وبالسند قال:
540 - (حَدَّثَنا أَبُو اليَمانِ) : أي: الحكم بن نافع (قَالَ: أَخْبَرنَا شُعَيبٌ) : بن أبي حمزة (عَن الزُّهريّ) : محمد بن شهاب (قَالَ: أَخْبَرنِي) : بالإفراد لغير الأصيلي (أَنْسُ بنُ مَالِكٍ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسَولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَرجَ حِينَ زَاغَتْ) : بالغين المعجمة؛ أي: زالت (الشَّمْسُ) ورواه الترمذي: زالت (فَصَلَّى الظُّهْرَ) : قال في (( الفتح ) ): والغرض منه هنا صدر الحديث وهو قوله حين زاغت الشمس فصلى الظهر فإنه يقتضي أن زوال الشمس أول وقت الظهر، إذ لم ينقل أنه صلى قبله، وهذا هو الذي استقر عليه الإجماع، وكان فيه خلاف قديم عن بعض الصحابة أنه جوز صلاة الظهر قبل الزوال. وعن أحمد وإسحاق مثله في الجمعة.
ويعرف الزوال بالآلات الفلكية كربع الدائرة المقنطر والمجيب والاصطرلاب ويعرف أيضًا بنصب شاخص في أرض مستوية فما دام الظل ينقص فهو قبل الزوال ومتى شرع في الزيادة فذاك وقت الزوال.
وقال أبو طالب المكي في (( قوت القلوب ) ): الزوال ثلاثة أقسام: زوال لا يعلمه إلا الله وزوال تعلمه الملائكة المقربون وزوال تعلمه الناس يعني أن الزوال الحقيقي يختص به الله تعالى إذ الملائكة لا تقدر على دركه وما دونه تدركه الملائكة والزوال التقريبي هو الذي تدركه الناس. قال: وجاء في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم سأل جبريل عليه السلام هل زالت الشمس قال لا نعم قال: ما معنى لا نعم قال: يا رسول الله قطعت الشمس بين قولي لا نعم خمسمائة عام.
قال الكرماني: فإن قلت: ما وجه التوفيق بينه وبين حديث الإبراد؟
قلت: الإبراد ثبت بقوله صلى الله عليه وسلم وفعله، وهاهنا بالفعل فقط فترجح ذلك وقيل الأمر بالإبراد متأخر عنه فهو ناسخ له، وقيل: التعجيل هو الأصل والإبراد رخصة عند حصول المشقة فعند عدم لحوقها التعجيل أولى.
وقال البيضاوي: الإبراد تأخير الظهر أدنى تأخير بحيث يقع الظل ولا يخرج بذلك عن هذا التهجير فإن الهاجرة تطلق على الوقت إلى أن يقرب العصر. انتهى.
(فَقَامَ) : أي: وقف صلى الله عليه وسلم بعد فراغه من الصلاة (عَلَى الْمِنْبَرِ، فَذَكَرَ السَّاعَةَ) : أي: قيامها (فَذَكَرَ أَنَّ فِيهَا أُمُورًا عِظَامًا) : تفصيل لقوله فذكر الساعة (ثُمَّ قَالَ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ) : نكرة في سياق الاستفهام فتعم.
(فَلْيَسْأَلْ) : أي: فليسألني عنه (فَلاَ) : وللأصيلي: بإسقاط الفاء (تَسْأَلُونِي) : بحذف نون الوقاية عند الجمهور، أو بحذف نون الرفع عند سيبويه وابن مالك (عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ) : بكسر الهمزة (نَبَّأْتُكُمْ بِهِ) : الماضي هنا مستعمل في المستقبل مجازًا؛ أي: ألا أنبئكم.
(مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا) : وسقط اسم الإشارة لأبي ذر والأصيلي وأبي الوقت وابن عساكر (فَأَكْثَرَ النَّاسُ فِي الْبُكَاءِ) : أي: من البكاء أو هي على معناها الحقيقي وبكاؤهم إما لاستماعهم أهوال القيامة وإما لخوفهم من نزول عذاب بهم بسبب غضب النبي صلى الله عليه وسلم وغيظه من المنافقين.
قال في (( المصابيح ) ): قيل سبب ذلك أنه عليه الصلاة والسلام بلغه أن قومًا من المنافقين يسألونه ويعجزونه عن بعض ما يسألونه عنه فتغيظ عليهم وقال: لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به فبكى الناس خوف نزول العذاب المعهود في الأمم الخالية. انتهى.
قال الكرماني: البكاء يمد ويقصر فإذا مددت أردت الصوت الذي يكون مع البكاء وإذا قصرت أردت الدموع وخروجها. انتهى.
(وَأَكْثَرَ) : صلى الله عليه وسلم (أَنْ يَقُولَ سَلُونِي) : ولأبي ذر والأصيلي: بحذف النون والياء (فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ) : بضم الحاء المهملة وبالذال المعجمة (السَّهْمِيُّ) : بفتح السين المهملة وسكون الهاء (فَقَالَ: مَنْ أَبِي) : اسم استفهام خبر مقدم وأبي مبتدأ مؤخر، ويجوز العكس عند سيبويه وإنما سأل عن ذلك لأنه كان يدعى لغير أبيه فأراد دفع هذه الريبة.
(قَالَ) : صلى الله عليه وسلم (أَبُوكَ حُذَافَةُ ثُمَّ أَكْثَرَ) : صلى الله عليه وسلم (أَنْ يَقُولَ) : أي: من أن يقول (سَلُونِي) : أمر من سال بالألف مخفف سأل بالهمز (فَبَرَكَ) : بفتح الراء (عُمَرُ) : بن الخطاب رضي الله عنه
ج 2 ص 327
(عَلَى رُكْبَتَيْهِ) : بالتثنية (فَقَالَ) : ولابن عساكر: (رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ) : صلى الله عليه وسلم (نَبِيًّا، فَسَكَتَ) : عليه السلام عن قوله: سلوني (ثُمَّ قَالَ عُرِضَتْ) : بالبناء للمفعول وتاء التأنيث.
(عَلَيَّ) : بتشديد التحتية (الْجَنَّةُ وَالنَّارُ) : أي: كشف لي عنهما (آنِفًا) : بمد الهمزة والنصب على الظرفية لأنه بمعنى الآن (فِي عُرْضِ) : بضم العين المهملة وسكون الراء؛ أي: ناحية (هَذَا الْحَائِطِ) : وهو جدار المسجد يقال عرض الشيء بالضم؛ أي: ناحيته من أي جهة جئته.
وفي (( القاموس ) ): عُرض: بالضم بلد بالشام وسفح الجبل والجانب والناحية ومن النهر والبحر وسطه ومن الحديث معظمه كعراضه ومن الناس معظمهم ويفتح ومن السيف صفحته ومن العنق جانباه.
وعرض الجنة والنار عليه إما بأن يكونا رفعتا إليه أو زوي له ما بينهما وبينه أو مثلتا له.
(فَلَمْ أَرَ) : أي: لم أبصر (كَالْخَيْرِ) : أي: مثل الخير الذي في الجنة (وَالشَّرِّ) : الذي في النار فالكاف هنا اسمية مثلها في {أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ} [آل عمران:49] ، أو ما أبصرت شيئا كالطاعة في سبب دخول الجنة والكفر والمعاصي في سبب دخول النار.
وبقية مباحث هذا الحديث تقدمت في كتاب العلم.