فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 1465

41 -وبالسند إلى المؤلف رحمه الله تعالى:

(قَالَ مَالِكٌ) وللأصيلي: ، ولابن عساكر في نسخة: ، يعني: ابن أنس إمام دار الهجرة.

قال في (( الفتح ) ): هكذا ذكره المؤلف معلقًا، ولم يصله في موضع آخر من هذا الكتاب، وقد وصله أبو ذر الهروي في روايته للصحيح فقال عقبه: أخبرناه النضروي هو العباس بن الفضل: حدثنا الحسين بن إدريس: حدثنا هشام بن خالد: حدثنا الوليد بن مسلم، عن ملك به.

وصله الحسن بن سفيان من طريق عبد الله بن وهب، والبيهقي في (( الشعب ) )من طريق إسماعيل بن أبي أويس كلهم عن مالك، وأخرجه الدارقطني من طريق أخرى عن مالك، وذكر أن معنًا بن عيسى رواه عن ملك فقال: عن أبي هريرة بدل أبي سعيد، وروايته شاذة.

ورواه سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء مرسلًا، رويناه في (( الخلعيات ) )وقد حفظ مالك الوصل فيه وهو أتقن لحديث أهل المدينة

ج 1 ص 306

من غيره.

وقال الخطيب: هو حديث ثابت، وذكر البزار: أن مالكًا تفرد بوصله. انتهى.

وقال الكرماني: هذا تعليق منه بلفظ جازم فهو صحيح ولا قدح فيه.

وقال ابن حزم الظاهري: أنه قادح في الصحة؛ لأنه منقطع وليس كما قال؛ لأنه موصول من جهات أخر صحيحة ولم تذكر لشهرتها وكيف وقد عرف من شرط البخاري وعادته أنه لا يجزم به إلا بثبت وثبوت.

فإن قلت: هل يصدق عليه اسم المنقطع باصطلاح المحدثين؟.

قلت: نعم؛ لأن المنقطع ما لم يتصل إسناده على أي وجه كان لكنه منقطع حكمه حكم المتصل في كونه صحيحًا لما علم من عادة البخاري وشرط الكتاب. انتهى.

وقال في (( المصابيح ) ): أخرجه هنا معلقًا فإن بينه وبين مالك واسطة؛ لأنه لم يسمع منه وعبر عن ذلك بصيغة لا تقتضي التصريح بالسماع لكنها تقتضي حكمه بالصحة إلى من علقه عنه فإن قال من صيغ الجزم، ويقع في بعض النسخ: وصل ذلك من قبل أبي ذر الهروي.

وقد صنف الحافظ العلامة شهاب الدين ابن حجر كتابًا وصل فيه معلقات البخاري، وسماه (( تعليق التعليق ) ): ملكته في سفرين وهو كتاب حافل لم يسبق إليه. انتهى.

(أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) أبو أسامة القرشي المكي مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه (أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ) بفتح المثناة التحتية والسين المهملة أبا محمد المدني مولى أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها (أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالك (الْخُدْرِيَّ) بالدال المهملة رضي الله عنه (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ) لم يقل: قال المطابق لسمع مع أن القضية ماضية قصدًا لاستحضار صورة القول كأنه واقع الآن.

(إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ) أو الأمة؛ لأن هذا الحكم يشترك فيه الرجال والنساء، فغلب فيه المذكر على المؤنث (فَحَسُنَ إِسْلاَمُهُ) أي: صار إسلامه حسنًا باعتقاده وإخلاصه، ودخوله فيه بالباطن، والظاهر: وأن يستحضر عند عمله قرب ربه منه واطلاعه عليه كما دل عليه تفسير الإحسان في حديث سؤال جبريل عليه السلام (يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْهُ) من التكفير وهو التغطية، وهو في المعاصي كالإحباط في الطاعات.

وقال الزمخشري: التكفير إماطة المستحق من العقاب بثواب زائد أو بتوبة.

(كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا) بتخفيف اللام المفتوحة؛ أي: قربها، وبه قرئ على الحافظ المنذري وغيره، ولأبي الوقت: بتشديدها وعزاه في (( التنقيح ) )للأصيلي، ولأبي ذر مما ليس في اليونينية: (( أزلفها ) )بزيادة همزة مفتوحة وهما بمعنى كما قاله الخطابي وغيره؛ أي: أسلفها وقدمها، وفي فرع اليونينية كهي: (( أسلفها ) )بالهمز والسين لأبي ذر، والرواية في يكفرُ بالرفع وهو الوجه الوجيه عربية؛ لأن إذا لا تجزم إلا في الشعر على الصحيح.

ومن جوز الجزم بها مطلقًا يحرك راء يُكَفِّر بالكسر لالتقاء الساكنين، لكنه نادر في غير الشعر، فلا يقاس عليه؛ لأنها وإن تضمنت معنى أن الشرطية غالبًا، لكنها خالفتها حيث كانت للمحقق، والمرجح وإن وضعها للمشكوك المستوي الطرفين فلم يكمل فيها معنى الشرطية، فلذا لم تجزم وعلى ذلك بني اللغز المشهور فيها وفي أن وهو:

~سلم على شيخ النحاة وقل له عندي سؤال من يجبه يعظم

~أنا إن شككت وجدتموني جازمًا وإذا جزمت فإنني لم أجزم

وقد تجارف العيني على صاحب (( الفتح ) )في قوله: أنها لا تجزم بقوله: هذا كلام من لم يشم من العربية شيئًا، وأنشد قول الشاعر:

~استغن ما أغناك ربك بالغنى وإذا تصبك خصاصة فتحمل

وأنت خبير بأن هذا الشاهد لا يثبت مدعاه من جواز الجزم بها في السعة كما لا يخفى.

قال ابن هشام في (( مغني اللبيب ) ): ولا تعمل إذا الجزم إلا في الضرورة كقوله: استغن البيت، وأتي بالجزاء مضارعًا مع أن الشرط بلفظ الماضي؛ لأنه بمعنى المستقبل؛ لأن أدوات الشرط تخص الماضي للاستقبال، ورواه البزار بلفظ الماضي فيهما.

(وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ) أي: وكان بعد حسن الإسلام المجازاة في الآخرة إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، والقصاص اسم كان إن كانت ناقصة، وخبرها الظرف مقدمًا على الاسم، وفاعل لها إن كانت تامة [1] ، وعبر بالماضي؛ لتحقق الوقوع مثل قوله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [الأعراف:44] .

(الْحَسَنَةُ) مبتدأ خبره (بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) فهو ظرف مستقر في محل الرفع، متعلقه عام محذوف وجوبًا، ويجوز أن يتعلق بخاص دلت عليه القرينة؛ أي: مكتوبة أو تكتب بعشر أمثالها، وهذا لا ينافي كونه مستقرًا، كقولك: زيد على الفرس، فإنه بحسب ما تقتضيه القاعدة مقدر بكائن، وبحسب القرينة مقدر براكب، وكقوله تعالى: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} [البقرة:178] ، فإنه يقدر بحسب القرينة مقتول، ولا يخرج بذلك عن كونه مستقرًا كما صرح به الدماميني، وإنما قيل عشر أمثالها.

ومقتضى

ج 1 ص 307

قاعدة العدد الإتيان بالتاء؛ لأن الأمثال جمع مثل وهو مذكر؛ لأنه على حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه تقديره بعشر حسنات أمثالها.

قال الشيخ علم الدين السخاوي في إعراب قوله تعالى: {فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام:160] بعد أن ذكر حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه: ونظيره: ما حكاه سيبويه عندي عشرة نسابات؛ أي: عشرة رجال نسابات.

وقال أبو علي: حسن التأنيث في عشر أمثالها، والمثل مذكر لأمرين:

أحدهما: أن الأمثال في المعنى حسنات كما أن الشخص في قوله: ثلاث شخوص نساء.

والثاني: أن الضمير المضاف إليه مؤنث، وإن كان مذكرًا إذا كان إياه في المعنى لقولهم: ذهبت بعض أصابعه، ولقول من قرأ: {يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ} [يوسف:10] . انتهى كلامه على بركة فيه لعلها من تحريف النساخ.

وملخص الأمر الثاني: أن المضاف اكتسب من المضاف إليه التأنيث، وفيه نظر؛ لأن شرط اكتساب المضاف من المضاف إليه التأنيث صحة حذفه مع بقاء المعنى كما في المثالين المذكورين وهذا مفقود هنا، فليتأمل.

وهذا الجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًا كأنه قيل: ما ذلك القصاص؟ فأجيب بقوله: الحسنة بعشر أمثالها وما عطف عليها:

(إِلَى سَبْعِمِئَةِ ضِعْفٍ) هذا الجار والمجرور في محل نصب على الحال من الضمير المستقر في الخبر؛ أي: كائنة إلى سبعمئة ضعف، وبحسب القرينة منتهية إلى سبعمئة ضعف كما تقدم، والضعف: المثل وزنًا ومعنى، فضعف الشيء مثله، وضعفاه: مثلاه، وأضعافه: أمثاله.

وذكر الخليل: أن التضعيف أن يزاد على أصل الشيء، فيجعل مثلين أو أكثر، وكذلك الأضعاف والمضاعفة، قاله الجوهري.

وفي الكرماني: فإن قلت: فلم أوجب الفقيه فيما لو أوصى بضعف نصيبه أنه مثلي نصيبه وبضعفي نصيبه ثلاثة أمثاله.

قلت: المعتبر في الوصايا والأقارير العرف العامي لا الموضوع اللغوي، وقد يجاب أيضًا: بأنه اسم يقع على العدد بشرط أن يكون معه عدد آخر أو أكثر.

فإذا قيل: ضعف العشرة لزم أن يجعلها عشرين بلا خلاف؛ لأنه أول مراتب تضعيفها، ولو قيل: له عندي ضعف درهم لزمه درهمان ضرورة الشرط المذكور، كما إذا قيل: هو أخو زيد اقتضى أن يكون زيد أخاه، وإذا لزم المزاوجة دخل في الإقرار.

وعلى هذا له ضعفا درهم ينزل على ثلاثة أمثاله، وذلك ليس بناء على ما يتوهم أن ضعف الشيء موضوعه مثلاه، وضعفيه ثلاثة أمثاله، بل ذلك أن موضوعه المثل بالشرط المذكور، ومن البين فيه أنهم ألزموا في ضعفي الشيء ثلاثة أمثاله، ولو كان موضوع الضعف المثلين؛ لكان الضعفان أربعة أمثال. انتهى.

ثم إن بعض العلماء كما حكى الماوردي أخذ بظاهر هذه الغاية، فزعم أن التضعيف لا يتجاوز سبعمئة، ورد عليه بعضهم بقوله تعالى: {وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء} [البقرة:261] .

لكن قال في (( الفتح ) ): إن الآية محتملة للأمرين، فيحتمل أن يكون المراد أنه يضاعف تلك المضاعفة بأن يجعلها سبعمئة، ويحتمل أن يضاعف السبعمئة بأن يزيد عليها، والمصرح بالرد عليه حديث ابن عباس رضي الله عنهما المخرج عند المصنف في الرقاق بلفظ: (( كتب الله له عشر حسنات إلى سبعمئة ضعف إلى أضعاف كثيرة ) ).

ورواه مسلم في الرقاق بهذه الزيادة أيضًا.

وقال ابن الملقن في كتاب (( العلم ) )لأبي بكر النبيل بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (( إن الله يعطي بالحسنة ألفي ألف حسنة ) ).

وأورد الكرماني أن آية: {وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء} [البقرة:261] تدل على عدم انتهاء الثواب، وحديث الباب يدل على الانتهاء؛ أي: السبعمئة.

وأجاب: باحتمال أن المراد بالمضاعفة في الآية إلى سبعمئة، وإن قلنا: أن معناه: أنه يضاعف السبعمئة بأن يزيد عليها فذلك في مشيئة الله تعالى، وأما المتحقق فهو السبعمئة فقط. انتهى.

(وَالسَّيِّئَةُ) صغيرة أو كبيرة (بِمِثْلِهَا) من غير زيادة فضلًا من الله تعالى حيث لم يضاعفها كالحسنة، والباء للمقابلة كما هي في قوله: (( الحسنة بعشر أمثالها ) )فهذا الحديث على حد قوله تعالى: {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا} [الأنعام:160] (إِلاَّ أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا) أي: عن السيئة بأن يعفو عنها، ولا يجازي عليها بمثلها زاد سمويه في (( فوائده ) )إلا أن يعفو الله وهو الغفور.

قال في (( الفتح ) ): وفيه رد على الخوارج وغيرهم من المكفرين بالذنوب، والموجبين لخلود المذنبين في النار، فأول الحديث يرد على من أنكر الزيادة والنقص في الإيمان؛ لأن الحسن تتفاوت درجاته، وآخره يرد على الخوارج والمعتزلة. انتهى.

وتعقبه العيني

ج 1 ص 308

فقال: هذا كلام ساقط؛ لأن الحسنى من أوصاف الإيمان، ولا يلزم من قابلية الوصف الزيادة والنقصان قابلية الذات إياهما؛ لأن الذات من حيث هو هو لا يقيد ذلك كما عرف في موضعه. انتهى.

وأقول: يمكن الجواب عنه بما ذكره في (( المصابيح ) )عن ابن المنير بقوله: ووجه مطابقة الحديث للترجمة أنه لما أثبت للإسلام صفة الحسن، وهي زائدة عليه دل على اختلاف أحواله، وإنما تختلف أحواله بالنسبة إلى الأعمال، إذ هي القابلة للزيادة والنقص، أما التصديق فلا يقبله على ما مر هذا معنى كلام ابن المنير. انتهى.

وأقول: في كون الحسن صفة زائدة على الإيمان توقف، إذ لا يثبت إيمان بدون حسن؛ لأن الزائد على الشيء يفهم منه ثبوت الشيء بدونه.

اللهم: إلا أن يقال: أنها زائدة بحسب المفهوم، وعين الموصوف بحسب التحقق، فليتأمل.

تنبيه ثبت في حديث مالك هذا مما أسقطه البخاري: (( إن الكافر إذا حسن إسلامه يكتب له في الإسلام كل حسنة عملها في الشرك ) ).

ونظير هذا الذي أسقطه البخاري ما جاء في حديث حكيم بن حزام: (( أسلمت على ما أسلفت من خير ) ). أخرجه البخاري في الزكاة، وفي العتق، ومسلم في الإيمان.

قال العيني: فإن قلت: لم أسقط البخاري هذه الزيادة؟.

قلت: قيل: أنه أسقطه عمدًا، وقيل: لأنه مشكل على القواعد.

فقال المازري ثم القاضي وغيرهما: أن الجاري على القواعد والأصول أنه لا يصح من الكافر التقرب، فلا يثاب على طاعته في شركه؛ لأن من شرط التقرب أن يكون عارفًا بمن تقرب إليه، والكافر ليس كذلك.

وأولوا حديث حكيم بن حزام من وجوه:

الأول: أن معنى قوله عليه السلام: (( أسلمت على ما أسلفت من خير ) )أنك اكتسبت طباعًا جميلة تنتفع بتلك الطباع في الإسلام بأن يكون لك معونة على فعل الطاعات.

والثاني: اكتسبت ثناء جميلًا بقي لك في الإسلام.

والثالث: لا يبعد أن يزاد في حسناته التي يفعلها في الإسلام، ويكثر أجره لما تقدم له من الأفعال الجميلة، وقد جاء أن الكافر إذا كان يفعل خيرًا، فإنه يخفف عنه به، فلا يبعد أن يزاد في أجوره.

والرابع: زاده القاضي وهو أنه: ببركة ما سبق لك من الخير هداك الله للإسلام؛ أي: سبق لك من الخير عند الله ما حملك على فعله في جاهليتك وعلى خاتمة الإسلام.

وتعقبهم النووي في (( شرحه ) )فقال: هذا الذي ذكروه ضعيف، بل الصواب الذي عليه المحققون، وقد ادعى فيه الإجماع: على أن الكافر إذا فعل أفعالًا جميلة على جهة التقرب إلى الله تعالى كصدقة وصلة رحم وإعتاق ونحوها من الخصال الجميلة، ثم أسلم يكتب له كل ذلك، ويثاب عليه إذا مات على الإسلام، ودليله: حديث أبي سعيد الخدري الذي يأتي الآن، وحديث حكيم بن حزام ظاهر فيه وهذا أمر لا يحيله العقل، وقد ورد الشرع به فوجب قبوله.

وأما دعوى كونه مخالفًا للأصول؛ فغير مقبولة، وأما قول الفقهاء لا تصح عبادة من كافر، ولو أسلم لا يعتد بها؛ فمرادهم لا يعتد بها في أحكام الدنيا، وليس فيه تعرض لثواب الآخرة، فإن أقدم قائل على التصريح بأنه إذا أسلم لا يثاب عليها في الآخرة فهو مجازف، فيرد قوله بهذه السنة الصحيحة، وقد يعتد ببعض أفعال الكافر في الدنيا.

فقد قال الفقهاء: إذا لزمه كفارة ظهار وغيرها، فكفر في حال كفره أجزأه ذلك، وإذا أسلم لا يلزمه إعادتها، واختلفوا فيما لو أجنب واغتسل في كفره، ثم أسلم هل يلزمه إعادة الغسل، والأصح اللزوم، وبالغ بعض أصحابنا فقال: يصح من كل كافر طهارة غسلًا كان، أو وضوءًا، أو تيممًا، وإذا أسلم صلى بها.

وقد ذهب إلى ما ذهب إليه النووي: إبراهيم الحربي، وابن بطال، والقرطبي، وابن المنير.

وقال ابن المنير: المخالف للقواعد دعوى أنه يكتب له ذلك في حال كفره، وأما أن الله تعالى يضيف إلى حسناته حسنات في الإسلام ثواب ما كان صدر مما كان يظنه خيرًا، فلا مانع منه كما لو تفضل الله عليه ابتداء من غير عمل، وكما يتفضل على العاجز بثواب ما كان يعمل، وهو قادر، فإذا جاز أن يكتب له ثواب ما لم يعمل ألبتة جاز أن يكتب له ثواب ما عمله غير موفى الشروط.

ج 1 ص 309

وقال ابن بطال: لله أن يتفضَّل على عباده بما شاء، ولا اعتراض عليه سبحانه وتعالى. انتهى.

وقال في (( الفتح ) ): واستدل غيره بأن من آمن من أهل الكتاب يؤتى أجره مرتين، كما دل عليه القرآن والحديث الصحيح، وهو: لو مات على إيمانه الأول لم ينفعه شيء من عمله الصالح، بل يكون هباء منثورًا، فدل على أن ثواب عمله الأول يكتب له مضافًا إلى عمله الثاني.

ولقوله صلى الله عليه وسلم لما سألته عائشة عن ابن جدعان، وما كان يصنعه من الخير هل ينفعه فقال: (( إنه لم يقل يومًا: ربِّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين ) )فدل على أنه لو قالها بعدما أسلم نفعه ما عمله في الكفر. انتهى.

وحاصله: ترجيح إثابة الكافر على أعماله الخيرية في حال كفره إذا أسلم.

ورواة هذا الحديث أئمة أجلاء مشهورون، وهو مسلسل بلفظ الإخبار على سبيل الإنفراد مع التصريح بسماع الصحابي من الرسول صلى الله عليه وسلم.

[1] في المخطوط كلام بين السطرين: (( ولطيف لفظ متعلق بالقصاص ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت