فهرس الكتاب

الصفحة 899 من 1465

وبالسند قال:

555 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التنيسي (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشي (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه.

(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ: مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ) قال القسطلاني: كذا أخرجه المؤلف هنا بهذا اللفظ، وأخرجه في بدء الخلق من طريق شعيب بن أبي حمزة بلفظ: (( الملائكة يتعاقبون، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ) ).

وحينئذ ففي سياقه هنا إضمار الفاعل كأن الراوي اختصر المذكور هنا من المذكور في بدء الخلق، فملائكة المنكر بدل من الضمير أو بيان كأنه قيل: من هم؟ فقيل: ملائكة، وهذا مذهب سيبويه فيه وفي نظائره وإلى غير ذلك ذهب أبو حيان والسهيلي وناقشه أبو حيان بأن هذه الطريقة اختصرها الراوي واحتج بحديث أبي هريرة من وجه آخر عند البزار: (( إن لله ملائكة يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ) ) [1] .

وتعقبه في (( المصابيح ) )بأنها دعوى لا دليل عليها فلا يلتفت إليها انتهى فليتأمل.

وأقول: في عبارته هذه غموض وسوء ترتيب حصل به الإغلاق فإن قوله: وإلى غير ذلك ذهب أبو حيان والسهيلي وناقشه أبو حيان، فإن الظاهر أن الضمير في: ناقشه راجع إلى السهيلي ولا معنى له؛ لأن أبا حيان بمقتضى تعبيره موافق السهيلي فكيف يناقشه ولا احتمال إلى رجع الضمير لغير السهيلي وقد نقل غيره من الشراح أن مناقشة أبي حيان لابن مالك في استدلاله بهذه الآية على هذه اللغة.

قال في (( الفتح ) ): قال القرطبي: الواو في قوله: (( يتعاقبون ) )علامة الفاعل المذكور المجموع على لغة بني الحارث وهم القائلون: أكلوني البراغيث، وهي لغة فاشية وعليها حمل الأخفش قوله تعالى: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى} [طه:62]

ج 2 ص 338

قال: وقد تعسف بعض النحاة في تأويلها وردها للبدل وهو مستغنى عنه فإن تلك اللغة مشهورة ولها وجه من القياس واضح.

وقال غيره في تأويل الآية قوله تعالى: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى} : عائد على الناس المذكورين أولًا والذين ظلموا بدل من الضمير، وتوارد جماعة من الشراح على أن حديث الباب من هذا القبيل.

ووافقهم ابن مالك وناقشه أبو حيان زاعمًا أن هذه الطريق اختصرها الراوي، واحتج لذلك بما رواه البزار من وجه آخر عن أبي هريرة بلفظ: (( إن لله ملائكة يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ) )الحديث انتهى ملخصًا.

وقال في (( المصابيح ) ): جاء على لغة: أكلوني البراغيث وكان عليه السلام يعرف جميع لغات العرب.

وقال السهيلي في هذا الحديث: إن الواو فيه علامة إضمار؛ لأنه حديث مختصر رواه البزار مطولًا مجردًا فقال فيه: (( إن لله ملائكة يتعاقبون فيكم ) ).

قلت: دعوى لا دليل عليها فلا يلتفت إليها، وقد اعتمدها أبو حيان في رد كلام ابن مالك في الاستدلال بهذا الحديث انتهى.

فتبين بهذا ما في كلام القسطلاني من الاختصار المخل، والتعاقب أن تأتي طائفة عقب طائفة.

قال الكرماني: ومنه تعقيب الجيوش وهو أن يذهب إلى العدو قوم ويجيء آخرون، قال: وكرر ملائكة وجيء بها نكرة دلالة على أن الثانية غير الأولى انتهى.

أي: لأن النكرة إذا أعيدت كانت غير الأولى غالبًا كقولك: اشتريت فرسًا وبعت فرسًا، فإن الفرس الثانية غير الأولى بخلاف قولك: وبعت الفرس بالتعريف فإن الثانية عين الأولى.

وفي القسطلاني: والمراد بالملائكة الحفظة عند الأكثرين، وتعقب بأنه لم ينقل أن الحفظة يفارقون العبد، ولا أن حفظة الليل غير حفظة النهار.

(وَيَجْتَمِعُونَ) أي: الملائكة (فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ وَصَلاَةِ الْعَصْرِ) أي: في وقتيهما.

قال في (( الفتح ) ): قال ابن المنير: التعاقب مغاير للاجتماع، لكن ذلك منزل على حالين، قلت: وهو ظاهر.

وقال ابن عبد البر: الأظهر أنهم يشهدون معهم الصلاة في الجماعة، واللفظ محتمل للجماعة وغيرها كما يحتمل أن التعاقب يقع بين طائفتين دون غيرهم، وأنه يقع التعاقب بينهم في النوع لا في الشخص.

قال عياض: والحكمة في اجتماعهم في الصلاتين من لطف الله بعباده وإحسانه بهم وإكرامه لهم بأن جعل اجتماع ملائكته في حال طاعة عباده لتكون شهادتهم لهم بأحسن الشهادة.

قلت: وفيه شيء؛ لأنه رجح أنهم الحفظة، ولا شك أن الذين يصعدون كانوا مقيمين عندهم مشاهدين لأعمالهم في جميع الأوقات، فالأولى أن يقال: الحكمة في كونه تعالى لا يسألهم إلا عن الحالة التي تركوهم عليها ما ذكر، ويحتمل أن الله تعالى يستر عنهم ما يعملونه فيما بين الوقتين لكنه بناء على أنهم غير الحفظة.

وفيه إشارة إلى الحديث الآخر: (( إن الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ) )فمن ثم وقع السؤال من كل طائفة عن آخر شيء فارقوهم عليهم انتهى.

(ثُمَّ يَعْرُجُ) الملائكة (الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ) أيها المصلون، ذكر الذين باتوا دون الذين ظلوا إما اكتفاءً بذكر أحد المثلين عن الآخر نحو: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل:81] أي: والبرد، وإما لأن حكم طرفي النهار يعلم من حكم طرفي الليل، وإما لأن باتوا مستعمل في أقاموا مجازًا فيشمل الليل والنهار.

ويؤيده ما رواه النسائي عن أبي الزناد: (( ثم يعرج الذين كانوا فيكم ) )وما رواه ابن خزيمة عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: (( تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر وصلاة العصر، فيجتمعون في صلاة الفجر فتصعد ملائكة الليل وتبيت ملائكة النهار، ويجتمعون في صلاة العصر فتصعد ملائكة النهار وتبيت ملائكة الليل ) ).

وإما لأن الليل مظنة المعصية فلما لم يقع منهم عصيان مع توفر دواعيه ليلًا؛ لأن الليل أخفى للويل بل اشتغلوا بالعبادة كان النهار أولى.

وإما لأن ملائكة الليل إذا صلوا الفجر عرجوا في الحال وملائكة النهار إذا صلوا العصر لبثوا إلى آخر النهار لضبط بقية عمل النهار.

وزيفه في (( الفتح ) ): بأنه يقتضي أن ملائكة النهار لا يسألون في وقت العصر وهو خلاف ظاهر الحديث وتمامه فيه.

(فَيَسْأَلُهُمْ) أي: يسأل الملائكة ربهم تعبدًا كما تعبدهم بكتب أعمالهم (وَهْوَ أَعْلَمُ بِهِمْ) أي: بالمصلين ففيه تفكيك الضمير اعتمادًا على ظهور القرينة، وفيه عود الضمير إلى غير مذكور لفظًا لكنه معلوم من المقام كقوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ} ؛ أي: القرآن {فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر:1] ، وقوله تعالى: {حَتَّى تَوَارَتْ} ؛ أي: الشمس {بِالْحِجَابِ} [ص:32] .

واعلم إن بقي على حقيقته فيحتاج إلى تقدير من التفضيلية؛ أي: أعلم بهم من الملائكة وإن كان بمعنى عالم فلا يحتاج إلى تقدير والجملة إما اعتراضية أو حالية.

(كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ) الجملتان حاليتان مقترنتان بالواو، واستشكل قوله: (( وهم يصلون ) )لأنه يلزم منه مفارقتهم لهم قبل أن يشهدوا الصلاة معهم، والحديث مصرح بأنهم شهدوها معهم في قوله: (( ويجتمعون في صلاة الفجر

ج 2 ص 339

وصلاة العصر )) .

وأجيب: بأنه محمول على شهودهم مع المصلين لها أول وقتها أو محمول على أنهم شهدوا من دخل فيها ومن شرع في أسبابها والمنتظر لها وهم في حكم من دخل فيها.

وهذا هو الجواب عن سؤال كيف تركتم ثم زادوا في الجواب لإظهار رغبتهم في الثناء عليهم ورضا مما هم عليه من العبادة ولاستمناح المغفرة لهم من معبودهم فقالوا: وأتيناهم وهم يصلون.

وقال في (( الفتح ) ): استنبط منه بعض الصوفية أنه يستحب أن لا يفارق الشخص شيئًا من أموره إلا وهو على طهارة كشعره إذا حلقه وظفره إذا قلمه وثوبه إذا أبدله ونحو ذلك.

وقال ابن أبي جمرة: أجابت الملائكة بأكثر مما سئلوا لأنهم علموا أنه سؤال يقتضي التعطف على بني آدم فزادوا في موجب ذلك.

قال: ويستفاد منه أن الصلاة أعلى العبادات لأنه عليها وقع السؤال والجواب، وفيه الإشارة إلى عظم هاتين الصلاتين لكونهما يجتمع فيهما الطائفتان وفي غيرهما طائفة واحدة، ويترتب عليه حكمة الأمر بالمحافظة عليهما والاهتمام بهما.

وفيه تشريف هذه الأمة على غيرها، ويستلزم تشريف نبيها على غيره، وفيه الإخبار بالغيوب ويترتب عليه زيادة الإيمان، وفيه الإخبار بما نحن فيه من ضبط أحوالنا حتى نتيقظ ونتحفظ في الأوامر والنواهي ونفرح في هذه الأوقات بقدوم رسل ربنا وبسؤال ربنا عنا.

وفيه إعلامنا بحب ملائكة الله تعالى لنا لنزداد فيهم حبًا ونتقرب إلى الله بذلك، وفيه كلامه تعالى مع ملائكته وغير ذلك انتهى ملخصًا.

وقيل: كان ذلك لإظهار الحكمة في خلق بني آدم في مقابلة من قال من الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} [البقرة:30] الآية، والمعنى أنه قد وجد فيهم من يسبح ويقدس مثلكم بنص شهادتكم.

[1] في هامش المخطوط: (( يعني أن الواو المتصلة بالفعل ضمير الجمع في محل رفع على الفاعلية ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت