45 -وبه قال:
(حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ) بتشديد الموحدة بعد الصاد المهملة المفتوحة وللأصيلي: بزاي بعد الموحدة المفتوحة بعدها، راء الواسطي المتوفى ببغداد سنة ستين ومائتين فيما ذكر محمد بن طاهر وابن عساكر، وقال محمد بن سرور المقدسي والكلاباذي: توفي سنة تسع وأربعين ومائتين (أنه سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ) بالنون المخزومي بن جعفر توفي بالكوفة سنة سبع ومائتين وأسقط المصنف (( أنه ) )قبل (( سمع ) )خطأ جريًا على عادتهم كقال: لا نطقا فإنه يجب التلفظ بهما عند الجمهور.
قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ) بضم العين المهملة وفتح الميم وسكون المثناة التحتية آخره سين مهملة، عقبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفي المتوفى سنة عشرين ومائة قال: (حدثنا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ) الكوفي العابد، المتوفى سنة عشرين ومائة أيضًا (عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) أي: ابن عبد شمس البجلي الصحابي رأى النبي صلى الله عليه وسلم وغزا في خلافة الشيخين ثلاثة وثلاثين ما بين غزوة وسرية، مات سنة ثلاث وثمانين كما قاله المزي، وقيل: سنة اثنتين أو ثلاث وعشرين ومائة.
(عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه (أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ) هو كعب الأحبار بين ذلك مسدد في (( مسنده ) )والطبري في (( تفسيره ) )والطبراني في (( الأوسط ) )كلهم من طريق رجاء بن أبي سلمة، عن عباد بن نُسَي بضم النون وفتح المهملة، عن إسحاق هو ابن خرشة، عن قبيصة بن ذئب، عن كعب.
وللمصنف في المغازي من طريق الثوري عن قيس بن مسلم: (( أن ناسًا من اليهود ) )وله في التفسير من هذا الوجه بلفظ: (( قالت اليهود ) )، فيحمل على أنهم كانوا حين سؤال كعب عن ذلك جماعة، وتكلم كعب على لسانهم، كذا في (( الفتح ) ).
وفي (( العيني ) ): اليهود: علم قوم موسى عليه السلام.
وفي (( العباب ) ): اليهود: اليهوديون ولكنهم حذفوا ياء الإضافة كما قالوا: زنجي وزنج، ورومي وروم، ثم عرف الجمع بالألف واللام ولولا ذلك لم يجز دخول الألف واللام؛ لأنه معرفة مؤنث يجري في كلامهم مجرى القبيلة ولم يجر كالحي. انتهى.
وسموا به اشتقاقًا من هادوا؛ أي: مالوا إما عن عبادة العجل أو عن دين موسى أو من هاد إذا رجع من خير إلى شر ومن شر إلى خير؛ لكثرة انتقالهم من مذاهبهم، وقيل: لأنهم يهودون؛ أي: يتحركون عند قراءة التوراة، وقيل: معرب يهوذا بن يعقوب بالذال المعجمة ثم نسب إليه فقيل: يهودي ثم حذفت الياء في الجمع فقيل يهود وكل منسوب إلى جنس الفرق بينه وبين واحده بالياء وعدمها نحو روم ورومي كما ذكرنا. انتهى.
(قَالَ لَهُ) أي: لعمر (يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ) آية مبتدأ وهو نكرة وسوغ الابتداء به تخصيصه بالصفة.
وقوله: (تَقْرَؤُونَهَا) جملة في محل الرفع على أنها صفة أخرى للمبتدأ، والجملة الشرطية أعني قوله: (لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ) خبره، ويجوز أن يكون المخصص للمبتدأ صفة محذوفة تقديره آية عظيمة وقوله: (( في كتابكم ) )خبره وقوله تقرؤونها خبر بعد خبر ويجوز أن يكون الخبر محذوفًا مقدرًا فيما قبله تقديره في كتابكم آية كذا في العيني.
وقوله: (( لو علينا ) )تقديره: لو نزلت علينا؛ لأن لو لا تدخل إلا على الفعل فحذف الفعل لدلالة المذكور عليه كما في قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ} [التوبة:6] ، وقوله تعالى: {لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ} [الإسراء:100] ؛ أي: لو تملكون أنتم كذا.
قال العيني تبعًا للكرماني: وفيه نظر إذ لا ضرورة تدعو إلى جعله من باب الحذف على شريطة التفسير؛ لأنه يجوز أن تكون لو هنا داخلة على الفعل المذكور مفصولًا بينها وبينه بمعموله الذي هو الجار والمجرور والفصل بالمعمول غير منافٍ لاختصاصها بالفعل؛ لأنه مقدم من تأخير وهي داخلة على الفعل تقديرًا بخلاف ما نظر به من الآيتين المتقدمتين فإن المرفوع فيهما الذي وليته أن ولولا يجوز أن يكون معمولًا للفعل المؤخر عند البصريين فلم تكن الأداتان داخلتين على فعل تقدم معموله عليه فوجب أن يقدر فعل آخر بكون ذلك المعمول مرفوعًا به، فليتأمل.
وقوله: (( معشر اليهود ) )منصوب على الاختصاص كقوله صلى الله عليه وسلم: (( نحن معاشر الأنبياء لا نورث ) ).
(لاَتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا) أي: لعظمناه وجعلناه عيدًا لنا في كل سنة لعظم ما حصل لنا فيه من إكمال الدين وإتمام النعمة وسمي العيد عيدًا؛ لعوده في كل عام أو لعود السرور فيه أو لعود الله تعالى فيه على عباده بعوائد الإحسان (قَالَ) عمر رضي الله تعالى عنه (أَيُّ آيَةٍ؟) (( أيُّ ) )هنا اسم استفهام معرب مضاف وقد تترك الإضافة وفيه معناها
ج 1 ص 318
وإذا كان الذي أضيف إليه مؤنثًا لا يجب دخول التاء فيه وإنما يجب إذا [و] قع صفة لمؤنث نحو: مررت بامرأة أية امرأة، ونظيره قوله تعالى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان:34] . انتهى.
وفيه نظر، إذ الواقعة صفة لمؤنث ليست استفهامية وإنما هي دالة على صفة الكمال في ذلك الجنس كقولك: مررت برجل أيّ رجل؛ أي: كامل في صفة الرجولية فهي قسيم الاستفهامية لا قَسم منها يرشدك إلى ذلك أن مدخولها يحتمل الصدق والكذب بخلاف الاستفهامية.
قال الكرماني: فإن قلت: فهل فرق بين أن يقال أي آية وأن يقال: وما تلك الآية؟.
قلت: نعم السؤال بأي إنما هو عما يميز أحد المتشاركات وبـ (( ما ) )عن الحقيقة والغرض هاهنا طلب تعيين تلك الآية وتمييزها عن سائر الآيات التي في الكتاب مقروءة. انتهى.
(قَالَ) أي: كعب ( {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} ) قال الزمخشري: أي: أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكليفكم من تعليم الحلال والحرام والتوقيف على الشرائع وقوانين القياس ( {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} ) بذلك؛ أي: بكمال أمر الدين؛ لأنه لا نعمة أتم من نعمة الإسلام ( {وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} ) يعني: اخترته لكم من بين الأديان وآذنتكم بأنه هو الدين المرضي وحده. انتهى.
وقوله: (( {لَكُمُ} ) )متعلق برضيت؛ لتضمينه معنى اخترت أو حال من دينًا و (( {دِينًا} ) )مفعول ثان لرضيت إن ضمن معنى صيرت أو منصوب على الحال من الإسلام إن بقي على معناه.
(قَالَ) وللأصيلي: (عُمَرُ) رضي الله عنه (قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ) وللأصيلي: (عَلَى النَّبِيِّ) ولأبي ذر: (صلى الله عليه وسلم) والظاهر أنه حذف هنا صفة اليوم لدلالة صفة المكان عليها ويدل لذلك ما زاده مسلم عن عبد بن حميد في هذا الحديث: (( إني لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه ) )، وزاد أحمد عن جعفر بن عون: (( والساعة التي نزلت فيها على النبي صلى الله عليه وسلم ) ).
(نَزَلَتْ وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ) جملة وهو قائم حال مرتبطة بالواو والضمير الراجع للنبي صلى الله عليه وسلم، ولأبوي ذر والوقت ونسخة لابن عساكر: بالألف واللام والظرفان متعلقان بـ (( نزلت ) )وقائم على التنازع فأعمل الثاني لقربه وحذف من الأول؛ لأنه فضله والجمُعة بضم الميم وسكونها وحكى بعضهم كسرها، والفرق بين الساكن والمتحرك أن الساكن بمعنى المفعول، والمتحرك بمعنى الفاعل ومنه قولهم: رجل ضحكه بالسكون لمن يضحك عليه، وضحكه بالتحريك لمن يضحك كثيرًا فالمعنى إما مجموع فيه الناس أو جامع لهم وهذه كما قال الكرماني: قاعدة كلية.
قال الكرماني: فإن قلت: عرفة غير منصرف اتفاقًا للعلمية والتأنيث فما بال الجمعة منصرفة مع كونها مثلها في كونها اسمًا للزمان المعين وفيه تاء التأنيث؟.
قلت: عرفة علم والجمعة صفة أو غير صفة ليست علمًا ولو جعل علمًا لامتنع من الصرف.
فإن قلت: عرفة والجمعة يدلان على الزمان فما الذي يدل على مكان النزول؟.
قلت: إما أن يقال: علم من عرفة أيضًا، إما لأن زمان الوقوف بعرفة؛ إنما هو في عرفات، وإما لأن عرفة قد يطلق على عرفات أيضًا، فيراد هنا كلا المعنيين على مذهب من جوز إعمال اللفظ المشترك في معنييه كالشافعي وغيره، أو يقال: إنما قال عرفنا المكان ولكن لم يتعرض لتعيينه. انتهى.
قال في (( الفتح ) ): فإن قيل: كيف طابق الجواب السؤال؛ لأنه قال (( لاتخذناه عيدًا ) )وأجاب عمر رضي الله عنه بمعرفة الوقت والمكان ولم يقل جعلناه عيدًا؟.
والجواب عن هذا: أنها نزلت في أخريات نهار عرفة ويوم العيد إنما يتحقق بأوله وقد قال الفقهاء: إن رؤية الهلال بعد الزوال للقابلة هكذا قاله بعض من تقدم وعندي أن هذه الرواية اكتفي فيها بالإشارة وإلا فرواية إسحاق عن قبيصة التي قدمناها قد نصت على المراد ولفظه: (( نزلت يوم الجمعة، يوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد ) ).
ولفظ الطبري والطبراني: (( وهما لنا عيدان ) ).
وكذا عند الترمذي من حديث ابن عباس: (( أن يهوديًا سأله عن ذلك فقال: فإنها نزلت في يوم عيدين يوم جمعة، ويوم عرفة ) ).
فظهر أن الجواب تضمن أنهم اتخذوا ذلك اليوم عيدًا وهو يوم الجمعة واتخذوا يوم عرفة عيدًا؛ لأنه ليلة العيد وهذا كما جاء في الحديث الآتي في الصيام: (( شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة ) )فسمي رمضان عيدًا؛ لأنه يعقبه العيد.
فإن قيل: كيف دلت هذه القصة على ترجمة الباب؟.
أجيب: من جهة أنها بينت أن نزولها كان بعرفة، وكان ذلك في حجة الوداع التي هي آخر عهد البعثة حين تمت الشريعة وأركانها، وقد جزم السُّدِّي بأنه لم ينزل بعد هذه الآية شيء من الحلال
ج 1 ص 319
والحرام.
وفي سند هذا الحديث ثلاثة رجال كوفيون، ورواية صحابي عن صحابي والتحديث والعنعنة والإخبار.
وأخرجه المؤلف في المغازي والتفسير والاعتصام، ومسلم، والترمذي، وقال: حسن صحيح، وكذا النسائي في الإيمان والحج.