وبالسند قال:
525 - (حَدَّثَنا مُسَدَّدُ) : بن مسرهد (قَالَ: حَدَّثَنا يَحيَى) : القطان (عَنْ الأَعْمَشِ) : سليمان بن مهران (قَالَ: حَدَّثَنِي) : بالإفراد (شَقِيقٌ) : أبو وائل بن سلمة الأسدي.
(قَالَ: سَمِعْتُ حُذَيفةُ) : بن اليمان، وللمستملي: (قَالَ: كُنَّا جُلُوسًَا) : أي: جالسين (عِنْدَ عُمَر) : بن الخطاب (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَال: أَيُّكُمُ يَحْفَظُ قَولَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفِتْنَةِ) : اللام فيها لاستغراق خصائص الجنس كقولهم أنت الرجل علمًا؛ أي: أنت كل رجل؛ أي: جامع لصفات الرجال أو على حذف الصفة؛ أي: الفتنة العظمى بدليل ما يأتي.
وقال في (( الفتح ) ): أي المخصوصة ففيه دليل على إطلاق اللفظ العام وإرادة الخاص.
قال في (( المصابيح ) ): أو لأن الأداة لاستغراق خصائص الجنس وهذا الذي قدمته من غير أن أظفر به في كلام أحد من الشراح، ثم رأيت الدماميني ذكره فلله الحمد.
قال العيني: والفتنة الضلال والإثم وفتن الرجل أماله عما كان عليه، قال تعالى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [الإسراء:73] والفتنة الكفر، قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة:193] والفتنة الفضيحة، والفتنة العذاب، والفتنة ما يقع بين الناس من القتال، ذكره ابن سيده.
والفتنة: البلية وأصل ذلك كله الاختبار وأنه من فتنت الذهب في النار إذا اختبرته وفي (( الغريبين ) )الفتنة الغلو في التأويل المظلم.
وقال ابن ظريف: فتنته وافتنته وفتن بكسر التاء فتونًا تحول من حسن إلى قبح.
وفي (( الصحاح ) ): قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: {مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ} [الصافات:162] وأهل نجد يقولون (( بمفتنين ) ): من أفتنت.
وزعم عياض أنها الابتلاء والامتحان، قال: وقد صار في عرف الكلام لكل أمر كشفه الاختبار عن سوء وتكون في الخير والشر قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ} [الأنبياء:35] . انتهى.
(قُلْتُ: أَنَا) : أحفظه (كَمَا قَالَهُ) : قال الكرماني: فإن قلت: هو حافظ لنفس قول رسول الله لا لمثله فما فائدة الكاف؟ قلت: لعله نقله بالمعنى فاللفظ مثل لفظه في أداء ذلك المعنى أو الكاف زائدة.
وزاد في (( الفتح ) ): أو هي بمعنى على ويحتمل أن يراد به المثلية؛ أي: أقوله مثل قوله. انتهى.
وأقول: الذي دعاهم إلى هذه التكلفات حتى قدروا الكاف زائدة أنهم قدروا خبر أنا أحفظ بدون ضمير فيطلب مفعولًا فاضطروا إلى أن جعلوا ما مفعولًا فلزم زيادة الكاف ولو قدروه أحفظه لاستغنوا عن هذه التكلفات فيصير التقدير أحفظه مثلما قاله في عدم الزيادة والنقص، وصح تشبيه محفوظه بما قاله الرسول؛ لأن المحفوظ صور تلك الكلمات ومعانيها لا هي أنفسها فصح تشبيهها بها في عدم الزيادة والنقص ألا تراك لو قلت أروي هذا الحديث عن شيخي فلان كما قاله لكان كلامًا صحيحًا لا شبهة في صحته.
وفي قول صاحب (( الفتح ) )ويحتمل أن يراد به المثلية؛ أي: أقول مثل قوله إشارة إلى ذلك. فليتأمل.
(قَالَ) : عمر لحذيفة (إِنَّكَ عَلَيْهِ) : أي: على النبي صلى الله عليه وسلم أو على قوله: (أَوْ عَلَيْهَا) : أي: على مقالته، وقيل: على الرواية (لَجَرِيءٌ) : بزنة فعيل: بهمز في آخره من الجرأة، وهي الجسارة.
قال الكرماني: والشك من حذيفة.
وقال في (( الفتح ) ): من أحد رواته.
قال في (( المصابيح ) ): قال ذلك على جهة الإنكار لأنه ادعى علمًا غريبًا عميقًا. انتهى.
ويحتمل أن يريد إنك لجريء
ج 2 ص 312
بسبب حفظك وإتقانك فتورد ما تحملته كما سمعته.
(قُلْتُ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ) : مبتدأ (فِي أَهْلِهِ) : أي: بسبب أهله كقوله صلى الله عليه وسلم: (( دخلت امرأة النار في هرة حبستها ) ).
قال ابن بطال: بأن يأتي من أجلهم ما لا يحل له من القول والعمل مما لم يبلغ كبيرة.
وقال المهلب: يريد ما يعرض له معهن من شر أو حزن وشبهه.
(وَمَالِهِ) بأن يكتسبه من غير وجه حل أو يصرفه في غير مصرفه الشرعي.
(وَوَلَدِهِ) : بفرط المحبة لهم والشغل بهم عن كثير من الخيرات والتوغل في الاكتساب من أجلهم من غير اتقاء المحرمات، وفي الحديث الولد مبخلة مجبنة مجهلة.
(وَجَارِهِ) : قال العيني: هي أن يتمنى أن يكون حاله مثل حاله إن كان متسعًا، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} [الفرقان:20] . انتهى.
وفيه نظر إذ تمني الجار مثل حال جاره إذا لم يتمن زوالها عنه لا يكون مذمومًا ولا منهيًا عنه، بل هو حسد غبطة فلا بد من قيد مع تمني زوالها عنه.
ومع هذا القيد يصير الحسد من الكبائر فلا يكفر إلا بالتوبة أو عفو الله تعالى فالأولى أن يمثل لها بعدم مراعات حقوق الجوار أو بإيذائه بنحو اغتياب فليتأمل.
(يُكَفِّرُهَا) : بالفوقية والتحتية (الصَّلاَةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ) : بالمعروف (وَالنَّهْيُ) : عن المنكر خبر المبتدأ الذي هو فتنة الرجل، ويجوز أن تكون فتنة الرجل خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هي كما قدره القسطلاني فيكون قوله يكفرها جملة مستأنفة.
قال العيني: فإن قلت ما النكتة في تعيين هذه الأشياء الخمسة؟ قلت: الحقوق لما كانت في الأبدان والأموال والأقوال فذكر من أفعال الأبدان أعلاها وهو الصلاة والصوم قال تعالى: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة:45] ، وذكر من حقوق الأموال أعلاها وهي الصدقة ومن الأقوال أعلاها وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. انتهى.
أقول: وفي كون الأمر بالعروف والنهي عن المنكر أعلى الأقوال توقف لظهور أن كلمة الشهادة والقرآن أعلى من غير شبهة.
قال الكرماني: ولهذا الكلام محامل أن تكون كل واحدة من الصلاة وأخواتها مكفرة للمذكورات كلها أو لكل واحدة منها وأن يكون المجموع منها مكفرة لها وكذلك الباقي وأن تكون من باب اللف والنشر بأن تكون الصلاة مكفرة للفتنة في الأهل والصوم للفتنة في المال وكذا الباقيات.
(قَالَ) : عمر رضي الله عنه (لَيْسَ هَذَا) : أي: المذكور وإلا فكان الظاهر ليست هذه (أُرِيدُ، وَلَكِنِ) : بتخفيف النون (الْفِتْنَةُ) : بالنصب مفعولًا لأريد محذوفًا.
(الَّتِي تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ الْبَحْرُ) : وفي بعض الأصول المعتمدة: (( كموج البحر ) )؛ أي: تضطرب ويدفع بعضها بعضًا لعظمها، وكلمة ما في كما يموج مصدرية.
(قَالَ) : حذيفة لعمر (لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ) : أي: شدة (يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا) : من أغلقت الباب، قال ثعلب: في الفصيح: أغلقت الباب فهو مغلق.
قال ابن درستويه: والعامة تقول غلقت بدون ألف وهو خطأ وذكره أبو علي الدينوري في باب ما يحذف العامة منه الألف.
(قَالَ) عمر (أيُكْسَرُ) : بالبناء للمفعول مخففًا هذا الباب (أَمْ يُفْتَحُ قَالَ) : حذيفة (يُكْسَرُ قَالَ) : عمر (إِذًا لاَ يُغْلَقَ أَبَدًا) : بالنصب في جواب إذًا لاستيفائها شروط العمل من التصدير واستقبال الفعل بعدها وعدم فصلها منها إلا بلا أو القسم.
قال ابن بطال: لأن الغلق إنما يكون في الباب إذا كان صحيحًا، وأما المنكسر فهو هتك لا يجبر، ولذلك انخرق عليهم بقتل عثمان بعده ما لا يغلق إلى يوم القيامة، وهي الدعوة التي لم تجب منه صلى الله عليه وسلم في أمته. انتهى.
وتلك الدعوة أن لا يجعل بأسهم بينهم.
(قُلْنَا) : لحذيفة هو من قول شقيق (أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ الْبَابَ) : حتى قال إذًا لا يغلق أبدًا (قَالَ) : حذيفة (نَعَمْ) : إنه كان يعلمه (كَمَا أَنَّ دُونَ الْغَدِ اللَّيْلَةَ) : أي: أن الليلة أقرب من الغد والغد أبعد منها؛ أي: يعلمه يقينًا لا شك فيه.
قيل: إنما علمه عمر لأنه صلى الله عليه وسلم لما كان على حراء هو والعمران وعثمان فاهتز قال عليه الصلاة والسلام: (( اثبت حراء فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان ) ) [1] .
(إِنِّي) : بكسر الهمزة (حَدَّثْتُهُ) : أي: عمر (بِحَدِيثٍ) : صدق عن الرسول عليه السلام (لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ) : وهذا من مقول حذيفة.
والأغاليط: جمع أُغلوطة بضم الهمزة وهي التي يغالط بها.
قال النووي: معناه حدثته حديثًا صدقًا من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا من اجتهاد رأي ونحوه، وغرضه أن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت كما جاء في بعض الروايات.
قال الكرماني: ويحتمل أن يكون حذيفة علم أن عمر يقتل ولكنه كره أن يخاطبه بالقتل فإن عمر [2] كان يعلم أنه الباب فأتى بعبارة يحصل منها المقصود ولا تكون إخبارًا صريحًا بقتله.
والحاصل: أن الحائل بين الفتنة والإسلام عمر وهو الباب فما دام حيًا فلا تدخل الفتن فيه فإذا مات دخلت وكذا كان. انتهى.
قال شقيق: (فَهِبْنَا) : أي: منعتنا مهابة حذيفة (أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ) : من الباب (فَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا) : هو ابن الأجدع أن يسأله
ج 2 ص 313
(فَسَأَلَهُ، فَقَالَ) : حذيفة (الْبَابُ عُمَرُ) : وقال الكرماني: فإن قلت كيف كان عمر نفس الباب وقد قال أولًا: إن الباب بين عمر وبين الفتنة؟ قلت: إما أن يراد بقوله بينك بين زمانك، أو المراد بين نفسك بدنك إذ البدن غير الروح أو بين الإسلام والفتنة فيه وخاطب عمر لأنه كان أمير المؤمنين وإمام المسلمين.
فإن قلت: من أين علم حذيفة أن الباب عمر وهل علم من هذا السياق أنه مسند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كلما ذكر في هذا الموضع لم يسند منه شيء إليه صلى الله عليه وسلم قلت: الكل ظاهرًا مسندًا إليه عليه الصلاة والسلام بقرينة السؤال والجواب، ولأنه قال حذيفة حدثت ولفظ الحديث المطلق لا يستعمل إلا في حديثه صلى الله عليه وسلم. انتهى.
وقال العيني: فإن قلت: كيف سأل عمر عن الفتنة التي تأتي بعده خوفًا أن يدركها مع علمه بأنه الباب؟ قلت من شدة خوفه خشي أن يكون نسي فسأل من يذكره. انتهى.
وأقول: أي مانع من سؤاله عنها مع معرفته أنه الباب فجاز أن يسأل عنها ليحذر من أهل زمانه من يدركها.
والحديث أخرجه المؤلف أيضًا في الصلاة وعلامات النبوة والفتن والصوم ومسلم والترمذي وابن ماجه في الفتن.
[1] في هامش المخطوط: (( أخرجه أبو داود في سننه والترمذي ) ).
[2] في هامش المخطوط: (( لعله فإن حذيفة ) ).