فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 1465

44 -وبالسند إلى المؤلف:

قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ) بضم الميم وكسر اللام الخفيفة (بْنُ إِبْرَاهِيمَ) أبو عمرو البصري الأزدي الفراهيدي، مولاهم القصاب، وقد يعرف بالشحام، روى عنه البخاري وأبو داود، وروى البقية عن رجل عنه.

قال العيني: وُلد سنة ثلاث وثلاثين ومائة بالبصرة، لعشرٍ بقين من صفر، وتوفي سنة اثنين وعشرين ومائتين، عمي بآخر عمره، وكان سمع من سبعين امرأة.

(قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) بكسر الهاء ابن أبي عبد الله هو سَندر بفتح السين المهملة، الرَّبعي نسبة إلى ربيعة الدَّسْتَوائِي بفتح الدال وإسكان السين المهملة بعدها فوقية مفتوحة أو مضمومة آخره همزة ممدودة يليها ياء النسب، وقيل: بالقصر ونون بدل الهمزة نسبة إلى كورة من كور الأهواز، كان يبيع الثياب التي تجلب منها، وهو حجة ثقة ثبت، إلا أنه كان يرى القدر.

وقال العجلي: كان يقول بالقدر، ولم يكن يدعو إليه، توفي سنة أربع وخمسين ومائة.

(قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنه (قَالَ يَخْرُجُ) بفتح التحتية وضم الراء، وللأصيلي وأبي الوقت: مبنيًا للمفعول من الإخراج (مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ) في محل رفع على الفاعلية على الرواية الأولى، وعلى النيابة عن الفاعل على الرواية الثانية (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) مقول القول؛ أي: مع محمد رسول الله؛ لأنها صارت علمًا على المجموع كقولهم: قرأت: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} أو كان قبل مشروعية ضمها إليها كما قال الكرماني وتبعه العيني.

قال القسطلاني: وفيه نظر لا يخفى.

وأقول: لعل وجه النظر أن عدم الإيمان بالرسول لم يشرع في وقت من الأوقات، فلا يتم إيمان من آمن بالله، ولم يؤمن بالرسول، ويجوز أن يكون الاستغناء عن ضمها حصل بقوله:

(وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ) فإن هذه الجملة حالية، والمراد بالخير: الإيمان كما في الرواية الأخرى، فيتضمن الشهادتين وبقية أركان الإسلام كالصلاة والزكاة ونحوهما، بل جميع ما علم مجيء النبي به من الدين بالضرورة، وأورد أن خيرًا منكر وتنكيره يقتضي أنه يكفي أي إيمان كان بأي ركن من أركان الإسلام مع أنه لا بد من الإيمان بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم.

وأجيب: بأن المراد بالإيمان المفسر به الخير الإيمان الشرعي، والإيمان في عرف الشارع لا يطلق إلا على الإيمان بجميع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وفائدة التنكير هنا: الترغيب في تحصيله على تخييل القلة؛ لأنه إذا كان القليل يفيد الإخراج من النار، فالكثير أحرى.

وفي قوله: (( من قال ... إلخ ) )إشارة على اشتراط النطق بالشهادتين في الإيمان، وفي ذلك خلاف.

قال الكرماني: فإن قلت: التصديق القلبي كافٍ في الخروج إذ المؤمن لا يخلد في النار، وأما قول لا إله إلا الله فلإجراء أحكام الدنيا عليه، فما وجه الجمع بينهما؟.

قلت: المسألة مختلف فيها، قال بعض العلماء: لا يكفي مجرد التصديق، بل لا بد من القول والفعل أيضًا، وعليه البخاري، أو المراد من الخروج هو بحسب حكمنا به؛ أي: نحكم بالخروج لمن كان في قلبه إيمان ضامًا إليه عنوانه الذي يدل عليه، إذ الكلمة هي شعار الإيمان في الدنيا، وعليه مدار الأحكام التي لا بد منها حتى يصح الحكم بالخروج. انتهى.

وقال أيضًا: فإن قلت: الوزن إنما يتصور في الأجسام ذوات الأجرام، والإيمان معنى من المعاني لا جسمية فيه.

قلت: شبه الإيمان بالجسم، فأضيف إليه ما هو من لوازم الجسم وهو الوزن، ومثله يسمى استعارة بالكناية.

(وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) محمد رسول الله (وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ) بضم الموحدة وتشديد الراء، واحدة البر وهو القمح (مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) محمد رسول الله (وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ) الذَّرَّة بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء واحدة الذر، وهو أصغر النمل، وهي أقل الأشياء الموزونة.

قال في (( القاموس ) ): مائة منها وزن حبة شعير.

وقال بعضهم: أربع ذرَّات وزن خردلة، وقيل: هو الهباء الذي يظهر في شعاع الشمس مثل رؤوس الإبر، وقيل: هو الساقط من التراب بعد وضع كفك فيه ونفضها، ونسب هذا التفسير لابن عباس.

قال الكرماني: وقد صحفها شعبة فضم الذال وخفف الراء، وكان سببه المناسبة، إذ هي من الحبوب أيضًا كالبرة والشعيرة، والكلام من باب الترقي في الحكم وإن كان تنزلًا عن الشعيرة إلى البرة، وعن البرة إلى الذرة.

ج 1 ص 316

انتهى.

وقال في (( الفتح ) ): مقتضاه: أن وزن البرة دون وزن الشعيرة؛ لأنه قدم الشعيرة، وتلاها بالبرة ثم الذرة، وكذلك هو في بعض البلاد، فإن قيل: إن السياق بالواو، وهي لا ترتب، فالجواب: أن رواية مسلم من هذا الوجه بلفظ: (( ثم ) )وهي للترتيب.

وفي الكرماني: قال ابن بطال: قال المهلب: الذَّرَّة: أقل الموزونات، وهي في الحديث: التصديق الذي لا يجوز أن يدخله النقص، وما في البرة والشعيرة من الزيادة على الذرة فإنما هي زيادة من الأعمال يكمل التصديق بها، وليست زيادة في نفس التصديق.

فإن قيل: لما أضاف هذه الأجزاء التي فيها الشعيرة والبرة الزائدة على الذرة إلى القلب دل على أنها زائدة من التصديق لا من الأعمال.

فالجواب: أنه لما كان الإيمان التام إنما هو قول وعمل، والعمل لا يكون إلا بنية وإخلاص من القلب؛ جاز أن ينسب العمل إلى القلب، إذ تمامه بتصديق القلب، وقد عبر عن هذه الأجزاء من الأعمال: مرة بالخير، ومرة بالإيمان، وكل سائغ شائع.

وقال غير المهلب: ويحتمل أن تكون الذرة وأختاها التي في القلب ثلاثتها من نفس التصديق؛ لأن قول: لا إله إلا الله لا يتم إلا بتصديق القلب، والناس يتفاضلون في التصديق، إذ يجوز عليه الزيادة بزيادة العلم والمعاينة، أما زيادته بزيادة العلم فلقوله تعالى: {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا} [التوبة:124] ، وأما زيادته بزيادة المعاينة: فلقوله: {وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة:260] ، و {ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} [التكاثر:7] حيث جعل له مزية على علم اليقين. انتهى.

وإليه جنح النووي.

وتعقبه العيني فقال: قلت: حقيقة التصديق شيء واحد لا يقبل الزيادة والنقصان.

وقال الإمام: إن كان المراد من الإيمان التصديق، فلا يقبل الزيادة والنقصان، وإن كان الطاعات فيقبلها، والأصل: هو التصديق والقول بلا إله إلا الله؛ لإجراء الأحكام في الدنيا، والناس إنما يتفاضلون في التصديق التفصيلي لا في مطلق التصديق.

وقوله تعالى: {وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة:260] حكاية عن قول إبراهيم عليه السلام، وكيف يمكن أن يقال في حقه: زاد تصديقه بالمعاينة؛ لأن القول به يستلزم القول بنقصان تصديقه قبل ذلك، وذا لا يجوز في حقه عليه السلام.

وإنما كان مراده من هذا أن يضم إلى علمه الضروري علمه الاستدلالي؛ ليزيد سكونًا؛ لأن تظاهر الأدلة أسكن للقلوب. انتهى.

وفي الحديث كما قال النووي: الدلالة لما ترجم له من زيادة الإيمان ونقصه، وفيه: دخول طائفة من عصاة الموحدين النار.

وفيه: أن صاحب الكبيرة من الموحدين لا يكفر بفعلها، ولا يخلد في النار، وفيه: أنه لا يكفي في الإيمان معرفة القلب دون الكلمة، ولا الكلمة من غير اعتقاد. انتهى.

ورواة هذا الحديث كلهم أئمة بصريون، وفيه التحديث والعنعنة.

وأخرجه المصنف في التوحيد مطولًا، ومسلم في الإيمان، والترمذي في صفة جهنم، وقال: حسن صحيح.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) البخاري، وفي رواية ابن عساكر: بحذف كما في الفرع وأصله (قَالَ أَبَانُ) وللأربعة: بالواو، و (( أَبَان ) )بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة وهو منصرف؛ لأنه فعال، فالهمزة أصلية، ومنهم من جعله أفعل بزيادة الهمزة، فمنعه من الصرف للعلمية، ووزن الفعل واختاره ابن مالك: قال؛ لأنه منقول من أبان، ولو لم يكن منقولًا لوجب أن يقال فيه: أبين.

قال الكرماني: وغلطوا هذا القائل حتى قالوا: لا يمنع صرف أبان إلا أتان. انتهى.

وهو أبو يزيد بن يزيد البصري العطار، ذكره البخاري عنه تعليقًا؛ لعدم تلاقيهما، وذكره متابعة لا تأصيلًا إما لضعفه، وإما لغيره، وإما لضعف شيخه ونحوه، وأما مسلم؛ فقد روى له في الأصول، وفي ذلك فوائد:

الأولى: ما في سائر المتابعات من التقوية.

الثانية: ما في ذكر الإيمان بدل الخير.

الثالثة: بيان الاحتجاج به؛ لأن قتادة مدلس لا يحتج بعنعنته إلا إذا ثبت سماعه لذلك الذي عنعنه، وقد وقع في الرواية الأولى عنه، وهي رواية هشام بالعنعنة حيث قال: عن أنس، فإنه أثبت من رواية أبان عند التحديث والسماع، إذ قال: حدثنا أنس، علمنا اتصال عنعنته واحتججنا بها، وعلى هذا يحمل كل ما جاء في (( الصحيح ) )من هذا النوع.

واعلم: أن الواسطة بين البخاري وأبان يحتمل أن يكون مسلم بن إبراهيم، وأن يكون غيره، كذا في الكرماني.

(حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة (قال: حَدَّثَنَا أَنَسٌ) رضي الله تعالى عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ إِيمَانٍ) مَكَانَ (( خَيْرٍ ) )وللأصيلي: وهذا التعليق وصله الحاكم في كتاب (( الأربعين ) )له من طريق أبي سلمة، قال: حدثنا أبان

ج 1 ص 317

بن يزيد، فذكره، ولم يكتف بطريق أبان السالمة من التدليس ويسوقها موصولة؛ لأن أبان وإن كان مقبولًا، لكن هشام أتقن منه وأضبط.

بل قال أبو داود الطيالسي: ما روى الناس عن أثبت من هشام الدستوائي فجمع المصنف بين المصلحتين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت