديد الياء؛ أي: قبيلة.
(يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ) : بفتح العين فيهما وبالفاء، في عوف (فَأَقَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِيهِمْ) : أي: في عمرو بن عوف؛ أي: عندهم أو معهم (أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً) : ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر في نسخة: ، وصوب صاحب (( الفتح ) )الأولى قال: وكذا رواه أبو داود عن مسدد شيخ المؤلف.
أقول: مقتضى ما ذكر هنا أن إقامته صلى الله عليه وسلم أربع عشرة ليلة أو أربعًا وعشرين في بني عمرو بن عوف كانت في المدينة، وينافيه ما ذكره في (( المواهب اللدنية ) ): (( أنه لما أقبل خرج إليه الأوس والخزرج سراعًا بسلاحهم فتلقوه فنزل بقباء على بني عمرو بن عوف ) ). الحديث رواه البخاري ثم قال فيها: (( وأقام صلى الله عليه وسلم بقباء في بني عمرو بن عوف اثنين وعشرين ليلة ) ).
وفي (( صحيح مسلم ) ): (( أقام فيهم أربع عشرة ليلة ) )فهذا صريح في أن بني عمرو بن عوف كانوا بقباء وأن النزول كان عليهم بها، ولم أر أحدًا من الشراح تعرض لدفع هذا التعارض حتى مؤلف (( المواهب ) )لم يتعرض في (( شرحه ) )لشرف ذلك فليحرر.
وفي العيني: قال الحاكم: تواترت الأخبار بورود النبي صلى الله عليه وسلم قباء يوم الاثنين لثمان خلون من ربيع الأول، وقال محمد بن موسى الخوارزمي: وكان ذلك اليوم يوم الخميس الرابع من تيرماه ومن شهور الروم
ج 2 ص 207
العاشر من أيلول سنة سبعمائة وثلاثة وثلاثين لذي القرنين.
وقال الخوارزمي: من حين ولد إلى أن أسري به إحدى وخمسون سنة وسبعة أشهر وثمانية وعشرون يومًا ومنه إلى اليوم الذي هاجر سنة وشهران ويوم فذلك ثلاثة وخمسون سنة وكان ذلك يوم الخميس.
(ثُمَّ أَرْسَلَ) صلى الله عليه وسلم وهو في بني عمرو بن عوف (إِلَى بَنِي النَّجَّارِ) : هم أخواله؛ لأن هاشمًا قد تزوج سلمى بنت عمر من بني النجار بالمدينة فولدت له عبد المطلب، والنجَّار _ بتشديد الجيم _ أبو قبيلة من الأنصار كبيرة منها بطون وعمائر وأفخاذ وفصائل واسمه تيم اللات.
(فَجَاؤُا مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ) : هكذا في رواية كريمة بإضافة متقلدي إلى السيوف وسقوط نون الجمع للإضافة، وفي رواية الأكثرين: بنصب السيوف وثبوت النون لعدم الإضافة.
وعلى كل حال فهو منصوب على الحال من الضمير في جاؤوا، وتقلد السيف جعل نجاده على المنكب، وإنما جاؤوا متقلدين إرهابًا للعدو وليروه ما أعدوه لنصرته.
(كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى رَاحِلَتِهِ) : الراحلة المركب من الإبل ذكرًا كان أو أنثى، وكانت راحلته ناقة تسمى القصوى، وفي بعض النسخ: بالواو، وفي بعضها بالفاء، والمعنى وكأني الآن؛ أي: كأن نظري الآن نظري إليه وهو على راحلته فهو من تشبيه الشيء بنفسه باعتبارين مختلفين، ويحتمل أن تكون كأن هنا للتحقيق كقوله:
~وأصبح وجه مكة مقشعرًا كأن الأرض ليس بها هشام
والجار والمجرور حال من النبي.
(وَأَبُو بَكْرٍ) : الصديق رضي الله عنه (رِدْفُهُ) : بكسر الراء وسكون الدال، والجملة في محل نصب على الحال من النبي أيضًا كالجملة الآتية.
قال في (( الفتح ) ): كأن النبي صلى الله عليه وسلم أردفه تشريفًا له، وتنويهًا بقدره وإلا فقد كان لأبي بكر ناقة هاجر عليها كما سيأتي بيانه في الهجرة انتهى. وفي إردافه له إشارة ما إلى أنه يليه في الخلافة.
(وَمَلأُ) : بفتحتين (بَنِي النَّجَّارِ) : أي: أشرافهم حوله إكرامًا له وأدبًا معه (حَتَّى أَلْقَى) : أي: رحله وأنزله (بِفِنَاءِ) : بكسر الفاء والمد، ويجمع على أفنية وهو ما امتد واتسع من جوانب الدار (أَبِي أَيُّوبَ) : أي: بفناء داره أمامها واسمه خالد بن زيد الأنصاري رضي الله عنه.
(وَكَانَ) : رسول الله (صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ، وَيُصَلِّي) : عطفًا على يحب أي: وكان يصلي (فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ) من غير كراهة لخبر أبي داود أنها بركة، والبيهقي أنها من دواب الجنة، ومرابض الغنم جمع مربض _ بالموحدة والضاد المعجمة _ مأواها.
(وَإَنَّهُ) : بكسر الهمزة على أن الجملة مستأنفة أو حالية (أَمَرَ) : بالبناء للفاعل، وفي بعض النسخ: بالبناء للمفعول؛ أي: أمره الله تعالى (بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ) : بكسر الجيم وقد تفتح.
وفي (( الصحاح ) ): المسجَد _ بفتح الجيم _ موضع السجود _ وبكسرها _ البيت الذي يصلى فيه ومن العرب من يفتح في كلا الوجهين والمراد به مسجده صلى الله عليه وسلم.
(فَأَرْسَلَ إِلَى مَلإٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ) : وللأربعة: بإسقاط من (فَقَالَ: يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي) : بمثلثة بعدها ألف، مفاعلة من الثمن؛ أي: ساوموني واذكروا لي ثمن حائطكم.
وقال العيني: هذه اللفظة من ثامنت الرجل في البيع أثامنه إذا قاولته في ثمنه وساومته على بيعه وشرائه. انتهى.
(بِحَائِطِكُمْ) : أي: ببستانكم (هَذَا) : لأبنيه مسجدًا (قَالُوا: لاَ وَاللَّهِ) : أي: لا نثامنك (لاَ نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلاَّ إِلَى اللَّهِ) : أي: من الله كما في رواية الإسماعيلي.
قال العيني: وقد جاء إلى في كلام العرب للابتداء كقوله:
~ فلا نزوي إلى ابن أحمرا
أي: مني، ويجوز أن تكون إلى هنا على معناها انتهاء الغاية، ويكون التقدير ننهي طلب الثمن إلى الله كما في قولهم: أحمد الله إليك؛ أي: أنهي حمده إليك، والمعنى: لا نطلب منك الثمن بل نتبرع به ونطلب جزاءه وهو ثواب الآخرة من الله، فإطلاق الثمن عليه على سبيل المشاكلة.
(فَقَالَ) : ولابن عساكر: بدون فاء (أَنَسٌ) : أي: ابن مالك (فَكَانَ فِيهِ) : أي: في الحائط (مَا أَقُولُ لَكُمْ) : أي: ما أذكر لكم.
وقوله: (قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ) : بدل أو عطف بيان أو خبر لمبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون منصوبًا بأعني (وَفِيهِ خَرِبٌ) : ضبطه لابن الجوزي: بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء بعدها موحدة، وكذا ضبط في (( سنن أبي داود ) )جمع خربة ككلمة وكلم أو اسم جمع، وروي: بكسر الخاء وفتح الراء جمع خربة كعنبة وعنب وهي رواية أبي ذر.
وفي العيني: قال الخطابي:
ج 2 ص 208
لعل صوابه خُرب _ بضم الخاء _ جمع خربة وهي الخروق في الأرض إلا أنهم يقولونها في ثقبة مستديرة في أرض أو جدار.
قال: ولعل الرواية جرف جمع الجرفة وهي جمع الجرف كما يقال: حرج وحرجه وترس وترسه، وأبين من ذلك أن ساعدته الرواية أن يكون حدبًا جمع حدبة وهو الذي يليق بقوله: فسويت وإنما يسوى المكان المحدوب أو موضع من الأرض فيه خروق وهدوم فأما الخرب فإنها تعمر ولا تسوى.
وقال عياض: هذا التكلف لا حاجة إليه، فإن الذي ثبت في الرواية صحيح المعنى كما أمر بقطع النخل لتسوية الأرض أمر بالخرب فرفعت رسومها وسويت مواضعها لتصير جميع الأرض مبسوطة مستوية للمصلين وكذلك فعل بالقبور.
وقال في (( المصابيح ) )مصوبًا لما في الرواية وزادا عليه: وليس بشيء؛ لأن كونها خربًا لا يمنع تسويتها لاحتمال أن يكون فيها بناء منهدم ونقض مجتمع يمنع من اصطحاب أجزاء الأرض واستوائها فسويت الأرض بإزالة ما كان في تلك الخرب، ولا مانع من هذا أصلًا ولا تدفع الرواية الصحيحة بما قاله. انتهى.
(وَفِيهِ) : أي: في الحائط (نَخْلٌ فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ) : وأخرجت عظامها فرمى بها أو غيبت (ثُمَّ بِالْخَرِبِ فَسُوِّيَتْ) : بكسح ما فيها من الأجزاء المرتفعة (وَبِالنَّخْلِ) : أي: وأمر بالنخل (فَقُطِعَ) : ويجوز فقطعت، وفي التنزيل: {أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ} [القمر:20] و {أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [الحاقة:7] .
(فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ) : أي: وضعوه في جهة القبلة للمسجد، وقيل: المعنى: جعلوا النخل الذي قطعه في جهة القبلة، وكان المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مبنيًا باللبن وسقفه الجريد وعمده خشب النخل، ولم يزد فيه أبو بكر شيئًا.
وورد أنه كان موضع المسجد الغرقد فأمر أن يقطع وكان في المربد قبور جاهلية فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنبشت وأمر بالعظام أن تغيب وجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع ومن الجانبين الآخرين كذلك فهو مربع، وجعلوا الأساس قريبًا من ثلاثة أذرع بالحجارة ثم بنوه باللبن وجعل النبي صلى الله عليه وسلم ينقل معهم اللبن والحجارة بنفسه ويقول:
~هذا الحمال لا حمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهر
وجعل قبلته إلى القدس، وجعل له ثلاثة أبواب، وجعل طول الجدار قامة وبسطة وعمده الجذوع وسقفه جريد النخل فقيل له: ألا تسقِفه فقال: عريش كعريش موسى خشيبات وثمام الأمر أعجل من ذلك، كذا في العيني.
(وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ الْحِجَارَةَ) : تثنية عِضادة بكسر العين، قال صاحب (( العين ) ): أعضاء كل شيء ما يشده من حواله وعضادتا الباب ما عليها يغلق الباب إذا صفق.
(وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ، وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ) : أي: ينشدون الرجز تنشيطًا لأنفسهم ليسهل عليهم العمل.
قال العيني: وقد اختلف العروضيون وأهل الأدب في الرجز هل هو شعر أم لا مع اتفاقهم أن الراجز لا يكون شاعرًا، وعليه يحمل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك؛ لأن الشعر حرام عليه بنص القرآن العظيم.
وقال القرطبي: الصحيح في الرجز أنه من الشعر وإن أخرجه من الشعر من أشكل عليه إنشاد النبي صلى الله عليه وسلم إياه فقال: لو كان شعرًا لما علمه قال: وهذا ليس بشيء؛ لأن من أنشد القليل من الشعر أو قاله أو تمثل به على وجه الندور لم يستحق أن يطلق عليه اسم شاعر ولا يقال فيه أنه يعلم الشعر ولا ينسب إليه.
وقال ابن التين: لا يطلق على الرجز شعر إنما هو كلام سجع بدليل أنه يقال لصانعه راجز ولا يقال له شاعر ويقال: أنشد رجزًا، ولا يقال أنشد شعرًا.
وقد اختلف هل يحل له صلى الله عليه وسلم الشعر، وعلى القول بنفي الجواز هل يحكي بيتًا واحدًا فقيل: لا ولا يتمه إلا متغيرًا وأبعد من قال: إن البيت الواحد ليس بشعر، ومما ذكر قول طرفة:
~ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا ويأتيك بالأخبار من لم تزود
قال: ويأتيك من لم تزود بالأخبار فقال أبو بكر: يا رسول الله لم يقل هكذا، وإنما قال: ويأتيك بالأخبار من لم تزود فقال: كلاهما سواء فقال: أشهد أنك لست بشاعر ولا تحسنه.
وقيل: معنى قوله: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ} [يس:69] (الشعر) أي: صنعته فأما أن يحفظ ما قال الناس فليس بممتنع عليه. انتهى.
(وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَرْتِجُزُ مَعَهُمْ) : جملة حالية (وَهُوَ) : عليه السلام (يَقُولُ) : جملة حالية أيضًا.
(اللَّهُمَّ لاَ خَيْرَ إِلاَّ خَيْرُ الآخِرَهْ فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ) : وهم الأوس والخزرج (وَالْمُهَاجِرَهْ) : أي: المهاجرين الذين هاجروا من مكة إلى المدينة طلبًا لرضى الله ورسوله، وللمستملي: على تضمين اغفر معنى استر
ج 2 ص 209
ورواه أبو داود: (( وانصر الأنصار ) ).
ولا يرد عليه قوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ} [يس:69] لما تقدم أن الممتنع عليه إنشاؤه لا إنشاده على أن الرجز عند الخليل ليس بشعر، ولاسيما وقد خرج عن بحر الرجز بلفظ: اللهم، وقيل: إنه أنشده بلفظ التاء في الآخرة والمهاجرة فخرج عن الوزن بالمرة.
وفي الحديث من الفوائد: جواز الإرداف.
وفيه: جواز الصلاة في مرابض الغنم.
وفيه: جواز التصرف بالمقبرة المملوكة بالهبة والبيع.
وفيه: جواز نبش قبور المشركين لأنهم لا حرمة لهم.
وفي العيني: فإن قلتم: هل يجوز نبش قبور الكفار في زماننا ليتخذ مكانها مساجد؟.
قلت: أجاز ذلك قوم محتجين بهذا الحديث وبما رواه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( هذا قبر أبي رغال ) )وهو أبو ثقيف وكان من ثمود وكان بالحرم يدفع عنه فلما خرج أصابته النقمة فدفن بهذا المكان وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب فابتدر الناس فنبشوه واستخرجوا الغصن.
قالوا: فإذا جاز نبشها لطلب المال فنبشها للانتفاع بمواضعها أولى، وليست حرمتهم موتى بأعظم منها وهم أحياء، وإلى جواز نبش قبورهم للمال ذهب الكوفيون والشافعي وأشهب بهذا الحديث.
فإن قلت: هل يجوز أن تبنى المساجد على قبور المسلمين؟.
قلت: قال ابن القاسم: لو أن مقبرة من مقابر المسلمين عفت فبنى قوم عليها مسجدًا لم أر بذلك بأسًا، وذلك لأن المقابر وقف من أوقاف المسلمين لدفن موتاهم لا تجوز لأحد أن يتملكها فإذا درست واستغنى عن الدفن فيها جاز صرفها إلى المسجد؛ لأن المسجد أيضًا وقف من أوقاف المسلمين لا يجوز تملكه لأحد فمعناهما على هذا واحد.
وذكر أصحابنا أن المجد إذا خرب ودثر ولم يبق حوله جماعة والمقبرة إذا عفت ودثرت تعود ملكًا لأربابها، فإذا عادت ملكًا يجوز أن يبنى موضع المسجد دارًا وموضع المقبرة مسجدًا وغير ذلك، فإذا لم يكن لها أرباب تكون لبيت المال. انتهى.
أقول: ويؤيد ما ذكره أنه صرح في كتب الحنفية أنه إذا ضاق المسجد بالناس وكان الطريق الذي يليه واسعًا يجوز الأخذ من الطريق لتوسعة المسجد، ولو اتسع المسجد بالناس وكان الطريق ضيقًا فبالعكس؛ لأن الحق في المكانين لهم.
وفي الحديث أيضًا: جواز قطع الأشجار المثمرة للضرورة والمصلحة إما للاحتياج إلى خشبها، أو ليغرس موضعها أنفع منها، أو لخوف سقوطها على شيء، أو لاتخاذ موضعها مسجدًا، كذا في العيني.
فائدة: قال العيني: ذكر محمد بن إسحاق في كتاب: (( المبتدأ وقصص الأنبياء عليهم السلام ) )أن تبعًا وهو ابن حسان لما قدم مكة شرفها الله تعالى قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم بألف عام وخرج منها إلى يثرب، وكان معه أربعمائة رجل من الحكماء فاجتمعوا وتعاقدوا على أن لا يخرجوا منها فسألهم تبع عن سر ذلك فقالوا: إنا نجد في كتبنا أن نبيًا اسمه محمد هذه دار مهاجره فنحن نقيم بها لعل أن نلقاه.
فأراد تبع الإقامة معهم، ثم بنى لكل واحد منهم دارًا واشترى له جارية وزوجها منه وأعطاهم مالًا جزيلًا وكتب كتابًا فيها إسلامه وقوله:
~شهدت على أحمد أنه رسول من الله بارئ النسم
في أبيات وختمه بالذهب ودفعه إلى كبيرهم وسأله أن يدفعه إلى محمد صلى الله عليه وسلم إن أدركه، وإلا من أدركه من ولده وبنى للنبي صلى الله عليه وسلم دارًا ينزلها إذا قدم المدينة فتداول الدار الملاك إلى أن صارت إلى أبي أيوب رضي الله عنه وهو من ولد ذلك العالم الذي دفع إليه الكتاب قال: وأهل المدينة من أولاد أولئك العلماء الأربعمائة.
ويزعم بعضهم أنهم كانوا الأوس والخزرج، ولما خرج النبي صلى الله عليه وسلم أرسلوا إليه كتاب تبع مع رجل يسمى أبا ليلى فلما رآه صلى الله عليه وسلم قال له: (( أنت أبو ليلى ومعك كتاب تبع ) )فبقي أبو ليلى متفكرًا ولم يعرف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من أنت فإني لم أر في وجهك أثر السجود توهم أنه ساحر فقال: (( أنا محمد هات الكتاب فلما قرأه قال: مرحبًا بتبع الأخ الصالح ثلاث مرات ) ).
وفي (( سير ابن إسحاق ) )اسمه تبان أسعد أبو كرب وهو الذي كسا البيت الحرام.
وفي (( مغايص الجوهر في أنساب حمير ) )كان يدين بالزبور، وفي (( معجم الطبراني ) ): (( لا تسبوا تبعًا ) ).
وقال الثعلبي بإسناده إلى سهل بن سعد أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( لا تسبوا تبعًا فإنه كان قد أسلم ) )وأخرجه أحمد في (( مسنده ) ).
وتُبَّع _ بضم التاء المثناة من فوق وفتح الباء المشددة وفي آخره عين مهملة _ لقب
ج 2 ص 210
لكل من ملك اليمن ككسرى لقب لكل من ملك الفرس وقيصر لكل من ملك الروم.
وقال عكرمة: إنما سمي تبعًا لكثرة أتباعه، وكان يعبد النار فأسلم قال: وهذا تبع الأوسط وأقام ملكًا ثلاثًا وثلاثين سنة، وقيل: ثمانين سنة.
وذكر ابن عساكر في كتابه: أن تبعًا هذا لما قدم مكة وكسى الكعبة وخرج إلى يثرب كان في مائة ألف وثلاثين ألفًا من الفرسان ومائة ألف وثلاثة عشر ألفًا من الرجالة، وذكر أيضًا أن تبعًا لما خرج من يثرب مات في بلاد الهند.
وذكر السهيلي: أن دار أبي أيوب هذه صارت بعده إلى أفلح مولى أبي أيوب فاشتراها منه بعد ما خربت المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بألف دينار بعد حيلة احتالها عليه فأصلحها المغيرة وتصدق بها على أهل بيت فقراء بالمدينة. انتهى.