وبالسند قال:
478 -479 - (حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ) : البكرواي نسبة إلى أبي بكرة الثقفي؛ لأنه من ذريته نزيل نيسابور وقاضي كرمان، وروى عنه مسلم أيضًا مات بنيسابور سنة ثلاث وثلاثين ومائتين.
(عَنْ بِشْرٍ) : بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة، ابن المفضل الرقاشي الحجة، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا ويصلي كل يوم أربعمائة ركعة، توفي سنة تسع وثمانين ومائة.
قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمٌ) : بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العمري المدني قال: (حَدَّثَنَا) : أخي (وَاقِدٌ) : بالقاف، بن محمد.
(عَنْ أَبِيهِ) : محمد بن زيد (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) : بن الخطاب (أَوِ ابْنِ عَمْرٍو) : بن العاص والشك من واقد وهو غير مؤثر؛ لأن كلًا منهما صحابي.
(قال: شَبَّكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَصَابِعَهُ) : ولابن عساكر: (( شبك أصابعه ) )والأصابع جمع أصبع، وفيها عشر لغات: كسر الهمزة وفتحها وضمها، وكذلك الباء وعلى كل من حركة الهمزة يأتي في الباء ثلاث حركات فهذه تسعة والعاشرة أصبوع وأفصحهن: كسر الهمزة مع فتح الباء.
والحديث دال على جواز التشبيك مطلقًا في المسجد وغيره وحديث أبي هريرة دل على جوازه في المسجد وإذا جاز في المسجد ففي غيره أولى.
وقال في (( الفتح ) ): فيه حديث أبي موسى وهو دال على جوازه في المسجد وإذا جاز في المسجد فهو في غيره أجوز. انتهى.
وفيه نظر إذ ليس في حديث أبي موسى ذكر للمسجد أصلًا بل هو في حديث أبي هريرة.
وقال العيني: فيه جواز تشبيك الأصابع سواء كان في المسجد أو غيره لإطلاق الحديث، ولكن العلماء اختلفوا في تشبيك الأصابع في المسجد وفي الصلاة وكره إبراهيم ذلك في الصلاة وهو قول مالك.
ورخص في ذلك ابن عمر وابنه سالم فكانا يشبكان بين أصابعهما في الصلاة ذكرهما ابن أبي شيبة، وكان الحسن البصري يشبك بين أصابعه في المسجد.
وقال مالك: إنهم لينكرون تشبيك الأصابع في المسجد وما به بأس وإنما يكره في الصلاة.
وقد ورد النهي عن ذلك في أحاديث منها ما أخرجه ابن حبان في (( صحيحه ) )فقال: (( نا أبو عروبة، نا محمد بن سعدان، نا سليمان بن عبد الله، عن عبيد بن عمر، عن زيد بن أبي شيبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له:
ج 2 ص 272
يا كعب إذا توضأت فأحسنت الوضوء ثم خرجت إلى المسجد فلا تشبك بين أصابعك فإنك في صلاة )) .
ثم أورد حديثين آخرين دالين على النهي عن التشبيك في المسجد.
ثم قال: فإن قلت: هذه الأحاديث معارضة لحديث الباب قلت: غير مقاومة لها في الصحة ولا مساوية.
وقال ابن بطال: وجه إدخال هذه الترجمة في الفقه بما روي في النهي عن التشبيك في المسجد، وقد وردت فيه مراسيل ومسند من طريق غير ثابتة.
قلت: كأنه أراد بالمسند حديث كعب بن عجرة الذي ذكرناه فإن قلت: حديث كعب هذا رواه أبو داود وصححه ابن حبان وابن خزيمة قلت: في إسناده اختلاف فضعفه بعضهم بسببه.
وقيل: ليس بين هذه الأحاديث معارضة؛ لأن النهي إنما ورد عن فعل ذلك في الصلاة أو في المضي إلى الصلاة وفعله صلى الله عليه وسلم ليس في صلاة ولا في المضي إليها، فلا معارضة إذًا، وبقي كل حديث على حياله.
فإن قلت: في حديث أبي هريرة الذي في الباب وقع تشبيكه صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة قلت: إنما وقع بعد انقضاء الصلاة في ظنه فهو في حكم المنصرف من الصلاة، والرواية التي فيها النهي عن ذلك ما دام في المسجد ضعيفة؛ لأن فيها ضعيفًا ومجهولًا.
وقد رواها ابن أبي شيبة ولفظه: (( إذا صلى أحدكم فلا يشبكن بين أصابعه فإن التشبيك من الشيطان، وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما دام في المسجد حتى يخرج منه ) ).
وقال ابن المنير: التحقيق أنه ليس بين هذه الأحاديث تعارض إذ المنهي عنه فعله على سبيل العبث والولع، والذي في الحديث إنما هو لقصد التمثيل وتصوير المعقول بصورة المحسوس ونحو ذلك من المقاصد الصحيحة. انتهى.
قال في (( الفتح ) ): واختلف في حكمة النهي عن التشبيك فقيل: لكونه من الشيطان كما تقدم في رواية ابن أبي شيبة وقيل: إن التشبيك يجلب النوم وهو من مظان الحدث، وقيل: لأن صورة التشبيك تشبه صورة الاختلاف كما نبه عليه في حديث ابن عمر فكره ذلك لمن هو في حكم الصلاة حتى لا يقع في المنهي عنه وهو قوله صلى الله عليه وسلم للمصلين: (( ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ) ).
480 -قال البخاري: (وقَالَ عَاصِمُ بنُ عَلِيٍّ) : بن عاصم بن صهيب الواسطي شيخ المؤلف.
وفي (( تذهيب التهذيب ) ): كان من ثقات الشيوخ وأعيانهم توفي منتصف رجب سنة إحدى وعشرين ومائتين.
وهذا تعليق من البخاري وصله إبراهيم الحربي في (( غريب الحديث ) )له.
(حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَدٍ) : بن زيد العمري (قال: سَمِعْتُ هَذَا الحَديْثِ مِن أَبِي) : محمد بن زيد (فَلَمْ أَحْفَظَهُ، فَقَوَّمَهُ لي) : أي: حفظني إياه على ما هو عليه أخي (وَاقِدٌ، عَن أَبيهِ) : محمد بن زيد.
(قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي وَهُوَ يَقُولُ: قَالَ عبد الله) : بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو) : بفتح العين (كَيْفَ بِكَ) : هذا نظير قوله: (( كيف بك إذا خرجت من خيبر ) )قاله المصطفى لابن أبي الحقيق.
وقد ذكر الطيبي عن المظهري: أن يجوز أن يقدر كيف نراك والباء زائدة في المفعول ويجوز أن يقدر كيف تصنع، وقوله: (( بك ) )حال من فاعل (( بقيت ) ).
وأقول: لا يتعين ذلك بل يجوز كما في (( المغني ) )من حرف الباء أن يكون الأصل: كيف أنت فكيف خبر مقدم وأنت مبتدأ مؤخر ثم لما زيدت الباء في المبتدأ انقلب الضمير المرفوع المنفصل متصلًا في محل جر.
ويجوز أن يكون الأصل: كيف بحالك ثم حذف المبتدأ المجرور بالباء الزائدة، فاتصلت الباء بعد حذفه بالمضاف إليه الذي هو الكاف.
وقال بعضهم: كيف يسأل بها عن الحال و (( بك ) )جار ومجرور متعلق بمحذوف خاص دلت عليه (( كيف ) )، والتقدير: كيف الحال الحاصل بك أو المتعلق بك وقت كذا وكذا.
وهذا التركيب في قوة جملة اسمية والمعنى: ما جواب السؤال عن حالتك المذكورة. انتهى.
(إِذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ) : بضم الحاء المهملة (بِهَذَا) : أي: بما سبق من تشبيك أصابعه الشريفة يعني قال: كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس وشبك بين أصابعه.
والحُثالة: بضم الحاء المهملة وتخفيف الثاء المثلثة، قال ابن سيده: هي ما يخرج من زوان ونحوه مما لا خير فيه.
وقال اللحياني: هو أجل من التراب والدقاق قليلًا وخصه بالحنطة والحثالة والحثل الرديء من كل شيء.
وقيل: هي القشارة من التمر والشعير وما أشبههما.
وزاد الحميدي في (( الجمع بين الصحيحين ) )نقلًا عن ابن مسعود وقد مرجت عهودهم وأمانتهم واختلفوا فصاروا هكذا وشبك بين أصابعه وإنما شبك عليه الصلاة والسلام بين أصابعه ليبين لهم هيأة اختلاطهم من باب تصوير المعقول بالمحسوس.